الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

Citizenfour.. انقلاب إدوارد سنودن تحت المجهر

كيوبوست- عبيد التميمي

في بداية “Citizenfour” تظهر على الشاشة رسالة من مخرجة الفيلم لورا بويتراس، وتذكر فيها فيلمَيها السابقَين اللذين أدخلاها في مشكلاتٍ مع الحكومة الأمريكية. وتذكر لورا أن هذا الفيلم هو الثالث والمتمم لهذه الثلاثية. ومباشرة منذ تلك اللحظة، تم تحديد النبرة التي سوف يتبناها الفيلم لقرابة الساعتين، نبرة سوداوية، صامتة، وبالغة الكآبة.

في 20 مايو من عام 2013، سافر إدوارد سنودن إلى هونغ كونغ؛ لمقابلة المخرجة لورا بويتراس، والصحفي غرين غرينوالد، الذي يعمل مع جريدة “الغارديان” البريطانية. كان الهدف من المقابلة هو تسريب وثائق تدلي بالتطاول الذي كانت تمارسه الحكومة الأمريكية بالتجسس على شعبها بعد أحداث11  سبتمبر.

حينما شاهدتُ الفيلم بعد فوزه بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي، كنت قد دخلت بتوقعات معينة تتوقعها من أي فيلم وثائقي ناجح؛ وهي أنك سوف تشاهد أحداثاً حقيقية تُروى بشكل سلس وممتع وجميل، برسالة مهمة تتعدى أهميتها الترفيه الذي يقدمه الفيلم. وليس من المفاجئ إطلاقاً أن هذا الفيلم خالف التوقعات بشكل جذري؛ لأنه كان بعيداً كل البعد عن الأسلوب الروائي السلس والممتع، عوضاً عن ذلك كان فيلماً صادماً بارداً في جميع أوقاته، عارضاً الحقيقة بشكل صارخ ودون أي تحوير، دون إضفاء أية لمسة جمالية على الصورة أو طريقة السرد.

اقرأ أيضًا: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

لورا بويتراس قللت من صوت الروائي قدر الإمكان، والمقابلات في هذا الوثائقي معدومة، وكثير من المعلومات تحصل عليها من حواراتها مع سنودن عن طريق مراسلات مشفرة أمامك على الشاشة، لا يوجد تسارع أو تباطؤ في نبرة الفيلم، الموسيقى نادرة جداً، لدرجة أنك تسمع أصوات نقر ألواح المفاتيح أكثر من الموسيقى. إنه فيلم وثائقي لا يتصف بأية صفة من الأفلام الوثائقية.

وأنا هنا لا أنتقد خيارات المخرجة على الإطلاق، بل أوافقها في أن كم الاكتشافات الهائل وضخامة المعلومات المكشوفة من قِبل سنودن لا تحتاج إلى أية نوتة موسيقية أو تصوير سينمائي، كان من المهم جداً عرض المعلومات دون أي تأثير خارجي على الإطلاق. من المهم جداً تسليم المعلومات إلى المشاهد دون محاولة السيطرة على كيفية تقبل المشاهد للمعلومة؛ لأن هذه رسالة الفيلم الجوهرية بالأساس.

وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية في حديثنا، كيف تم عرض إدوارد سنودن الذي قرر التضحية بحياته كما يعرفها؛ حتى يسرب الوثائق السرية الخاصة بالحكومة الأمريكية، مغيراً بذلك بوصلة العالم بأكمله إلى مكان غير معهود؟

مشهد من الفيلم

الحقيقة أن النقاش عن إدوارد سنودن يطول حتى يومنا هذا ما بين مبجل ومنتقد، ما بين مَن يعتبره بطلاً قومياً ومَن يعتبره خائناً. هناك الفئة التي تشكر تسليطه الضوء على الحقائق المخفية عن الشعب، وهناك الفئة التي تقول إن ما فعله سنودن خاطئ بكل المقاييس، ولا يوجد أي تبرير لانقلابه على حكومة وطنه بهذا الشكل. الآن وبعد ما يقارب سبع سنوات كاملة على مرور ذلك اللقاء المفعم بالتوتر والجو المشحون الذي جمع سنودن بغرينوالد وبويتراس، لا يزال الرأي العام منقسماً بين هذين الرأيين: إدوارد سنودن، بطل أم خائن؟

رغم موقف صانعة الفيلم الواضح مما فعل سنودن -فهي ساعدته بنشر الوثائق في المقام الأول- فإنني أحترم جداً خيارها المتمثل في امتناعها عن تصويره بمظهر البطل، لا يوجد رأي أكثر حيادية عن إدوارد سنودن أكثر من الفيلم الذي يحكي قصته. الفيلم عبارة عن سرد مباشر جداً لقصة سنودن واختياره المصيري بتسريب الوثائق والمراسلات التي كانت بينهما، وحتى بعد ظهور سنودن كانت المشاهد مجرد توثيق للنقاشات التي كانت تجمع سنودن بالصحفيين، والتوتر الرهيب الذي كان يملأ أجواء غرفة الفندق تلك في هونغ كونغ، وما تبع ذلك كان التحركات القانونية التي اتخذتها الحكومة الأمريكية ضد سنودن وتبعات هذه التحركات على حياته الشخصية التي أجبرته على البقاء في موسكو.

اقرأ أيضًا: في “Angel Has Fallen” روسيا بريئة من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي

لكن لم نشعر إطلاقاً أن سنودن “بطل”، كان الشعور الدائم طوال الفيلم أنه شخص اتخذ قراراً كبيراً، وهو مستعد كامل الاستعداد لتحمل العواقب. أما عن صحة هذا القرار من عدمها، فهذا الأمر متروك كاملاً بيد المشاهد، كل ما فعلته بويتراس هو التوثيق الدقيق لأهم المحطات التي شملتها رحلة تسريب الوثائق، وما نتج عن هذه التسريبات من أضرار على سنودن والصحفيين.

في الحقيقة، هذا فيلم صاعق في أجوائه، ولا يلطف الحقيقة المرعبة التي قدمها بأي شكل من الأشكال، ولا يعرض أي حلول أو يقدم أية ذرة أمل بخصوص المشكلة التي طرحها؛ بل على العكس تماماً، ينتهي الفيلم بمشهد سنودن وهو يكتشف مصدوماً معلومات إضافية عن تجاوزات الحكومة الأمريكية من مصدر جديد، ويبدو الأمل في حل مشكلته أبعد من أي وقت مضى.

إيميل الكاتب: [email protected]

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات