الواجهة الرئيسيةمقالات

The Irishman .. رحلة في عالم سكورسيزي

كيوبوست – عبيد التميمي

لا حاجة إلى التعريف بمخرج الفيلم مارتن سكورسيزي، أو بكوكبة النجوم التي ترافقه في هذا الفيلم؛ روبرت دي نيرو وآل باتشينو والعائد من الاعتزال جو بيتشي. تجتمع هذه الطاقات الاستثنائية لصنع ليس ما يبدو أحد أفلام العام فحسب، بل أحد أحداث العام، والفيلم المثالي لختام هذا العقد. يتحدث الفيلم عن فرانك شيران والأحداث التي ربطته براسل بوفالينو وجيمي هوفا، ودوامة الصراعات وحياة العصابات التي عاشها بعد أن دخل هذا العالم.

يبدو من غير المألوف الحديث عن فيلم محفوف بهذه الأسماء في 2019، النجوم الذين تألقوا في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات الميلادية، خفّ بريقهم في الألفية الجديدة تاركين المجال لنجوم غيرهم، فالتقدم في العمر لا يترك مجالًا لنفس الخيارات التمثيلية التي تُعرض على الممثل في شبابه. لكن سكورسيزي خلف الكاميرا استمر في التألق، في ظل تراجع زملاء جيله؛ أمثال كوبولا وسبيلبرغ، استمر في نفس الشغف والجوع السينمائي المتنامي طوال سنوات عمله. يأتي هذا الفيلم كالفرصة الذهبية لآل باتشينو ودي نيرو للعودة إلى الساحة بقوة، وتذكير الجميع بحجم الموهبة التي يمتلكانها.

اقرأ أيضًا: التلفاز السينمائي.. “The Marvelous Mrs. Maisel”

مدة الفيلم (ثلاث ساعات ونصف الساعة) هي من أكثر النقاط التي يتم نقاشها بخصوص الفيلم؛ لكن بالنسبة إليَّ مدة الفيلم هي أفضل إثبات على روح سكورسيزي المفعمة بالحيوية؛ فقد استطاع تقديم قصة مترامية الأطراف في مدة زمنية طويلة بشكل محكم ومترابط للغاية، وبالطبع لم يكن سكورسيزي لينجح في  ذلك دون التعاون مع السيناريست الرائع ستيفين زيليان، والمونتيرة ثيلما شونميكر.

مشهد من الفيلم

زيليان الذي يمتلك خبرة واسعة تمتد إلى أكثر من عشرين سنة؛ تحديدًا في اقتباس الروايات والقصص، ولا يحد من خياراته في أفلام العصابات والجريمة فحسب، بل هو يتفرع إلى الأفلام الحربية والتاريخية والرياضية، وشارك مؤخرًا في كتابة المسلسل الناجح “The Night Of“. أما شونميكر، فهي ترافق سكورسيزي منذ ثمانينيات القرن الماضي، ووضعت بصمتها في أنجح أفلامه؛ حيث يتشارك سكورسيزي وثيلما نفس الشغف والاهتمام بكيفية تقديم الصورة في الأفلام، وتحديدًا الاهتمام باللقطات الطويلة والتقليل من تغيير مكان الكاميرا بشكل زائد على الحاجة. جدير بالذكر أن ثيلما فائزة بثلاث جوائز أوسكار؛ جميعها كان في أفلام شهدت تعاونها مع سكورسيزي.

اجتماع هذا الثلاثي نتج عنه سرعة السرد وارتفاع نسق الفيلم بشكل مستمر، فمن جهة، تم استخدام صوت الراوي منذ البداية لشد انتباه المشاهدين؛ لكن استخدام صوت الراوي بشكل مبالغ فيه سوف يتسبب في نهاية الأمر في ملل المشاهد، لذلك لاحظنا التنقل المستمر بين الحقب الزمنية في حياة الشخصيات؛ لإبقاء تركيز المشاهدين في أوجه لتتبع مسار القصة، ما أتاح لسكورسيزي أن يأخذ كامل وقته وحريته في صناعة هذا الفيلم، وهنا تأتي النقطة الجوهرية، حرية سكورسيزي.

مشهد من الفيلم

يبدو سكورسيزي أكثر تحررًا واسترخاءً في هذا الفيلم؛ فهو لا يعمل على نوعه المفضل من الأفلام فحسب، بل يتضح تأنّيه في رواية الأحداث دون التفريط في النسق السريع. يأخذ استراحات قصيرة على مدار الفيلم يسمح للمشاهد فيها أن يلتقط أنفاسه، يبدي تركيزًا مكثفًا على جميع التفاصيل؛ كبيرها وصغيرها، سواءً أكانت هذه التفاصيل نظرات متبادلة بين الشخصيات أم قطعة إكسسوارات غالية الثمن يرتديها أحدها أم مجموعة من الأسلحة مرتبة بشكل أنيق على السرير.. يفعل سكورسيزي ذلك محاولًا أن يثبِّت حضور الشخصيات في أذهاننا بهذه الطريقة؛ حتى نرتبط بها ارتباطًا قويًّا. فعلى سبيل المثال، الساعة والخاتم اللذان يرتديهما فرانك (دي نيرو) في بداية الفيلم وهو في دار العجزة، يستغرق الفيلم حينها وقته في إظهار الساعة والخاتم لنا؛ لتتضح أهميتهما لاحقًا، ونفهم الأثر النفسي الذي يمتلكه هذان الإكسسواران على شخصية فرانك وارتباطهما برحلته مع راسل.

اقرأ أيضًا: Knives Out .. تحية إلى أدب الجريمة

كما أنه من الواضح استمتاع سكورسيزي بعمله هنا؛ التنقل السلس بين أنواع اللقطات واسعة الزوايا واللقطات القريبة، التحولات السريعة بين أكثر من حدث في نفس الوقت مهما كان صغر هذه الأحداث، أو حتى التوقف واستغراق وقت أطول من المعتاد مع إحدى الشخصيات؛ حتى يستوعب المشاهد تمامًا أهمية ما يحدث مع الشخصية المعنية، ففي كل مرة يقدم الفيلم شخصية تلعب دورًا مهمًّا في الأحداث، يحرص تمامًا على جعل هذه الشخصية محور الأحداث والسرد لعدة دقائق دون ترك أسلوب بالفيلم باستخدام صوت الراوي والتنقل بين الحقب الزمنية، يشد انتباهك لشخصية جديدة؛ لكنه لا يخرجك من الجو العام للفيلم.

مشهد من الفيلم

اختيار الأدوار للثلاثي العتيق في الفيلم يستحق وقفة مطولة، بدءًا ببطل القصة روبرت دي نيرو؛ فلقد اعتدنا على أن دي نيرو مع سكورسيزي تحديدًا يقدم شخصياته ضمن قالب معين، الرجل الهادئ الرزين الذي هو على بُعد كلمة/ تلميح يُفهم بشكل خاطئ من الانفجار بشكل كامل كبركان مرعب؛ لكن هنا دي نيرو يأتي بشخصية مغايرة، قد تكون أكثر الشخصيات سلمية ضمن تلك التي قدمها في أفلام العصابات؛ فارتكاب العنف هنا مفروض عليه، وليس باختياره، يتلقى الأوامر ولا يُلقيها، أكثر حكمةً وتعقلًا، ويختار طاولة الحوار قبل ميدان المعركة، يتطلب الأمر نوعًا فريدًا من التواضع لتأدية مثل هذا الدور؛ خصوصًا لممثل بحجم دي نيرو اعتاد أن يكون في الطرف الآخر من المعادلة.

آل باتشينو ارتدى عباءته المفضلة، ولم يضيِّع أية ثانية؛ فهو يسرق الأضواء منذ أول ظهور له وينطلق بكاريزماه المعهودة وصوته الجهوري المهيب؛ لكن ما يثير الإعجاب والتقدير حقًّا هو مقدار الألفة والاحترام الذي يظهره آل باتشينو في شخصية “جيمي هوفا” طوال مرافقته لفرانك شيران، تتغير نبرة وملامح جيمي في كل مرة يكلم فيها فرانك، ترقّ نظراته وتزداد نبرة الاحترام في صوته، في كل مرة يتحدث فيها مع فرانك يعطيك انطباعًا قويًّا أنه يخاف من خسارته، يداريه بكل ما يملك حتى يبقيه على جانبه. اعتدنا من آل باتشينو على طاقة متفجرة غضبًا وخيلاء كفيلة بإصمات كل مَن حوله؛ لكن لم نعتد إطلاقًا وتحديدًا في آخر السنوات هذا التضارب والتداخل بين الغضب والحلم، بين الشدة والتروي.

اقرأ أيضًا: The Favourite.. اختلال موازين القوى

الجميع خرج يتحدث عن جو بيتشي في هذا الفيلم، عن الدور المغاير الذي قدمه، الممثل الذي اعتدنا شخصيته حادة الطباع منفعلة بشكل مستمر، يأتي بدور معاكس، يبدو أكثر رزانةً، أكثر حكمةً، وأكثر هدوءًا، والأهم من ذلك كله يبثّ الرعب أكثر من جميع أدواره السابقة. في كل مشهد يظهر فيه جو بيتشي، يسبقه هدوؤه ليُبسط على جميع مَن معه في المشهد. هناك هيبة محسوسة للغاية لا تنبع من منصب شخصية راسل في العصابة فقط؛ لكنها تنبع منه شخصيًّا؛ هو لا يحتاج إلى مكانته الاجتماعية وصلاته الشخصية في عالم المافيا ليفرض هذه الهيبة؛ لأنها موجودة في جوهره، فهو بقدر ما يتعامل بطيبة قلب وحسن مع مَن هم حوله، بقدر ما يستطيع أن يقلب كل ما في حياتهم إلى جحيم مستعر.

مشهد من الفيلم

لا شك أن هذا الفيلم المفعم بالحنين يؤدي تحية لبقية أفلام العصابات لسكورسيزي؛ لكن لعل أجمل ما فيه هو التصالح الجلي مع الشيخوخة والموت. أفلام سكورسيزي تروي في العادة قصة نجاحات وفشل، صعود إلى القمة يليه هبوط مدوٍّ، لكن هنا يبدي الفيلم اهتمامًا خاصًّا بمرحلة الشيخوخة، ويستغرق وقتًا مطولًا متعمقًا في حياة فرانك بعد التقاعد، كيف يعيش شيخوخته بعيدًا عن عائلته وبعد أن خسر جميع أصدقائه بسبب الموت، كيف يجابه وحدته بعد كل هذه الرحلة الشاقة وما الطريق الذي سوف يسلكه الآن؟

اقرأ أيضًا: Succession.. تأثير المال والسلطة

لن يستطيع هذا الفيلم تجنب المقارنة مع الأفلام السابقة لسكورسيزي؛ على رأسها فيلم “Goodfellas”؛ لكن ما يملكه هذا الفيلم أكثر من أي فيلم يسبقه هو العاطفة المحيطة به؛ لأن هذا بكل تأكيد أكثر أفلام سكورسيزي عاطفيةً منذ زمن طويل، فالعنف موجود لكن بصورة محدودة، وحضوره محسوس لكن ليس بشكل صارخ. ولا يخسر الفيلم وقاره على الإطلاق، لا يخسر صوته الصادق نحو الموضوعات التي يتعمق فيها ويدرسها: الصداقة، الشيخوخة، ونهاية الطريق.

إيميل الكاتب: [email protected]

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات