الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Mother.. دراسة للهوس البشري

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “Mother” من كتابة وإخراج دارين أرنوفسكي، وبطولة جينيفر لورانس، وخافيير بارديم، وإيد هاري، وميشيل فايفر. يتحدث الفيلم عن زوجين يسكنان في منزل بعيداً عن المدينة، وتتعرض علاقتهما إلى تحديات جديدة، مع وصول ضيوف غير متوقعين. الفيلم شهد انقسام النقاد بين كم هائل من المديح وانتقادات لاذعة، وقد يكون أكثر أفلام أرنوفسكي إثارة للجدل.

لا يخفى على أحد مقدرة أرنوفسكي على تكوين أجواء غنية بالضغط والتوتر والقلق؛ فهذا هو أسلوبه في العديد من أفلامه السابقة، وما جعله أحد أهم صناع الأفلام من جيله. يحب أرنوفسكي التعمق في الشخصيات التي يقدمها في أفلامه، ويظهر الآثار الجانبية للهوس الذي تظهره هذه الشخصيات؛ سواء أكان هوساً بالمخدرات في فيلم “Requeim for A Dream“، أم هوساً بالاستمرار في المهنة في فيلم “The Wrestler“، أم هوساً بالكمال والنجومية في فيلم “Black Swan“. وبطبيعة الحال مع هذا التركيز والتعمق في شخصياته؛ فهو يصنع أفلاماً شخصية للغاية متركزة بشكل كامل على أبطال الفيلم، ويُعرض الفيلم من منظورهم. وفيلم “بلاك سوان” هو أقصى درجات التعمق والشخصنة التي وصل إليها أرنوفسكي مع أفلامه.

مشهد من الفيلم

يثبت أرنوفسكي إبداعه من هذه الزاوية خلال هذا الفيلم؛ فهو عمل مفعم بالقلق والتوتر، ونقضي رحلة مضنية مليئة بالتوتر والشد العصبي مع شخصية (أم) التي تقدمها جينيفر لورانس، منذ أول مشهد على الشرفة وظهور زوجها فجأة من خلفها مفزعها وجميع المشاهدين في الوقت نفسه؛ تلك اللحظة المفاجئة كانت خير تجهيز لما سوف نشاهده لاحقاً من اضطرابات وتساؤلات ورعب نفسي لم يكن أحدٌ من المشاهدين مستعداً له.

وفي الحقيقة، أعتقد أن هذا سبب الانقسام الحقيقي حوله؛ استمرار رتم الفيلم المفعم بالقلق والتوتر لم يجعل من السهل مشاهدته، وتجد نفسك في لحظات كثيرة تتململ في مكانك؛ ليس بدافع الملل، لكن بدافع الانزعاج من درجة التوتر في الفيلم وحدة نبرته. لكن ذلك كان في صالح الفيلم من ناحية سرعة السرد، ولا أبالغ حينما قُلت إن أول عشرين دقيقة في الفيلم كانت مجرد خمس دقائق، أنت كمشاهد في حالة قلق دائم دون أية راحة أو فترة التقاط أنفاس، ولا تحس بمرور الوقت على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: السر في التفاصيل.. Portrait of a Lady on Fire

لكن لا مفر من الإشادة بدرجة الشد النفسي والعصبي التي وصل إليها الفيلم في ذروته؛ التصعيد كان يتسارع بشكل مخيف، والجهود الضخمة المبذولة في التصوير السينمائي وتصميم موقع التصوير آتت ثمارها. وتحول الإحساس العام من ملاحظة للمساحات الواسعة الفارغة في المنزل، إلى اختناق شديد وازدحام لا مجال فيه للتوقف.

أرنوفسكي مع بطلة الفيلم جينيفر لورانس

وكعادة أفلامه الشخصية، يقضي أرنوفسكي مدة الفيلم كاملة بتصوير الأحداث من زاوية شخصية جينيفر لورانس، ويبقينا في الظلام بشكل كامل معها، ونكتشف نفس الاكتشافات في نفس الوقت؛ لكن هذا الفيلم لا يمتلك الكثير من الاكتشافات، فهو يستمر برميك وسط أجواء شديدة التوتر دون أدنى اهتمام لتوفير أي تفسير أو توضيح، وكأن الفيلم لا يريد من المشاهدين أي شيء سوى القلق والاستمرار في القلق. ولا تمتلك سوى مشاعر التعاطف مع شخصية جينيفر لورانس، التي يمتلئ رأسها بالأسئلة ولا تجد أي جواب على الإطلاق، ومشاعر الحب التي تمتلكها لزوجها تغلب جميع المشاعر الأخرى.

يقدم أرنوفسكي شخصيات ثرية لطاقم تمثيله، وجينيفر لورانس استطاعت تقديم أحد أفضل أدوارها، إن لم يكن أفضلها. هذا الانكسار المستمر والتصاغر أمام جميع من يواجهها في ظل حيرة دائمة مما يحصل حولها، تقبل على العالم بفضول الأطفال؛ لكنها تتراجع أسرع منهم. لكن ميشيل فايفر في مشاهدها المعدودة بالنسبة إليَّ خطفت نجومية الفيلم، فحتى دون قراءة تحليل الفيلم وفهم ماهية شخصيتها فعلاً؛ فهي تمتلك المشهد بحضور مهيب في كل مرة تظهر، ويبتعد الجميع مخلين لها الساحة بشكل كامل.

اقرأ أيضًا: The Irishman .. رحلة في عالم سكورسيزي

لا أريد التطرق إلى المعاني والرمزية في الفيلم؛ فمن جهة هو ليس بالفيلم الصعب الذي يحتاج إلى شرح مطول، ومن جهة أخرى ظهرت الرمزية واضحة للغاية ومبالغاً فيها. وبالنسبة إلى فيلم يطرح العديد من الأسئلة النفسية ويتحدى عقل المشاهد، فهو يدفع بالرمزية في وجهه مرغماً إياه على ملاحظتها.

إيميل الكاتب: [email protected]

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات