الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (3-3)

(الحلقة الثالثة) تراث عالمي معرض للخطر

كيوبوست- منير بن وبر

يفتخر اليمنيون بوجود ثلاث مدن يمنية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وهذه المدن هي صنعاء وزبيد وشبام حضرموت، وهي مدن أصبحت اليوم معرضة إلى الخطر؛ بسبب آثار الصراع المستمر، على الرغم من صمودها مئات السنين بفضل استمرار بقاء السكان وتعاقبهم على سكنها وعمارتها. من بين المدن الثلاث، تعتبر مدينة شبام حضرموت أبرز مثال على العمارة الحضرية التقليدية في حضرموت، جنوب شرق اليمن، وهي تشتهر بلقب ناطحات السحاب الطينية، أو منهاتن الصحراء.

اقرأ أيضاً: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (2-3)

تم تسجيل مدينة شبام حضرموت على قائمة التراث العالمي منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي؛ لكنها دخلت ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المعرض للخطر منذ عام 2015م. وفقاً لليونسكو، تشكل هذه المدينة المسوَّرة أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على مبدأ البناء المرتفع. وتصفها مجلة “هيدن آركيتشتشر” بأنها “واحدة من هذه الأماكن المستحيلة والغرائب ​​في العمران العربي”. كانت شبام عاصمة حضرموت في يوم من الأيام، كما لعبت دوراً مهماً على طريق تجارة اللبان الشهير، وتجارة البهارات والحبوب والتمور.

شبام العالية

أكثر ما يميز شبام حضرموت هو تخطيطها ومبانيها البرجية؛ وهو ما يعكس حاجة السكان إلى الحماية من الغزو ومن مياه السيول، إضافة إلى توافر وسلامة العناصر المادية والوظيفية والنسيج الاجتماعي داخل المدينة، وجهود الأهالي في الحفاظ على هويتهم الثقافية، وبالطبع استخدام مادة الطين في بناء هذه المنازل العالية التي قد تصل إلى سبعة أدوار. في كتابه (هندسة البناء والتشييد في حضارة اليمن القديم)، يقول الدكتور المهندس صالح علي السحيقي: إن أهم ما يميز التخطيط الداخلي للمدن اليمنية هو تداخل مكوناتها وانسجام عناصرها، والتي تمنحها مبانيها العالية شكلاً مميزاً وظيفياً وبصرياً.[1] المنازل العالية في شبام، والبناء على نتوء صخري مرتفع أبقيا المدينة آمنة لقرون بعد الفيضان الهائل الذي دمر المستوطنة السابقة في القرن السادس عشر، والتي قامت شبام الحالية على أنقاضها.

منزل في شبام حضرموت- Aneta Ribarska

ولكن ظاهرة المنزل البرجي في اليمن، وشبام حضرموت نموذجاً، لها مميزات وأبعاد أخرى؛ فكما يقول الدكتور عبدالناصر القادري، في رسالته: إن للمنزل البرجي في اليمن بُعداً فلسفياً تبلور عبر مئات السنين؛ حيث يُعتبر الاتجاه العمودي بُعداً مقدساً للفضاء، ورمز الخط العمودي إلى المطلق و(اللا نهائي)، وهذه اللا نهائية الزائفة تمنح مَن يتتبعها متعة الصعود إلى السماء.[2] يمنح الارتفاع والشموخ واستغلال الفضاء والمساحة شعوراً بالتقدير والإعجاب، والمباني العالية تبعث بالخوف في نفوس الأعداء الذين يجدون أنفسهم أقزاماً أمامها؛ وحول هذا البُعد الهندسي، يقول المهندس الكندي آرثر إريكسون: “لطالما كان الفضاء هو البعد الروحي للهندسة المعمارية”.

اقرأ أيضاً: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (1-3)

تتكون مدينة شبام من أكثر من 400 منزل، وسبعة جوامع، وخمس ساحات عامة وسور يحيط بالمدينة التي توجد لها بوابة واحدة كبيرة من الجهة الجنوبية. يصل ارتفاع بعض منازل شبام إلى نحو 36 متراً من سطح الشارع، وقد يصل عمر بعضها إلى بضعة قرون، وهي لا تزال تُسكن إلى اليوم، تتوارثها أجيال بعد أخرى، وتجري عليها الإصلاحات اللازمة. وبما أن الزخرفة والنقش والكتابة هي مما تميزت به العمارة في حضرموت؛ فقد استخدمت لأغراض وظيفية، مثل حفر تاريخ بناء المنزل على الباب الرئيس، وقد وُجِدت أبوابٌ كُتب أن تاريخها يعود إلى سنة 1740م، كما ينقل ذلك القادري في رسالته.

مجموعة من سكان شبام حضرموت يلعبون الدومينو في ساحة عامة- Anne De Henning

يستجيب تصميم وتخطيط المنزل الشبامي للطبيعة المحيطة وأخطار الحرب، والخصوصية العائلية. من ملامح هذه الخصائص الفريدة ارتباط بعض المنازل ببعضها البعض؛ مما يمنحها قدرة على الصمود والتماسك، كما ترتبط بعض المنازل ببعضها من خلال الجسور التي تسمح للأهالي بالهروب وقت الحروب، كما تسمح للنساء بالتنقل دون الاضطرار إلى الخروج من المنزل أوقات السلم. يتم تقسيم المنزل أيضاً بطريقة تؤهله للصمود أوقات الحصار أو الجفاف؛ حيث يُخصص الطابقان الأول والثاني للحيوانات وتخزين الطعام، بينما تبدأ أدوار السكن من الدور الثالث.

رسم يظهر موقع وتخطيط مدينة شبام- DOCARTIS

الحفاظ على العمارة يعني الحفاظ على الحضارة

إن تعاقب الأجيال على صيانة بيوت شبام العالية يؤدي دوراً محورياً في صمود هذا التراث العالمي، ناهيك -وقبل كل شيء- بالذكاء الهندسي والإنشائي للبَنَّائين القدماء، وفهمهم خواص الطين المقوَّى بالتِّبن، والاستعانة بالجير والرماد لمقاومة نفاذية الرطوبة والأمطار عبر السقوف العلوية والجدران الخارجية، إضافة إلى الكثير من الحلول الهندسية في عمل الأساسات والمصارف الصحية.[3]

عامل يقوم بصيانة أحد منازل شبام حضرموت- Anne De Henning

يقول المعماري الأمريكي فرانك لويد رايت: إن العمارة هي الفن الأُم، ودون هندسة خاصة بنا ليس لدينا روح حضارتنا. لقد أسهمت العمارة وفنون الزخارف والنقوش والكتابة عليها -وعلى أدوات أخرى- في توسيع فهمنا للحضارات القديمة، وأعطتنا الأنماط المعمارية فكرة عن ظروف وموارد الأماكن التي أُنشئت عليها، وارتباط الناس ببعضهم البعض؛ بل وحتى بمساكنهم وحياتهم الروحية والفلسفية والثقافية؛ وما هذا كله إلا جزء يسير من الأسباب التي تحتم علينا الحفاظ على هذا الإرث العظيم. يقول الكاتب ياسر قنيوي، لـ”كيوبوست”: إن فن الزخرفة في حضرموت كان أكثر ازدهاراً بكثير في حضارة حضرموت القديمة مقارنةً بالوقت الحالي، ويظهر هذا جلياً في القطع الأثرية المكتشفة في حضرموت، والتي تظهر حِرفيةً وفناً زخرفياً غاية في الجمال والدقة.

إنه لمن حُسن الحظ أن تبقى مدن مثل شبام حضرموت محافظة على نمطها المعماري الفريد، ولا يهجرها ساكنوها كما هُجرت مدن كثيرة عبر التاريخ؛ لكن هذا الحظ السعيد يصبح موضع شك يوماً بعد يوم؛ فشبام وصنعاء وزبيد وغيرها من مدن ومعالم اليمن معرضة إلى خطر الإهمال والأضرار المباشرة وغير المباشرة للصراع في اليمن، والظروف المناخية المتغيرة، وخطر النزوح عنها، وزحف العمارة الخرسانية الحديثة التي تفتقد الفن الراقي أو حتى الإنسانية! وهذا ما يجعل الحفاظ على الفن المعماري ليس عن طريق صيانة تلك المدن والمباني الرائعة فحسب؛ بل أيضاً من خلال تعليم جيل اليوم كيفية الاستمرار في المضي قدماً لبقاء هذا الفن وتطويره.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت صنعاء الحصينة مهددة بالتدمير؟

تنتشر اليوم مصطلحات مثل “أنسنة العِمارة” و”التدوير” و”المنتجات الصديقة للبيئة” وجميعها يشترك في فكرة بناء منازل ومدن تركز على احتياجات الإنسان وفهم تفاعله مع البيئة، وعدم الإضرار ببيئته من خلال استخدام المواد الصديقة للبيئة. وبناء على ذلك، ازدادت مؤخراً الدعوات إلى تبني نمط العمارة الطينية في الكثير من دول العالم لحل مشكلة الإسكان وبناء منازل عالية الكفاءة في المناخات الحارة والرطبة وقليلة التكلفة بمواد سريعة التحلل، بالإضافة إلى ما يمنحنا الطين من شعور بأننا في أحضان أُمنا الأرض. وهذا يدعونا -ويدعو الجهات المختصة- إلى بذل المزيد من الجهود للحفاظ على التراث المعماري الأصيل في حضرموت.

المراجع:

[1] هندسة البناء والتشييد في حضارة اليمن القديم، الدكتور المهندس صالح علي السحيقي. ص 102.

[2] عمارة الأبراج في وادي حضرموت، دراسة حالة المنزل البرجي التقليدي في مدينة شبام، رسالة دكتوراه، عبدالناصر عبدالله سالم القادري. ص 22.

[3] العمارة الطينية في اليمن: دراسة ميدانية تحليلية ومختبرية، الدكتور سالم عوض رموضة. ص 79-80.

لقراءة الحلقة الأولى: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (1-3)

لقراءة الحلقة الثانية: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت (2-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة