الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

A Serious Man.. محاولة إيجاد المعنى

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “A Serious Man“، من كتابة وإخراج الأخوَين كوين، ومن بطولة الممثل مايكل شتولبارغ. يتحدث الفيلم عن شخصية لاري، محاضر فيزياء يهودي في الجامعة، تنقلب حياته خلال أسبوعٍ واحد رأساً على عقب؛ حيث تطلب زوجته الطلاق، وتكشف له عن رغبتها في الزواج من رجل آخر. يتورط أخوه ذو المهارات الاجتماعية المحدودة مع الشرطة، وابنه يدخن الحشيش باستمرار، ويهمل واجباته الدينية.

تمتد مسيرة الأخوَين كوين السينمائية ما يقارب ثلاثين عاماً، وهما بلا شك أكثر صناع الأفلام تنوعاً ووفرة. ناقشت أفلامهما العديد من الموضوعات، وشملت العديد من التصنيفات؛ من الجريمة والدراما والكوميديا، وكان الثيم المتكرر في جميع هذه الأفلام هو طرح الأسئلة وفتح باب النقاش بين متابعيها. وبالنسبة إليَّ أعتبر  “A Serious Man”من أفضل أفلامهما؛ لأنه على الرغم من كثافة الأسئلة التي لا يتوقف عن طرحها من أول مشاهده وحتى آخرها؛ فإنه لا يصبح محاولة مبتذلة لصناعة فيلم فلسفي، لا يجاوب عن الأسئلة بشكل مباشر؛ لكن يعطي المتابع كل الأدوات اللازمة لتكوين الإجابة التي تناسبه.

مشهد من الفيلم

النقطة الأخرى هي أن الفيلم لا يتحول إلى أداة طرح أسئلة خالية من الروح، على العكس من ذلك، هو يحجز مركزاً متقدماً كأحد أمتع أفلامهمها، ولا أعتقد وجود لحظة مملة واحدة خلال مدة العرض.. يبدأ الفيلم بإلقاء الأسئلة بشكل متتالٍ، مفاقماً مشكلات لاري وحيرته أمام ضخامة الأحداث وشناعتها، والتي حصلت في غضون أيام معدودة، ومن دون سابق إنذار حتى. يقف لاري مكتوف اليدَين وهو يشاهد حياته تتفكك دون أدنى مراعاة لمشاعره، يهيم على وجهه في الأرض مطحوناً بين مشكلات عاطفية وجدانية ومادية.

يمكن اختصار جميع الأسئلة التي طرحها الفيلم تحت مظلة سؤال واحد: “لماذا يحصل أي شيء؟”، يتساءل لاري ويبحث عن جواب مقنع، جواب يعطيه راحة البال، بأن سبب جميع المشكلات التي يواجهها، والتي تكالبت عليه دون أي تمهيد أو مساهمة منه، يوجد وراءها سبب معين؛ هو لا يهتم بحل هذه المشكلات بقدر اهتمامه بسبب حصولها. لماذا، محاضر الفيزياء المسالم الذي لم يضر أحداً، يواجه هذا الكم المرعب من المشكلات؟! ليس ذلك فحسب، بل يواجهها وحيداً دون دعم عائلته وأصدقائه، والعديد من مشكلاته ينبع من عائلته تحديداً.

اقرأ أيضًا: The Irishman .. رحلة في عالم سكورسيزي

مبدئياً، قد يقع هذا الفيلم في فخ الميلودرامية والكآبة المفرطة؛ لكن لمسة الأخوَين كوين حوَّلت رحلة اليهودي النفسية ومقابلاته مع الحاخامات بهدف إيجاد تفسير، إلى رحلة ممتعة فعلياً، خفيفة الظل ومليئة بالكوميديا السوداء، تجد نفسك متعاطفاً مع لاري ومهتماً بقصته، مستشعراً حيرته وغضبه تجاه المجهول.

مشهد من الفيلم

المصور السينمائي القدير روجر ديكنز، والذي يتعاون بشكل دائم مع الأخوين كوين، يفرض كعادته لمسة ساحرة وشخصية؛ لأن تصديق المشاهد للرحلة النفسية التي يخوضها لاري لإيجاد الإجابات تكمن في بيئة لاري المحيطة به؛ الحياة الريفية الهادئة والروتين المتكرر الذي يجعل لاري في سبات نفسي عميق، غير ملاحظ لكل ما يحصل خارج هذا الروتين، سواءً أكان ذلك ابتعاد زوجته عنه وانتقالها إلى أحضان رجلٍ آخر، أم انهماك ابنه في تدخين الحشيش.

لكن في الحقيقة أبرز عناصر هذا الفيلم هو أداء الرائع مايكل شتولبارغ؛ هناك قلة قليلة من الممثلين ممن يستطيعون اتخاذ أفلام الإخوة كوين كأفلام شخصية لهم، يربطونها بأداءاتهم على الرغم من تكامل جميع عناصر الفيلم الأخرى، خافيير بارديم في (No Country for Old Men)، وجيف بريدجز في (The Big Lebowski)، على سبيل المثال لا الحصر. شتولبارغ ينضم إلى هذه القائمة بكل اقتدار.

اقرأ أيضًا: تشرنوبل.. دراما الكارثة النووية المليئة بالتفاصيل

استطاع شتولبارغ تجسيد لاري بكل تفاصيله، استطاع تجسيد حيرته أمام ما يحصل، وإحباطه في ظلِّ غياب الإجابات، استطاع تجسيد غضب لاري في نقطة انفجاره، وسلامه الداخلي في لحظات الهدوء، والنقطة التي يجب أن لا أغفلها، هي أنه على الرغم من كون الفيلم يقع تحت تصنيف الأفلام الكوميدية؛ فإن شتولبارغ لم يجعلنا نحس إطلاقاً بأن شخصية لاري كذلك، ليس هناك أي مبالغة في الأداء بهدف إضحاك الجمهور، كل ردات فعل لاري وكل ما يقوم به هو أمور طبيعية في ظل ما يحصل، وما نشاهده أمامنا هو رجل عاجز عن القيام بأية ردة فعل، وعن إيجاد أي تفسير.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة