الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Promising Young Woman .. انتقام فتاة شابة

كيوبوست- عبيد التميمي

Promising Young Woman” هو فيلم دراما وجريمة، من كتابة وإخراج إيمرالد فينيل، وبطولة كاري موليغان، وبو بورنام، وأليسون بري، ولافيرن كوكس.

يتحدث الفيلم عن “كاسي”، فتاة تسخّر كل ما في حياتها للانتقام ممن أخطأوا في حق صديقة طفولتها التي لازمتها طوال حياتها حتى المرحلة الجامعية. وبسبب ذلك تنهار أغلب علاقات كاسي الأخرى؛ بما فيها علاقتها مع والدَيها.

هذه هي التجربة الإخراجية الأولى للإنجليزية إيمرالد فينيل؛ لكنها تملك خبرة مسبقة في الكتابة من خلال المشاركة في كتابة مسلسل “Killing Eve“. ويمكن القول منذ البداية إنها بداية واعدة جداً للمخرجة صاحبة الخمسة وثلاثين عاماً؛ فهي تنجح في تقديم فيلم جريمة وانتقام ممتع، بشخصية رئيسية رائعة تظهر أفضل ما تملكه الممثلة، وأحداث تتطور بشكل مخالف للتوقعات.

الفيلم منذ بدايته كان مخالفاً للتوقعات؛ فالمشهد الافتتاحي كان يعطينا انطباعاً بأنه المشهد الذي سوف ترتكب فيه الجريمة التي ارتكبت بحق البطلة؛ لكن في نهايته نكتشف أنها قد بدأت خطتها مسبقاً، يتضح لنا تدريجياً أننا في منتصف قصة كاسي، وشخصيتها المكرسة لفكرة الانتقام لصديقتها نينا، ولا شيء غير ذلك.

مشهد من الفيلم

الفيلم يرتكز على شخصيته الرئيسية والحياة المزدوجة التي تعيشها؛ كاسي التي تعيش في منزل والدَيها الهادئ وتعمل في مقهى محلي صغير، وكاسي التي تنفذ مخططات انتقامها ليلاً بكل هدوء واحتراف.

ويتضح لنا كيف أن الشيء الوحيد الذي يبقي كاسي نشطة وفاعلة هو رغبتها في الانتقام لنينا، وباقي الأشياء في حياتها موجود لخدمة هذا الهدف.. هي تعمل في المقهى لأن ساعات العمل مرنة ويمكنها تكريس وقتها لأشياء أخرى، وبسبب هذه الوظيفة فهي لا تملك الكثير من المال، وبالتالي تقطن مع والدَيها، وذلك يعفيها من دفع الإيجار والتعرف على زميل سكن جديد.

رتم الفيلم سريع والنص كان سلساً وممتعاً؛ قد تتسم الأفلام التي تركز على شخصية واحدة بالبطء والهدوء في العادة، لكن ليس مع هذا الفيلم، الذي كما ذكرت يبدأ ونحن كمشاهدين في الأساس في منتصف رحلة البطلة، ونتعرف عليها وعلى دوافعها وماضيها مع مضي الأحداث، ومن خلال الحوارات بين الشخصيات، دون الحاجة إلى أي مشاهد فلاش باك مملة لا تخدم هدفاً سوى شرح القصة للمشاهدين؛ خصوصاً أن الحاجة إلى مشاهد فلاش باك معدومة تماماً، فكل ما يحصل في الفيلم سببه ما حصل لنينا في حفلة جامعية مارست فيها الجنس مع أحد الطلاب دون علمها أمام جميع زملائهم؛ بسبب تأثير الكحول، ونتيجةً لأصداء تلك الحادثة تخلت نينا عن مسيرتها الجامعية الناجحة، ولم يتم التصريح مباشرة بمصيرها؛ لكن كان هناك تلميح لانتحارها بعد ترك الجامعة.

اقرأ أيضًا: A Serious Man.. محاولة إيجاد المعنى

ولذلك أقول إن الحاجة إلى مشاهد فلاش باك كانت معدومة؛ فكرة نينا وهي تمارس الجنس أمام جميع زملائها وسط ضحكاتهم وسخريتهم هي فكرة مقلقة بشكل كافٍ دون الحاجة إلى عرضها، الأمر سيان بالنسبة إلى تدهور حالتها النفسية بعد ذلك؛ هي أحداث ثقيلة بما يكفي للبقاء في فكر المشاهدين.

وحتى حينما يحتاج المشاهدون إلى تذكر نينا سوف يقع عاتق تذكيرهم على صديقتها كاسي، الشخص الوحيد الذي يتذكرها، ونشاهد كاري موليغان تتألق وهي تتحدث عن صديقتها بكل حنين وشغف.

مشهد من الفيلم

كتجربة إخراجية أولى، استطاعت فينيل تقديم عمل ممتع ومبهج بصرياً، ولم تمنعها قصة الفيلم وثيماته السوداوية من تقديم صورة فرائحية مفعمة بالحياة، وهذا التناقض بين الصورة والثيمات أعتبره أمراً جريئاً ومنعشاً، وقد يكون الهدف منه إظهار التناقض بين وجهَي حياة كاسي، التي على السطح تعيش حياة هادئة بين جدران منزل والدَيها وتملك علاقة وطيدة مع صاحبة المقهى الذي تعمل فيه؛ ولكن تحت كل هذا السراب هي غير قادرة على التخلص من أشباح الماضي حتى لو رغبت في ذلك.

اقرأ أيضًا: The Irishman .. رحلة في عالم سكورسيزي

التركيز على شخصية كاسي تطلب أداءً ممتازاً من كاري موليغان؛ وهو ما قدمته بالفعل. كانت موليغان تتنقل باستمرار بين الشخصية الخالية من الهدف والمعنى حينما تعيش الحياة التي تظهرها على السطح، وبين الشخصية المفعمة بالحياة التي تترصد لأعدائها بكل ما يتطلبه الأمر من دهاء ومكر. وبين هاتين الحالتَين تظهر شخصية كاسي القديمة المرتبطة بماضيها قبل أن تحصل الحادثة التي غيرتها للأبد، وظهور هذه الشخصية هو أمر نادر الحدوث.

مشهد من الفيلم

أحد عيوب الفيلم هو مشهد النهاية الذي كان يمكن انتقاده لصعوبة تصديقه -من ناحية تسلسل الأحداث، وليس من ناحية نسبة حصوله- لكن كل ذلك يمكن التغاضي عنه؛ لأن العمل طوال مدة عرضه كان يخالف التوقعات بطريقةٍ ذكية، ويقدم أحداثه بشكل منطقي.

ولعل أحد أهم الأفكار التي قدمها الفيلم هو رغبة المجتمع الدائمة في تصديق القصة الأقل تطلباً للتدخل وإحداث الفوضى، حتى ولو كان في ذلك إجحاف للعدالة؛ وهو أمر غير معتاد في أفلام الانتقام التي تفضِّل إشباع رغبة المشاهدين الدموية.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي

مقالات ذات صلة