الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالات

90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

يوسف الديني♦

اليوم تعيش السعودية حدثاً استثنائياً على مستوى التأريخ؛ ذلك المارد العظيم الذي يكتب تجارب الأمم، ويدوِّن قصص الشعوب في بناء مستقبلها الذي يستلهم ماضيها وتراثها، دون أن يكون حجر عثرة في نظرتها إلى القادم من التحديات.

غلاف الكتاب

يروي الأمير خالد الفيصل؛ أمير منطقة مكة المكرمة، في كتابه «مسرد تاريخ الفيصل»، أن والده الراحل الملك فيصل، أصدر مرسوماً يقضي بأن يكون الأول من الميزان مطلع السنة الشمسية الهجرية الموافق 23 من سبتمبر بالميلاد، هو اليوم الوطني للدولة السعودية، في التفاتة بالغة الأهمية رغم رمزيتها على تأسيس لحظة زمنية فارقة يعود فيها السعوديون إلى ذاكرتهم بعيداً إلى ما يقترب من القرن؛ لاستكناه ملامح النشأة الأولى التي رسَّخ فيها الملك المؤسس منطق الدولة، متجاوزاً كل التحديات الداخلية والخارجية، ومعتمداً على التباشير الأولى بخيرات البلاد التي تنبع من تحت الأقدام؛ وتحديداً النفط الذي كان حجر الأساس في النهضة الاقتصادية الشاملة، إضافة إلى التعددية المذهلة على مستوى الجغرافيا والموارد الطبيعية والعامل الأكثر أهمية على المستوى الروحاني؛ وهو قيادة بلد يمثِّل قبلة أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين الذين يتوجهون بقلوبهم نحو البلد الأمين.

اقرأ أيضًا: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

اليوم تعيش المملكة تجربة استثنائية تتصل بالتحولات العالمية الكبرى في السياسة والاقتصاد، إضافة إلى التوترات الإقليمية التي عقبت أحداث الربيع العربي، وجرفت معها العديد من الدول واستقرارها وهويتها نحو دوامة من الفوضى والأزمات والاحتراب على امتلاك مفهوم الوطن، ومع تلك التحديات حرصت القيادة السعودية؛ وفي مقدمتها تطلعات خادم الحرمَين الشريفَين على تأسيس مفهوم جديد للاستقرار والرفاه يعتمد على رؤية عرّابها ولي عهده الأمير الشاب محمد بن سلمان، الذي استجاب للتحديات العالمية وأطلق رؤية 2030 الشاملة والطموحة، والتي تهدف أساساً إلى الاستثمار في الإنسان السعودي قبل كل شيء، وتحويل أمن وسلامة الداخل إلى أولوية قصوى؛ خصوصاً مع رياح التطرف والإرهاب والتنظيمات المتشددة التي اتخذ الأمير الشاب معها موقف القطيعة الكاملة، معلناً الحرب الدائمة عليها.

 شاهد: فيديوغراف.. جهود السعودية في مكافحة الفساد

السعودية الجديدة اليوم باتت مملكة التفاصيل الصغيرة في كل شيء؛ حيث التحولات الضخمة على مستوى الحوكمة والدخول إلى عالم الرقمية والتقنية، والاهتمام الكبير بمؤسسات الدولة وتطويرها ومكافحة الفساد والمحسوبية، إضافة إلى خلق أجواء وفرص اقتصاد موازٍ لا يعتمد على مورد النفط؛ بل يتجاوزه إلى التفتيش عن كل الإمكانات والموارد الطبيعية والسياحية والدينية، لبناء اقتصاد مستدام.

واجهت الرؤية السعودية الواعدة 2030 العديد من الملفات الشائكة بالغة التعقيد؛ من مكافحة الفساد إلى القضايا الحقوقية وتمكين المرأة، وصولاً إلى الوقوف أمام مشروعات استهداف البلاد التي تسعى أحلاف الأزمات في المنطقة بقيادة ملالي طهران وأشباههم إلى خلقها كعراقيل تجاه استقرار البلد، ووصولاً إلى إعادة الحياة إلى المجتمع السعودي بعد عقود من هيمنة التيارات المتطرفة؛ وهو ما أدى إلى تحولات عميقة باتجاه المستقبل، أبرز ملامحها الاهتمام بالثقافة والفن، والعودة بمجتمع تغيَّب عن أسلوب حياة عصرية لعقود مضت.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان – وكالات

كافح ولي العهد محمد بن سلمان؛ فأن تبقى السعودية استثناء خارج متطلبات العصر لا يعكس الصورة التي يجب أن تكون عليها البلاد؛ فأصر على مشروع رؤية 2030، باعتبارها جسر الانتقال نحو دولة الرفاه كضرورة لا خيار فيها، وكان عصبها الدماء الشابة في مؤسسات الدولة؛ وهي النسبة الكبرى من وقود الرؤية في رحلة قطار المستقبل الذي لا يحتمل الانتظار.

وفي سياق الرؤية التي أحدثت جدلاً وتفاعلاً كبيراً حولها، يمكن القول إن جذرها الأساسي يتمحور حول نقل اقتصاد السعودية الذي يعتمد بأغلبيته على عائدات النفط إلى اقتصاد متنوع حيوي متجاوز لـ”إدمان النفط”، عبر تنويع الموارد وتخفيف الأعباء عن الدولة نتيجة الاقتصاد الريعي، والتركيز على توسيع ودعم القطاع الخاص؛ لخلق فرص عمل للأجيال الجديدة.

تشهد السعودية نقلة اقتصادية

الجديد في الرؤية السعودية هو أنها تجاوزت الفصل بين التنمية الاقتصادية، ودوافعها الفكرية، وقاعدتها السياسية والثقافية؛ في الرؤية الجديدة التي أطلقت عدداً من المشروعات التنموية التي لم تنبت كطروحات مالية أو تحليلات اقتصادية مفرغة من سياقاتها الفكرية؛ بل تمت إضافة المعنى إليها في سابقةٍ سعودية، حيث كانت تعتمد الخطط التنموية على التمحور حول الاقتصاد وتسريع عجلته، مع البقاء في السياق التحديثي في إطاره المحافظ، وحَدِّه الأدنى الذي لم يعُد صالحاً للتكرار في ظلّ المعطيات الجديدة؛ أجيال شابة وطموحات كبيرة، واقتصاد السوق العالمية، ودخول مجموعات كبيرة من الشباب والفتيات من المواطنين إلى سوق العمل، قادمين من تجارب ابتعاث، ومسلحين بأحدث ما وصلت إليه الجامعات العالمية من معارف وتطبيقات حديثة.

اقرأ أيضًا: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

وبإزاء هذه التجربة التنموية الجديدة، دشَّن ولي العهد السعودي خطاباً تحديثياً مغايراً في لغته وأهدافه، يشدد على محاربة التطرف، وملاحقة منتجيه ومصدريه، بصفته أحد أكبر عوائق المسار التنموي، وأكثر المهددات لأمن الأوطان واستقرارها.

شهدت المملكة طفرة هائلة على كافة المستويات – وكالات

هذه الإضافة كانت صادمة للمراقبين لـ”رؤية 2030″، في الداخل والخارج؛ حيث لم يتم الاعتياد على هذا القدر من المواجهة والصراحة في التعاطي مع حساسية الشأن السياسي المتقاطع مع الديني، لكن اللحظة الفارقة هي إعادة الأجيال الجديدة إلى ذاكرة قريبة، وهي 1979، حين بلغ التأزم والتشدد الديني أقصى حدوده، باقتحام الحرم المكي قبلة المسلمين، بدعوى المهدوية ونهاية الزمان، التي هي في معناها الرمزي “نهاية المستقبل” والانسداد التاريخي.

ومن هنا، فإن التذكير بهذه اللحظة لم يأتِ بصفتها نقطة فاصلة في التاريخ السعودي الحديث فحسب؛ بقدر دلالاتها المكثفة على أن مَن يريد تعطيل المستقبل، وادعاء نهاية الزمان السعودي، لا مكان له في الرؤية الجديدة.

♦كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة