الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Uncut Gems.. الفرصة تكمُن في الرهان القادم

كيوبوست – عبيد التميمي

فيلم “Uncut Gems” من كتابة وإخراج الأخوَين سافدي (بيني وجوش)، وبطولة آدم ساندلر ولاكيث ستانفيلد ولاعب كرة السلة الشهير كيفن غارنيت. يتحدث الفيلم عن تاجر مجوهرات يهودي في مدينة نيويورك، عام 2012، ومحاولاته المستمرة للخروج من حفرة الديون التي تزداد عمقًا مع مرور الأيام.

هاوارد، تاجر المجوهرات، غارق في الديون، ويحاول باستمرار التملُّص من التسديد وتأجيل مواعيد الاستحقاق، وتسديد ديونه عن طريق المشاركة في رهانات مجنونة وضخمة؛ حتى يتسنى له تسديد الديون وتحقيق الأرباح في الوقت نفسه. نشاهد في الفيلم رحلة هاوارد خلال عدة أيام مجنونة من حياته، تتخلل هذه الأيام مشكلاته العاطفية والزوجية والتربوية، وعلاقاته العملية وروتينه اليومي في المتجر، ونشاهد حبَّه الصادق للمجوهرات والإثارة الخالصة التي يحصل عليها عن طريق المشاركة في الرهانات الرياضية.

اقرأ أيضًا: اغتيال مالكوم إكس تحت مجهر جديد.. Who Killed Malcolm X?

هذا هو أول عمل أتابعه للأخوَين سافدي، الفيلم السابق “Good Time” في 2017 تلقَّى ردود فعل إيجابية للغاية من النقاد، وحصل على تقييم 91% في موقع “Rotten Tomatoes“.

مشهد من الفيلم

أحدث “Uncut Gems” ضجة كبيرة حينما تم تجاهله بشكل كامل في ترشيحات الأوسكار في فبراير الماضي، وسط سخط عديد من الناس؛ على رأسهم بطل الفيلم آدم ساندلر، الذي يرتدي عباءة الممثل الدرامي في هذا الفيلم على غير العادة. ومن الجدير بالقول أن تجارب آدم ساندلر، خارج نطاق أفلامه المعتاد، هي تجارب ناجحة في العادة؛ لعل أشهرها وأفضلها هو فيلم “Punch-Drunk Love”.

أقوى انطباع تركه الفيلم بالنسبة إليَّ هو السرعة الاستثنائية في النسق، والتي لم تؤثر بشكل سلبي على الإطلاق على فهم الأحداث؛ فمنذ بداية رحلتنا مع هاوارد ونحن نتبعه في كل أرجاء مدينة نيويورك، عابرين جميع الأبواب التي عبرها، محلات ومزادات ونوادي ليلية وشوارع مزدحمة. في الحقيقة لم يكن هناك شعور أننا نتابع أحدًا ما، بل نطارده؛ نحاول اللحاق به لاهثين دون نتيجة، ويتم وضع المشاهدين في نفس القالب مع دائني هاوارد؛ ففي كل مرة نعتقد أنه استقر في مكانٍ ما، ينطلق في مهمة جديدة إلى مكان جديد، تاركًا الجميع خلفه.

اقرأ أيضًا: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

الهدف من هذه السرعة هو الدخول في عالم هاوارد الخاص وتوضيح أن هذه السرعة الجنونية التي بالكاد نستطيع تحملها لمدة ساعتَين؛ هي حياة يعشيها بشكل يومي، فهو يقتات على هذا النوع من الجنون والاندفاع والضغط النفسي والتوتر، يتقبله بفورة نشاط، لكن يشعر المشاهد بالاختناق والتوتر وهو يتابع نمط الحياة هذا، وهو يتابع حياة هاوارد تتعسَّر وتتيسَّر وترجع إلى العُسر في غضون دقائق معدودة، وهذا التوتر يرافق جميع المشاهد دون استثناء، سواءً أكانت مشاهد تمتلك محكًى عاليًا ورهانات مالية ضخمة، أو مسرحية لطلاب المرحلة الثانوية.

الأخوان سافدي مع آدم ساندلر

النص والتصوير أضافا بُعدًا واقعيًّا إلى الفيلم؛ فحوارات الممثلين متداخلة ومتضاربة بشكل مباشر، ولا تستطيع التركيز في كل جملة تُقال؛ الكل يصرخ فوق الآخر محاولًا أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة، ولا يتم بذل أي مجهود في شرح المصطلحات التي تتعلق بعمل هاوارد والرهانات الجريئة التي يقوم بوضعها؛ لأن كل هذا أمر غير ضروري بالنسبة إلى صناع الفيلم. كل ما يريده الأخوان سافدي هو إيصال مشاعر القلق النفسي والتوتر في حياة هاوارد اليومية، وكأنها أحداث عشوائية من ذاكرته وليست فيلمًا مخصصًا له.

أما من ناحية التصوير، فالأسلوب المستخدم لم يكن لرواية قصة مرئية محكمة، ولكن الأمر كان أشبه بشخص يحمل كاميرا ويتتبع هاوارد في كل مكان. زوايا التصوير لم تكن فنية بأي شكل من الأشكال؛ لكن حينما يتعطل باب محل المجوهرات الإلكتروني ولا يستطيع أحد أن يفتحه، كانت طريقة التصوير والتوزيع الصوتي كفيلة بأن تجعل المشاهد يشعر وكأنه محبوس، وأن الخروج من هذا المكان أشبه بالمستحيل.

مشهد من الفيلم

توظيف الممثلين كان ناجحًا للغاية، كيفن غارنيت بالنسبة إلى كونه لاعب كرة سلة وليس ممثلًا، قدم أداءً لا يقل عن أي ممثل ”محترف“ من الممكن أن يقوم بهذا الدور. أما جوليا فوكس فكان هذا أول أفلامها على الإطلاق، وهو أمر مفاجئ للغاية؛ لأن الأداء الذي شاهدناه ليس أداء ممثلة مبتدئة على الإطلاق.

لكن بالطبع لن نستطيع أن ننهي الحديث عن هذا العمل دون الحديث عن آدم ساندلر، الذي استطاع أن يجعل من شخصية هاوارد الدنيئة شخصية محبوبة للغاية، ويجعل المشاهدين جميعهم يقفون في صفِّه على الرغم من كل الاختيارات الخاطئة التي يقوم بها والتي لا تضره شخصيًّا فحسب، بل تضر جميع مَن حوله من عائلة وأصدقاء. هو ليس أداءً دراميًّا مطلقًا، فيتخلله عديد من اللحظات الكوميدية؛ لكن ساندلر استطاع تحقيق التوازن المطلوب، ولم تتسبب خفة الظل في شخصية هاوارد بتحولها إلى كاركتر هزلي غير منطقي؛ لكنها كانت من السمات الشخصية التي لا يدركها هاوارد ولا يعلم بوجودها.

اقرأ أيضًا: طفيليات العصر الحديث.. Parasite

استطاع الأخوان سافدي رفقة آدم ساندلر، تقديم أحد أمتع وأفضل الأعمال لسنة 2019، وأعلم تمامًا أن أحدًا منّا لم يكن يتوقع أن يهتم بقصة تاجر مجوهرات يهودي من نيويورك؛ لكن هذا الأمر تغيَّر تمامًا.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة