الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

The Lives of Others .. هل يمكن للفن أن ينقذ حياتك؟

كيوبوست- عبيد التميمي

The Lives of Others“؛ هو فيلم ألماني صدر عام 2006، من كتابة وإخراج الألماني فلوريان دونيسمارك. حصل الفيلم على جائزتَي الأوسكار والبافتا لأفضل فيلم أجنبي، وترشح لجائزة الغولدن غلوب لنفس الفئة. يتحدث الفيلم عن عميل مخابرات في ألمانيا الشرقية، يتم تكليفه بمراقبة كاتب مسرحي وحبيبته الممثلة؛ لاشتباه الكاتب المسرحي بتوجهات ضد الدولة وميوله إلى العدو ألمانيا الغربية. خلال الفيلم نشاهد انغماس العميل وايسلر في حياة الحبيبَين إلى درجة كبيرة، ومدى تأثره الشخصي بحياتهما، ومدى انعكاس هذا التأثر على مهمته المكلف بها.

قد يحتار المرء في تصنيف هذا الفيلم؛ لأنني لا أعتقد أنه فيلم جاسوسي بحت، أو فيلم يهدف إلى توثيق حقبة مظلمة في تاريخ ألمانيا وانقساماتها السياسية؛ لكنه فيلم شخصي ونفسي، فهو يعزل شخصيته الرئيسية بشكل كامل ويدرسها بعمق، ويقدم كل السبل لتفكيك معتقداتها ومبادئها، ونعيش كمشاهدين كل الصراعات النفسية الداخلية مع شخصية العميل وايسلر، وكيف يصبح في حربٍ دائمة مع كل ما يؤمن به، ومع ما يراقبه بشكل يومي، وما يصبح في ما بعد، يتمنى امتلاكه.

مشهد من الفيلم

 لا يتوانى المخرج دونيسمارك، في وضعنا وجهاً لوجه مع شخصية وايسلر القاسية والباردة، الذي لا يفكر مرتَين قبل أن يعذِّب أحد مساجينه بحرمانه من النوم، ولا يعطي طلابه الذين يحاضرهم حرية التشكيك بمبادئه في الاستجواب؛ إنه ذلك النوع من الأشخاص الذي يرى مصلحة النظام قبل الفرد. ويستمر المخرج في وضعنا في نفس المركب مع وايسلر، حينما نلاحظ بشكل جليّ اختلاف زوايا الكاميرا حينما يكون وايسلر في الصورة، وعوضاً عن تصوير الشخصيات بلقطات اعتيادية، نحن دائماً نراقبها من بعيد متلصصين خلف زاوية أو جدار يخفينا. وفي غضون أقل من نصف الساعة استطاع المخرج تقديم شخصيته الرئيسية التي تم بناء الفيلم حولها بشكل مثالي. عميل الاستخبارات الصارم والمنضبط، والذي لا تأخذه في أعدائه أية رحمة أو شفقة.

وليس من المفارقة على الإطلاق أن المرة الأولى التي تجمع وايسلر بهدفَيه، الكاتب دريمان والممثلة سيلاند، هي في مسرحية للاثنين؛ حيث يُذهل الجمهور بأكمله من جمال المسرحية، ويبقى وايسلر هادئاً متيقظاً ومراقباً لأهدافه أشبه بما يكون أنهما طرائده الشخصية. كل ذلك يتغير بالطبع مع بداية مهمته بشكل رسمي؛ وهي نقطة التحول التي سوف تغير حياته للأبد.

اقرأ أيضًا: Knives Out .. تحية إلى أدب الجريمة

مع مرور الوقت، نشاهد انغماس وايسلر في حياتهما الشخصية، متابعته لكل صغيرة وكبيرة فيها وتسجيلها في تقاريره اليومية، وما كان موقفاً خالياً من المشاعر تجاه مسرحيتهما قبل عدة أشهر من بداية المهمة، يصبح هوساً واندماجاً كاملاً؛ حيث نشاهد كيف يستأجر وايسلر عاهرة ويطلب منها البقاء لفترة أطول بعدما راقب دريمان وسيلاند وهما يمارسان الجنس. وايسلر الذي لم نشاهد منه سوى الجانب العملي القاسي، يظهر ضعفه وانكساره لأول مرة، يظهر ما ينقصه وما يحتاج إليه في حياته، وهو بالتأكيد ما لن تستطيع توفيره عاهرة يستأجرها بالساعة.

مشهد من الفيلم

يضعف وايسلر تدريجياً أمام أهدافه، ويبلغ فيه الضعف أن يستعير كتاباً من مكتبة دريمان الشخصية ويقرأه بكل نهم، يبكي حينما يسمع الكاتب يعزف مقطوعة على البيانو، ويتحول القلب المتحجر غير المبالي بشيء سوى مهمته، إلى كم هائل من العواطف التي لا يمكن السيطرة عليها، ويصل الفيلم إلى ذروته حينما يبدأ وايسلر بالتدخل في حياتهما بشكل فعلي، ويحاول أن يشكل مسار قصتهما بنفسه، وبدل أن يكمل مهمته في المراقبة والتوثيق، يتخذ موقف الكاتب وصانع القرار.

اقرأ أيضًا: The Gentlemen.. رحلة في عالم المخدرات

عمل المخرج والكاتب دونيسمارك لم يكن ليكتمل لولا أداء الممثل أولريخ موهي، الذي قام بتجسيد شخصية وايسلر؛ لأن الفيلم مبني بالكامل على شخصيته، وتقع على عاتقه مسؤولية تصديقنا لتحول شخصيته من عميل مخابرات صارم لا يتشكك في قراراته ومبادئه، إلى رجل عطوف تتهالك معتقداته ومبادئه أمامه تدريجياً، ولا يملك سوى اتباع العاطفة الإنسانية البحتة، ويتخذ التضحية الكبرى التي حتى إن كانت تضر مصلحته شخصياً، إلا أنها قد تُنجي شخصيات روايته التي لا يعلم بها أحدٌ سواه.

هل يمكن للفن أن ينقذ حياتك؟ لا أحد يعلم بالتأكيد جواباً قاطعاً لهذا السؤال؛ لكن هل الفن قادر على التغيير؟ بلا شك.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي

مقالات ذات صلة