الواجهة الرئيسيةمقالات

The Lighthouse .. صراع مع الجنون والعزلة

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “The Lighthouse” من إخراج الأمريكي روبرت إيغرز، الذي قام بكتابة النص سويًّا مع أخيه ماكس، ومن بطولة المخضرم ويليام ديفو وروبرت باتنسون. يتحدث الفيلم عن حارسَي منارة يقومان بأعمال الصيانة اليومية في أواخر القرن الثامن عشر، وفي أثناء ذلك يحاولان الحفاظ على سلامة عقليهما من الضياع وسط البحر.

اقرأ أيضًا: The Two Popes .. حدث تاريخي بسرد مشتت

يمكن تصنيف الفيلم تحت عدة فئات؛ فهو يجمع ما بين الدراما والخيال والكوميديا والرعب النفسي، ويتنقل بين هذه التصنيفات بناءً على المرحلة التي وصل إليها في السرد، وتحت مظلة كل هذه التصنيفات تسطع الأداءات المسرحية لبطلَي الفيلم اللذين لم يقدما أحد أفضل أدوارهما الشخصية فحسب، بل أحد أصعب الأدوار بكل تأكيد.

مشهد من الفيلم

أجواء الفيلم مشحونة للغاية، والرعب النفسي رغم تفاوت درجاته؛ فإنه متواصل طوال فترات الفيلم دون انقطاع. يبرع روبرت إيغرز في خلق هذه الأجواء من الرعب النفسي، ويرميك في عمقها بشكل مباشر منذ بداية الفيلم؛ فجميع العناصر مترابطة حول خلق درجة معينة من الرعب النفسي لا يتنازل عنها الفيلم على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: Knives Out .. تحية إلى أدب الجريمة

تصوير الفيلم بالأبيض والأسود والكاميرا المستخدمة يساعدان على تعزيز الحقبة الزمنية؛ لكن ما يعزز أجواء الرعب النفسي فعلًا هو التكامل البديع بين الصوت والصورة، يشعرك بالاختناق والضيق، شعور مستمر بأنك محبوس ومعزول على هذه الجزيرة دون طريقة للتواصل مع العالم الخارجي. وحينما أتحدث عن الصوت لا أعني بذلك الساوندتراك المهيب؛ لكن هناك استفادة كاملة من الأصوات الموجودة في محيط الفيلم؛ لتوظيفها في عنصر الرعب النفسي، أصوات الأمواج، المنارة، الطيور.. كلها مساهمة في عزل أبطال الفيلم وتذكيرهم بأنهم وحيدون تمامًا على هذه الجزيرة.

مشهد من الفيلم

موسيقى الفيلم لم تبتعد كثيرًا عن هذا المبدأ؛ فحاول مارك كورفين قدر الإمكان توظيف أصوات واقعية في معزوفاته، ولا أبالغ إن قُلت إن أكثر عناصر الفيلم ترهيبًا ورعبًا هو موسيقاه؛ فهي تختفي في الخلفية ثم تظهر دون سابق إنذار وتندمج مع بقية محيط الفيلم وتنقل إحساسًا مفرطًا غير منقطع بالشد العصبي والتوتر.

كونه فيلمًا يطرح عديدًا من الأسئلة تاركًا حرية اختيار الجواب لنا كمشاهدين، استمر الفيلم في إظهار شخصياته كأدوات سردية لا يمكن الاعتماد عليها، وبذلك تصبح المَشاهد كلها محل شك، سواءً أكانت عبارة عن حوار عادي على طاولة عشاء أم مشهد سيريالي من الواضح للغاية أنه ناتج عن مخيلة أحد البطلَين.

اقرأ أيضًا: Succession.. تأثير المال والسلطة

لذلك استطاع إيغرز صنع عمل فريد من نوعه؛ لأنه يفهم الرعب النفسي تمامًا، يفهم أن أقصى درجات الرعب التي يشعر بها المشاهدون في الأفلام لا علاقة لها بكائنات خيالية أو مشاهد مرعبة لحظية؛ لكن الرعب النفسي يكمن في المجهول، أو في ترقب المجهول بمعنى أصح؛ هو يقوم بتهيئة الأجواء التي تعزز من شعور العزلة والوحدة والجنون، ثم يضيف إليها ذلك الشعور الرهيب بأن ما هو مقبل قد يكون أسوأ بكثير.

مشهد من الفيلم

وحتى في أهدأ لحظات الفيلم وأقربها إلى الإنسانية من الخيال، لا ينقطع الإحساس بأن هذا كله قابل للزوال في أية لحظة وسوف يتم استبدال المجهول الذي نخاف منه به، وهنا يأتي دورا ديفو وباتنسون، فالأداء الرائع الذي يقدمانه يسهم بشكل مباشر في مقدار الرعب النفسي في الفيلم.

 ديفو بأدائه المخيف في دور “توماس” يجعل منه شخصية خيالية أقرب منها إلى الواقع، وفي أوقات كثيرة لن تستطيع تحديد هل ما يقوم به توماس هو حقيقي ويحصل فعلًا، أم هو مجرد تخيلات وهلوسات؟ بينما باتنسون في دور “وينسلو” قدَّم أفضل أدواره بكل تأكيد، وكان الشريك المثالي لامتصاص جهورية أداء ديفو. وحيث إن الغموض يكتنف شخصيته، وبسبب تصاعد نسق الأحداث، رأينا الستار ينكشف تدريجيًّا عن ماضي وينسلو، ورافق ذلك جميع التحولات وردود الفعل الناتجة عن الظروف القاسية على الجزيرة. وهنا استطاع روبرت باتنسون أن يظهر كل ما في جعبته التمثيلية من مشاعر غضب وجنون وخوف وحزن.

اقرأ أيضًا: تشرنوبل.. دراما الكارثة النووية المليئة بالتفاصيل

على الرغم من كونه فيلمًا مظلمًا بمحيط كئيب؛ فإن سرعة السرد لم تتأثر إطلاقًا بهذا الأمر، لأنه فيلم مليء بالأسئلة، وحتى مع كمية المعلومات التي قدمها، فهو لا يدخل في فخ التكرار، فكل مشهد سواءً أكان يحتمل أكثر من تفسير أم لا، هو مشهد قائم بحد ذاته، بمعلومات تؤكد أو تنفي ما قبلها من افتراضات قُمت أنت كمشاهد بافتراضها.

إيميل الكاتب: [email protected]

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات