الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

200 متر.. معاناة الجدار العازل ودعوة التعايش

يقدم الفيلم نموذجاً للتعايش الممكن بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس بناء الثقة

كيوبوست

معاناة إنسانية تحمل الكثير من التفاصيل التي يمكن حال إيجاد الثقة تجاوزها. في تجربة “200 متر” للمخرج أمين نايفة، تظهر معاناة حقيقية لأسرة فلسطينية فرَّق بينها الجدار العازل في فلسطين؛ فالأب الذي يعيش مع والدته المسنة لرعايتها، هو نفسه الذي لا يستطيع الوصول إلى منزل زوجته وأبنائه إلا بتصريح عمل مسبق لعبور الحدود إلى الجانب الإسرائيلي.

الملصق الدعائي للفيلم

معاناة إنسانية

يفصل الجدار بين المنزلَين مسافة 200 متر كانت كافية لأن يضيء الأب مصطفى أضواء منزل والدته ويتحدث مع أبنائه عبر الهاتف على الناحية المقابلة بالأضواء وبرفقة الهاتف المحمول؛ حيث يراهم من خلاله، بينما يختلس ساعات قليلة قبل العودة إلى والدته على الناحية الأخرى؛ ليقضي معها الليل ويتحدث إلى أولاده عبر الهاتف.

قصة حياة تبدو روتينية؛ خصوصاً مع أحقية الأب في العبور للعمل بموجب التصريح الحاصل عليه ولقاء زوجته وأبنائه، لكن الأب الشاب الذي يلعب دوره الفنان علي سليمان، يُصدم لدى عبوره في إحدى المرات بمشكلة في التصريح الخاص به، تستلزم تجديده، وفي اليوم نفسه الذي تصادف بعده عطلة يتعرَّض ابنه إلى حادث يُنقل على إثره إلى المستشفى، ليبدأ في رحلة بحث عن عبور غير شرعي خلف الجدار من خلال استقلال سيارة أجرة يختص القائمون عليها بتنفيذ رحلات التهريب مقابل مبالغ مالية كبيرة.

مخرج الفيلم ومنتجته مي عودة خلال تسلم جائزة مهرجان الجونة

يشعر الأب بالقلق الشديد على نجله، يدفعه الشعور بالقلق للإسراع بتحمل عقبات رحلة غير مأمونة التبعات؛ لا سيما إذا اكتُشف أمره وضُبط أثناء محاولته عبور الجدار بشكل غير شرعي، لكن بدافع الأبوة والشعور بالحزن لعدم وجوده بجوار ابنه في تلك اللحظة يقرر المغامرة مهما كانت النتائج المحتملة؛ لدرجة أنه يكاد يفقد حياته خلال الرحلة.

رحلة عبور

في رحلة محاولة عبور الـ200 متر بشكل غير قانوني، تتحرك السيارة الأجرة عشرات الكيلومترات داخل الأراضي الفلسطينية؛ تسير السيارة بين الجبال والطرق الوعرة للالتفاف على الجدار العازل، ومن داخل السيارة نشاهد حكايات الركاب ما بين فلسطيني يصطحب مخرجة ألمانية تقوم بتصوير فيلم وثائقي عن رحلة العبور غير الشرعية لطفل يسعى للعبور من أجل العمل في بناء المستوطنات وجمع الأموال، وصولاً إلى قائد السيارة الذي ينخرط في العمل مع مجموعة شباب إسرائيليين يقومون بوضع الفلسطينيين في شنط السيارات للعبور من على الحواجز التفتيشية.

مشهد من الفيلم

على مدار 90 دقيقة، هي أحداث الفيلم، نشاهد الكثير من التفاصيل المرتبطة بكل شخصية؛ خصوصاً مع كشف تفاصيل لم تكن واضحة من البداية.. تقلُّب الأحداث وتغيُّر العلاقات التي ظهرت من بداية الفيلم؛ فالشاب الفلسطيني الذي اصطحب المخرجة الألمانية لتصويره ينقلب عليها، ومصطفى الذي كان رافضاً التصوير والتعاون معها يدافع عنها؛ بل وينقذها من اعتداء كادت تتعرَّض إليه.

بخلاف إظهار الفيلم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون على جانبَي الجدار العازل؛ خصوصاً غير الحاصلين على جوازات سفر إسرائيلية من عرب 1948، يظهر الفيلم إمكانية التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين مع بناء حاجز للثقة؛ فالتطرف الموجود في نماذج من الجانبَين الرافضة للآخر، تقابله نماذج أخرى إيجابية يمكن ملاحظتها.

ففي الوقت الذي يصف فيه جندي في نقطة تفتيش الفلسطينيين بالإرهابيين، تجد صاحب البناية التي يذهب مصطفى للعمل فيها يتعامل معهم بشكل جيد. تخلَّص الفيلم من إشكاليات بعض الأعمال الفلسطينية في الاستعطاف المبتذل للمشاهد، وفضَّل مخرجه أمين نايفة، الذي قدم المشكلة بصورة مختلفة في فيلمه القصير “عبور”، أن يركز على معاناة مصطفى في الحصول على التجديد الفوري لتصريح عمله؛ ليعكس معاناة يومية يعيشها الكثير من الفلسطينيين.

مشهد من الفيلم

تناقضات الواقع

عمد مخرج الفيلم أمين نايفة، إلى إبراز جوانب المعاناة؛ ليس فقط من خلال القصة، ولكن باستخدام أدواته الفنية؛ سواء في الكادرات التي أظهرت القرب المكاني والجدار العازل بصورة جعلت المشاهد يتخيل الصعوبة الموجودة في فكرة العبور على الرغم من قرب المسافة.

 اقرأ أيضاً: “الرجل الذي باع ظهره”.. معاناة إنسانية لم تغرق في تفاصيل الأزمة السورية

أمين نايفه مخرج الفيلم

كما حرص على توضيح معاناة الفلسطينيين حتى في الكمائن الأمنية؛ فأظهر طول فترة انتظار السيارات الفلسطينية في طابور طويل في مقابل ممر خال من السيارات تقريباً للسيارات الإسرائيلية التي تعبر سريعاً وبإجراءات تفتيش أقل تشدداً.

أما على صعيد مواقع التصوير؛ فحرص أمين نايفة على إبراز الجانب الجمالي في الطبيعة خلال رحلة العبور غير الشرعية، مع إبراز الارتفاع الشاهق للجدار الأسمنتي؛ بما عكس التناقض الموجود بين الطبيعة الخلابة والتشوهات الأسمنتية المصنوعة لتكون بمثابة إجراءات للتأمين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات