الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Midsommar.. حينما تكون الخسارة هي مجرد البداية فقط

كيوبوست- عبيد التميمي

“Midsommar”، هو فيلم رعب/ درامي؛ من كتابة وإخراج الأمريكي آري إيستر، وبطولة مجموعة من النجوم الشباب؛ مثل فلورنس بو وجاك راينر وويليام هاربر. يتحدث الفيلم عن “داني” التي تواجه مشكلات عائلية صعبة؛ مما يجعل علاقتها مع حبيبها “كريستيان” متوترة. وبعد تراجيديا عائلية صاعقة تودي بحياة عائلة داني المكونة من والدَيها وأختها الصغرى، تضطر إلى السفر مع حبيبها وأصدقائه إلى طائفة دينية في السويد؛ بهدف نسيان هذه الكارثة والابتعاد عن الذكرى الموجعة، وبعد وصولهم إلى السويد تبدأ الأحداث في الازدياد غرابةً تدريجياً، كاشفةً عن وجه آخر للطائفة.

أفلام الرعب تراجعت في السنوات الأخيرة، وهو أمر غير مستغرب حينما نشاهد تركيز أغلبية الأفلام على التخويف اللحظي؛ لكن ما ينجح وما يستقر لفترة طويلة مع المشاهدين هو الرعب النفسي، وهو خلق حالة ترقب وجعل المشاهد على حافة الفزع والخوف طوال مدة الفيلم. وحتى في ظل المشاهد السعيدة والسلمية؛ لكن إدراك المشاهد أنه يشاهد فيلم رعب يبقيه في حالة التيقظ تلك.

اقرأ أيضًا: Knives Out .. تحية إلى أدب الجريمة

نجح آري إيستر في خلق هذا الجو بنجاح. وعلى الرغم من طول مدة عرض الفيلم وبطء رواية الأحداث؛ فإنه يبقي كل شيء متماسكاً حتى النهاية. وأعتقد أن من أهم العناصر التي ساعدته على النجاح في هذا الأمر هو فكرة التناقض التي طبقها؛ فنحن نشاهد قصة في موقع خلاب مليء بالمناظر الطبيعية المذهلة، وفي الوقت نفسه لا يمكن الوثوق بما نشاهده على السطح؛ فما يحصل في الخفاء غامض وغير مفهوم، وفي حالة الكشف عنه، مرعب.

مشهد من الفيلم

يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية؛ الجزء الأول حصلت فيه الحادثة التي فقدت فيها داني عائلتها، والجزء الثاني هو وصول الشخصيات إلى موقع الطائفة في السويد، والجزء الثالث هو تأقلم الشخصيات واندماجها مع هذا المجتمع الغريب.

خلال ذلك يناقش الفيلم عدة ثيمات؛ لكن أبرزها هو مشاعر بطلتنا داني، وتعاملها مع الضغوط العائلية ومشاعر الفقدان. داني التي قبل أن تحصل الفاجعة كانت تعبر بشكل دائم عن مشاعرها ولا تمتلك أية مشكلة في إِسرار مشكلاتها لحبيبها كريستيان، وحتى وقت حصول الكارثة، داني لم تحتوِ مشاعر الصدمة والحزن العميق المتأصل فيها، بل كانت تصرخ من شدة ألم الفقد بطريقةٍ موجعة.

خسارة عائلتها دفعة واحدة نقلتنا إلى الجزء الثاني من الفيلم، وجعلت داني تغير سلوكها مع كريستيان؛ فهي أصبحت خائفة من خسارته، لذلك لم تعد تشاركه بكل ما لديها من مشاعر خوف وحزن وألم، عوضاً عن ذلك حاولت باستمرار كبت ما بداخلها، وأن تظهر بصورة طبيعية غير متأثرة بماضيها.

أصبحت داني تحاول أن تقلل من خسائرها؛ تحاول أن تحافظ على علاقتها حتى لو كانت تلك العلاقة مضطربة وغير سليمة، حتى وهي تدرك تماماً أن كريستيان لا يفهم مدى ما تشعر به من حزن وفقد وانعدام أمان. مع مضي الوقت وملاحظة سلوك الطائفة الدينية، اختلفت ردود فعل أبطال الفيلم وكيفية تأقلمهم مع أسلوب المعيشة. ودون الخوض في تفاصيل أكثر، كان من الواضح أن داني هي أكثر شخص مناسب للاستقرار في هذا المجتمع، بعيداً عن مشكلاتها وماضيها. كل ما كانت تريده داني أكثر من أي شيء آخر هو الانفتاح العاطفي ومشاركة الأحزان والأفراح على حدٍّ سواء، دون خشية أن تتسبب هذه المشاركة في اختلاف طبيعة العلاقة أو ابتعاد أحد أطرافها. استطاعت الطائفة توفير كل ما عجز عنه كريستيان، فحينما تصرخ داني بسبب هول ما تشعر به من حزن وألم، يصرخ الجميع معها متضامنين مع ما تشعر به.

مشهد من الفيلم

اعتمد آري إيستر على نمط تصوير بطيء ليناسب سرعة السرد البطيئة، وحتى مع الأحداث الواقعية، إلا أن التصوير أضاف طابعاً سريالياً على الفيلم، كان الأمر أشبه بمشاهدة حلم أو خيال، أو كأن أحداً ما يقوم بتنويمك مغناطيسياً، وهذا ساعد في جعل الصدمات أكثر وأشد وقعاً. الفيلم مليء بالمشاهد الدموية المريعة؛ لكن لماذا هذه المشاهد كان تأثيرها أقوى وأكبر من أفلام الرعب المعتادة؟

لسببين؛ أولهما التصوير البطيء والهادئ الذي يقلل من انتباهك ويزيد من استرخائك، والسبب الآخر هو التناقض بين المشاهد البديعة الخلابة وطبيعة عمل الطائفة. فأنت تسترخي وتشعر بالهدوء، ترقبك للمجهول يضعف، ومن ثمَّ يضرب الفيلم بكل توقعاتك عرض الحائط، ويصدمك بكل ما في جعبته.

اقرأ أيضًا: تشرنوبل.. دراما الكارثة النووية المليئة بالتفاصيل

التكامل الصوري الصوتي عزز من هذه النقاط بشكل مباشر؛ فالتصوير بديع للغاية ولا أعلم إذا كان مصطلح بديع يوفيه حقَّه.. تحريك الكاميرا والديكورات والكادرات، جميعها تعمل بشكل متكامل لتحقيق هذا الهدف، زوايا تصوير واسعة تجعلك تشعر أنك من ضمن أعضاء الطائفة وتشاهد أبطال الفيلم عن بُعد. موسيقى رتيبة هادئة تتصاعد وتهبط متى احتاجك الفيلم أن تتوتر أو أن تسترخي، أن تترقب وتحذر أو أن تضيع في جمال اللحظة.

ولعلي أختم بالإشادة بأداء الرائعة فلورنس بو، التي قدمت أحد أجمل الأداءات الحزينة في السنوات الأخيرة، وتأقلمت مع كل ثيمات الفيلم التي أراد المخرج إيستر أن يعرضها؛ بل واستطاعت تقديم درجات مختلفة من الحزن، فهو حزن متفجر صارخ في فترة، ومكبوت ومدفون عميقاً في فترة أخرى. أداء فلورنس كان شخصياً وحميماً للغاية؛ خصوصاً في لحظات الوحدة وانعدام الأمان، تشعر بأنك معها في ذلك الموقف، تواجه المجهول ولست قادراً على الوثوق بأقرب الأشخاص إليك.

إيميل الكاتب: [email protected]

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة