الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Zodiac.. رحلة تاريخية في عهد قاتل متسلسل

كيوبوست- عبيد التميمي

Zodiac“، فيلم جريمة مبني على أحداث حقيقية؛ يتحدث عن سلسلة الجرائم التي بدأت في نهاية الستينيات الميلادية في سان فرانسيسكو، جرائم القاتل “زودياك” التي لم تُحل حتى الآن. الفيلم من إخراج ديفيد فينشر، وبطولة جيك جيلنهال، ومارك رافالو، وروبرت داوني جونيور. يمر الفيلم على جميع الجرائم المرتكبة باسم زودياك، والتي بدأت بجريمة قتل مزدوجة في عام 1969، ويظهر تأثيرها على المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت.

يسقط هذا الفيلم سهواً حينما تبدأ محادثة حول أعمال ديفيد فينشر؛ الرجل الذي كان خلفSe7en” ” و”Fight Club” كأشهر أعماله، واتجه إلى التليفزيون في السنوات الأخيرة مع المسلسل الرائع “Mindhunter“. لكن بعد مشاهدة الفيلم مؤخراً من الصعب التصديق أن اسمه يسقط سهواً باستمرار؛ لأنه دون أية مبالغة ينافس بجدارة على أن يكون أفضل أفلام فينشر على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: Knives Out .. تحية إلى أدب الجريمة

خلفية فينشر في إخراج الإعلانات والكليبات الغنائية تظهر جلية في “زودياك”، هذا أكثر أفلامه “سينمائية”، وأعني بذلك الاهتمام الفائق بالصورة والألوان وتنوع اللقطات لتناسب نبرة المشهد، ولا يتراجع فينشر عن إغراق مشاهده بالأغاني والموسيقى المناسبة للحقبة، محولاً الفيلم إلى فيلم حقبة زمنية قبل أن يكون فيلم جريمة.

هذه السينمائية تظهر منذ أول المشاهد؛ وهو مشهد جريمة القتل، جميع العناصر التي سوف نشاهدها خلال الساعتين ونصف الساعة المقبلتَين نشاهدها في المشهد الأول.. من هدوء قبل العاصفة، ولحظات ترقب، وموسيقى وأغانٍ، وشاعرية دموية، ورعب نفسي لا مثيل له.

ديفيد فينشر مع جيك جيلنهال

“زودياك” فيلم باهر بصرياً، والإبهار البصري لا يأتي من مؤثرات بصرية أو لقطات بديعة؛ لكنه يأتي من كون الفيلم يُروى بصرياً، كل مشهد يمتلك حكايته الخاصة وطريقة سرده الفريدة، وكأن المشهد موصوف بشكل دقيق في رواية، وكل ما فعله فينشر هو نسخ هذا الوصف.. اختيار زوايا التصوير وأماكن وقوف الشخصيات وقت الحوارات كلها عبارة عن سرد غير مباشر للقصة وموازين القوى في هذه المشاهد، وفي أحيانٍ كثيرة تسبق الصورة الكلام.

هذا أقل أفلام فينشر مركزية؛ فهو لا يمتلك بطلاً معيناً، بالأحرى بطولة الفيلم هي قصة القاتل زودياك، والتي سيطرت على الأخبار وغيرت حياة الكثيرين؛ لكن ذلك لا يمنع الفيلم من التنقل بانسيابية رائعة بين أبطاله دون أية خسارة للرتم أو الصوت. يظل المشاهد متيقظاً متلهفاً لأي حدث جديد في القصة رغم اختلاف الراوي في كل مرة، وسواء أكان التركيز على المحقق أم الصحفي أم رسام الكاريكاتير، فدرجة الاهتمام هي نفسها؛ بنفس الشدة ونفس الحدة.

رغم لا مركزية الفيلم وطول مدته؛ فإن فينشر لا يواجه أية مشكلة في صنع فيلم مليء بالإثارة والتشويق، أجواء الفيلم مشحونة وجميع الشخصيات تقع تحت ضغط معين بسبب جرائم القتل، نشاهد تأثير هذه الجرائم على الشعب والشرطة والصحافة والمشاهير. يلقي الفيلم نظرة شاملة تتنقل بسرعة بين صفائح المجتمع. ومع كل اكتشاف جديد في التحقيق تندفع القصة بشكل أسرع من ذي قبل، والتسارع في نصف الساعة الأخير من الفيلم يصل إلى درجة غير مسبوقة.

مشهد من الفيلم

وهذا ليس غريباً إطلاقاً على فينشر؛ قدرته على اقتباس القصص البوليسية المليئة بالتفاصيل، ومترامية الأطراف، واحتوائها في وقتٍ ممتاز، والإبقاء على جوهر القصة متماسكاً دون خسارة الروح الأدبية، وفعل كل ذلك دون أدنى مشكلة مع إدارة المدة الزمنية الطويلة للفيلم دون أية مشكلات؛ بل وبشكل ممتع.

فينشر نجح في هذا التحدي مرات عديدة في أفلام؛ مثل”The Curious Case of Benjamin Button” ، والذي كانت مدته تقارب ساعتين و45 دقيقة، أو “The Girl with The Dragon Tattoo” بمدة عرض تتخطى ساعتين ونصف الساعة؛ لكن “زودياك” سبق هذه الأفلام جميعها، وقد يكون أفضل أعماله من هذه الناحية.

اقرأ أيضًا: The Gentlemen.. رحلة في عالم المخدرات

جزء كبير من نجاح فينشر بتسيير أفلام طويلة دون مشكلات الملل وتشتت القصة، يعود إلى المونتاج الاستثنائي الذي نشاهده؛ الممنتج آنغوس وال، تعاون مع فينشر في أغلب أفلامه، واستطاع الحصول على جائزة الأوسكار لأفضل مونتاج مرتين، كانتا عن أفلام عمل فيها مع فينشر. سبق أن ذكرت أن فيلم “زودياك” أشبه بالرواية البصرية؛ لكن ما يدفع عجلة الفيلم بسرعة هو المونتاج، بناء المشاهد وتركيبها بطريقة تجعل المشاهد يكتشف منحنيات القصة وتقلباتها يداً بيد مع جميع الشخصيات؛ فهو لا يصل إلى مشهد كل الشخصيات تعلم فيه جميع المعلومات مسبقاً، ومن ثمَّ يتم توفيرها للمشاهد عن طريق حوار الغرض منه هو توفير المعلومات للمشاهد، ولا يصل إلى مشهد يعلم فيه كل ما يحتاج إلى معرفته، منتظراً ردة فعل الشخصيات وحسب. وفي أحيان أخرى يتم التنقل بين عدة أماكن في نفس اللحظة؛ لإعطاء صورة شاملة للمشاهد عن أهمية ما سوف يحصل، ولأجل إضفاء المشهد بالدرجة اللازمة من التوتر والشد النفسي.

“زودياك” كان رحلة بوليسية متكاملة بحق؛ رحلة تشمل التوتر الناتج عن التعمق في القضية واكتشاف نتائج غير متوقعة، تشمل الرعب المطلق في ظل مواجهة الموت، وتشمل سرداً واقعياً لما يحصل للبشر في ظل مواجهة المجهول.

إيميل الكاتب: [email protected]

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات