الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

250 عاماً على ميلاد بيتهوفن.. الموهبة العبقرية والشخصية عميقة الألم

كيوبوست

كان من المقرر أن يكون 2020 عاماً للاحتفال بالذكرى الـ250 لميلاد أشهر المؤلفين الموسيقيين على مر العصور، لودفيغ فان بيتهوفن، إلا أن جائحة كورونا حدت من مظاهر الاحتفال، التي كانت ستُقام بعدة دول ضمن حملة “BTHVN”، ومقرها مدينة بون التي ولد فيها، خلال شهر ديسمبر عام 1770، فليس من المعروف يوم ميلاده على وجه التحديد.

ويتم الاحتفال بذكرى ميلاد عبقري الموسيقى بيتهوفن؛ تقديراً لمؤلفاته التي أحدثت ثورة في عالم الموسيقى، والأكثر إدهاشاً أنه أنتج أهم أعماله، وآخرها “السيمفونية التاسعة”، التي لم يسمع منها شيئاً بعدما أصبح أصم بالكامل! ففي عمر الـ28 بدأ بيتهوفن يفقد حاسة السمع؛ الأمر الذي تسبب له في ألم عميق دفعه لمحاولة الانتحار بعمر الـ32.

طفولة قاسية

مثَّل فقدان حاسة السمع أكبر همّ واجه بيتهوفن، كيف لا وهو موسيقي وكل حياته تدور حول أذنَيه، وفي رسالة حزينة أرسلها بيتهوفن عام 1801، إلى صديقه فرانز فيجلر، اعترف أن قدرته السمعية في تدهور، فقال: “يجب أن أعترف أنني أعيش حياة بائسة، منذ ما يقرب العامين توقفت عن حضور أية مناسبات اجتماعية، فمن المستحيل أن أقول للناس: أنا أصم. لو كنت أعمل في مهنة أخرى، لكان بمقدوري التعامل مع ضعفي؛ لكن في مهنتي فإن إعاقتي تشكل عقبة رهيبة”.

افتتح النصب التذكاري لبيتهوفن في مدينة بون عام 1845- flickr

لم يشكل الصمم الألمَ الوحيد في حياة بيتهوفن؛ فقد اتسمت حياته منذ الطفولة بالقسوة، فوالده، الذي كان مغني بلاط، ومدمناً على شرب الكحول، أراد لابنه أن يكون موسيقياً لامعاً، لذلك بدأ بتعليمه العزف على آلتَي الكمان والكلافير منذ سنواته المبكرة، بطريقةٍ وحشية؛ فقد كان يضربه بسبب أي خطأ، فيكمل بيتهوفن العزف باكياً. وكان أول أداء موسيقي له في سن السابعة.

اقرأ أيضاً: جائحة كورونا تقلص خريطة مهرجان الموسيقى العربية

رغم قسوة والده؛ فإنه لم يندثر شغفه الموسيقي، ففي سن العاشرة انسحب من المدرسة لدراسة الموسيقى بدوام كامل. وفي سن الثانية عشرة، أنجز بيتهوفن أول مؤلفاته؛ وهي مجموعة من تنوعات البيانو. ونتيجة لغرق والده في إدمان الكحول، اضطر بيتهوفن إلى إعالة أسرته من خلال عمله كعازف على آلة “الأرغن” في الكنيسة بقصر بون الانتخابي. وفي عمر الـ17 انتقل إلى النمسا لدراسة الموسيقى، وسرعان ما عاد إلى بون بعد أسابيع؛ ليرعى أخويه الصغيرَين بعد وفاة والدته بمرض السل. وبعد خمس سنوات، أي في عمر الـ22، عاد إلى النمسا لاستكمال دراسته.

توجهات تقدمية

كان لبؤس حياة بيتهوفن تأثير على شخصيته، ومن خلال الأفلام السينمائية العديدة التي صورت حياته، كـ”رنين الصمت” و”محبوبتي الأبدية”، تم تقديمه كشخصٍ غريب الأطوار ومرتبك ومنغلق، يعيش صراعاً مع ذاته ومع الآخرين؛ لكن البعض يرى أن هذه الصور نمطية. وبهذا السياق، يقول المايسترو اليوناني الروسي تيودور كورينتزيس: “يا إلهي كم كان عليه أن يتألم مع كل هذه الموهبة، في عالم يحكمه أشخاص أقوياء وقساة”.

اقرأ أيضاً: بيتهوفنمع مصطفى سعيد

وكان لبيتهوفن توجهات فكرية وسياسية متقدمة، فقد تأثر بالثورة الفرنسية بما تبنته من مبادئ ثورية ودعوة للحرية والمساواة، ولفت انتباهه إنجازات الشاب المتحمس، نابليون بونابرت، المناهضة للحكم الملكي؛ لذلك قرر بيتهوفن تلحين السيمفونية الثالثة للبطل الفرنسي، وفقاً لانطباعاته عنه؛ لكن سرعان ما تلاشى ذلك الإعجاب في ربيع 1804، عندما أعلن بونابرت نفسه إمبراطوراً لفرنسا، ما أثار غضب بيتهوفن، واصفاً إياه بالطاغية. وبناء عليه، قرر إزالة اسم نابليون من السيمفونية، التي كان ينوي تكريسها له.

أما الحياة العاطفية للموسيقي الراحل، فقد كانت خاوية إلا من علاقة حب واحدة لسيدة متزوجة تُدعى أنتوني برينتانو، وقد كتب لها رسالة عام 1812، استغرق يومين في كتابتها؛ لكنه لم يرسلها لها قط، علماً بأنه كان خجولاً جداً.

أنشودة الفرح

في فيلم بثته قناة “دويتشه فيله” بعنوان “سيمفونية بيتهوفن التاسعة.. سيمفونية للعالم”، قال المايسترو كورينتزيس عن السيمفونية التاسعة لبيتهوفن: “إذا جاء شخص ما من كوكبٍ آخر، وسأل عمّا يدل على الحضارة الإنسانية؛ عندها سيكون أفضل شيء هو عزف السيمفونية التاسعة أمامه”.

بطلبٍ من جمعية لندن الموسيقية عام 1817، ألَّف بيتهوفن السيمفونية التاسعة وهو أصم، وأنهاها عام 1824، وكان موضوعها “الأخوّة بين البشر”، كما لحن أبيات الشاعر الألماني فريدريش شيلر “أنشودة الفرح” في الجزئية الأخيرة من السيمفونية، واستعان بأربعة مغنيين وفرقة إنشاد.

جزئية آلة الفيولا من السيمفونية التاسعة- تصوير: Eitan Simanor نقلاً عن “الغارديان”

وفي مقال للكاتب الموسيقي، توم سيرفس، في صحفية “الأبزورفر”، وصف السيمفونية بأنها القطعة الوحيدة التي ألهمت منهجية التحليل الموسيقي، واعتبرت العمل المركزي للموسيقى الكلاسيكية الغربية؛ فقد اتسمت بالخيال والإتقان السيمفوني والتقني والتركيبي، كما أثبتت أن الموسيقى الكلاسيكية يمكنها احتضان العالم خارج قاعة الحفلات الموسيقية؛ فهي عبارة عن جرس رنان للتغيير الاجتماعي، والأمل العاطفي، والإصلاح السياسي.

ومن مؤلفات بيتهوفن البارزة أيضاً “سوناتا القمر”، التي ألَّفها في الفترة من 1803 إلى 1812، أو ما يُعرف بالمرحلة “البطولية” من حياته؛ فخلالها ألَّف أوبرا “Fidelio”، وست سيمفونيات، وأربعة كونسيرتي منفردات، وخمس رباعيات وترية، وست سوناتات وترية، وسبع سوناتات بيانو، وأربع ثلاثيات، وسداسيتَين، و72 أغنية.. وغيرها، بينما كانت المعزوفة الأشهر من بين تلك المؤلفات هي سوناتا ضوء القمر؛ نظراً لمدى تعقيدها وجمالها. أما أكثر مقطوعاته تداولاً فهي “من أجل إليزا”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة