الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

20 عاماً من الحرب الأمريكية انتهت كما بدأت

أفغانستان تحت حكم "طالبان"

كيوبوست- ترجمات

كارلوتا غال وروح الله خابالواك♦

هرب الرئيس الأفغاني من البلاد، وانهارت الحكومة، وسارع الجيش الأمريكي لإخلاء الدبلوماسيين من المدينة التي يجتاحها الذعر.

أحكمت “طالبان” سيطرتها على أفغانستان يوم الأحد الماضي، واجتاحت العاصمة كابول بعد أن واجهت مقاومة لا تُذكر، بينما كان الرئيس الأفغاني أشرف غني، يغادر البلاد. انهارت الحكومة، وعمَّت الفوضى والخوف في أرجاء المدينة، بينما كان عشرات الآلاف من الناس يحاولون الفرار.

عاد المتمردون إلى السلطة بعد عقدين من الإطاحة بهم على الرغم من سنوات من الحرب، ومئات المليارات من الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة لبناء الحكومة الأفغانية، وقواتها المسلحة. ابتلعت “طالبان” في هجومٍ خاطف عشرات المدن في غضون عدة أيام، وبقيت كابول وحدها معقلاً للحكومة.

اقرأ أيضًا: انهيار أفغانستان سيعزز القضية الجهادية

ومساء الأحد، أعلن الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، عبر حسابه على “تويتر”، أنه يعمل على تشكيل مجلس تنسيقي بالتعاون مع عبدالله عبدالله، رئيس الوفد الأفغاني لمحادثات السلام، وقلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي؛ بهدف إدارة الانتقال السلمي للسلطة. ودعا كرزاي قوات كلٍّ من الحكومة و”طالبان” لممارسة ضبط النفس؛ ولكن يبدو أن “طالبان” تجاهلت دعواته، وتقدمت إلى المدينة كما تشاء.

وقد هنأ كبير المفاوضين في وفد “طالبان” للمحادثات مع الحكومة الملا عبدالغني برادار، أفغانستان كلها على هذا النصر، وقال في مقطع فيديو، نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر فيه إلى جانب أعضاء وفد “طالبان” المفاوض في الدوحة: “الآن سيظهر للعالم كيف نخدم أمتنا، يمكننا أن نؤكد للجميع أن بلادنا تنتظرها حياة هادئة ومستقبل أفضل”. وأضاف: “لم يكن متوقعاً أن ننتصر في هذه الحرب؛ لكن هذا الانتصار جاء بعون الله، لذلك يجب علينا أن نشكره ونتواضع أمامه؛ كي لا نتصرف بغطرسة”.

مقاتلو “طالبان” في القصر الجمهوري في كابول- وكالات

ذكرت قناة “الجزيرة” أنها أجرت مقابلات مع مقاتلين من “طالبان” كانوا يعقدون مؤتمراً صحفياً في القصر الجمهوري في كابول. قال المقاتلون إنهم كانوا يعملون على تأمين كابول؛ بحيث يتمكن قادة الحركة الموجودون في قطر وفي الخارج من العودة إلى العاصمة بأمان. وقالت “الجزيرة” إن المقاتلين قد أنزلوا علم أفغانستان.

بعد أن أصبح من الواضح أن مقاتلي “طالبان” كانوا يدخلون كابول، راقب الآلاف من الأفغان الذين لجأوا إلى هناك هرباً من الهجوم العسكري الوحشي بقلق بالغ اختفاء عناصر الشرطة المحلية من مواقعهم المعتادة.

أصدرت السفارة الأمريكية تحذيراً للرعايا الأمريكيين بعدم التوجه إلى مطار العاصمة، بعد تقارير عن تعرضه إلى النيران، وقالت إن الوضع “يتغير بسرعة”. وفي وقتٍ متأخر من مساء يوم الأحد الماضي، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إنه تم إخلاء جميع موظفي السفارة.

مدخل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في كابول بعد إخلائها من موظفيها يوم الأحد الماضي- وكالة الأنباء الفرنسية

وأصدر الرئيس أشرف غني، بياناً مكتوباً على صفحته على “فيسبوك” أوضح فيه أنه غادر البلاد كي يجنب العاصمة المزيدَ من سفك الدماء. وقال: “لو أنني بقيت لاستشهد عددٌ لا يحصى من المواطنين، ولتعرضت كابول إلى الدمار، وفي هذه الحالة ستكون الكارثة قد حلت على المدينة التي يسكنها خمسة ملايين شخص”.

في السادسة والنصف بالتوقيت المحلي، أصدرت “طالبان” بياناً مفاده أن قواتها تتوجه نحو مناطق الشرطة لحفظ الأمن في المناطق التي انسحبت منها قوات الأمن الحكومية. واتخذ مقاتلو “طالبان” مواقعهم في المدينة من دون أية مقاومة، بعد أن نشر ذبيح الله مجاهد البيانَ على “تويتر”.

وجاء في البيان أن الإمارة الإسلامية “قد أمرت قواتها بدخول مناطق مدينة كابول التي خرج منها العدو، لدرء مخاطر أعمال السلب والسرقة. قواتنا تدخل مدينة كابول بحذرٍ شديد”. وأضاف البيان أن قوات “طالبان” لديها أوامر بعدم إيذاء المدنيين وعدم دخول المنازل.

اقرأ أيضًا: “طالبان” قد عادت أم أنها لم تغادر أصلاً؟!

ومع غروب شمس كابول وراء الجبال تزايدت الحشود، واختنقت حركة المرور، وظهر المزيد من مقاتلي “طالبان” على الدراجات النارية وشاحنات الشرطة، وحتى سيارات “همفي” التي كانت تابعة لقوات الأمن الأفغانية التي تدعمها الولايات المتحدة.

غادر الرئيس غني كابول في طائرة مع زوجته رولا غني، واثنين من مساعديه المقربين، ووصل إلى أوزبكستان، وفقاً لأحد أعضاء الوفد الأفغاني إلى الدوحة، الذي كان يجري مباحثات سلام مع “طالبان” منذ العام الماضي. وطلب المصدر عدم ذكر اسمه؛ لأنه لم يرغب في كشف هويته، بينما هو يتحدث عن تحركات الرئيس.

أشرف غني

ولم يتسن التأكد من وجود السيد غني في أوزبكستان، وأفادت تقارير أنه توجه إلى دولةٍ أخرى. وقد قال مسلم حياة، الملحق العسكري الأفغاني السابق، إن السيد غني قد وصل من أوزبكستان إلى العاصمة الطاجيكية دوشانبيه.

وقال عضو وفد السلام الذي يديره عبدالله إن السيد غني كان من المفترض أن يصل مع وفدٍ أكبر إلى الدوحة يوم الأحد؛ للتفاوض على نقل السلطة، ولكنه بدلاً من ذلك توجه إلى أوزبكستان.

ومع انتشار الشائعات وصعوبة الحصول على معلومات موثوقة امتلأت الشوارع أثناء النهار بمشاهد الذعر واليأس.

مواطنون يغادرون العاصمة كابول يوم الأحد بعد أن تبين لهم أن “طالبان” ستجتاح المدينة- “نيويورك تايمز”

ساد الذعر في العاصمة كابول، بينما تدفق مقاتلو “طالبان” إلى المدينة، وفرّ السجناء من السجن الرئيسي في شرقي المدينة، بينما تنهار الحكومة التي تدعمها الولايات المتحدة.

وبحلول بعد الظهر ورد أن الرئيس أشرف غني، قد غادر البلاد، وبينما تركز القوات الأمريكية جهودها على رحلات الإخلاء لموظفي السفارة، ظهر المسؤولون في الحكومة الأفغانية في لقطات فيديو وهم يقبلون تسليم السلطة لنظرائهم من “طالبان” في عددٍ من المدن الأفغانية.

اقرأ أيضًا: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

في وقتٍ مبكر من يوم الأحد، ظهر سياسيون أفغان كبار وهم يستقلون طائرات في مطار كابول. وفي منتصف النهار استولت “طالبان” على قاعدة باغرام الجوية، وعلى مدينة خوست في شرقي أفغانستان، وفقاً لتقارير إعلامية أفغانية. كان سقوط مدينة خوست جزءاً من انهيارات متوالية تمت بسرعة مذهلة خلال الأسبوع الماضي؛ ما جعل كابول المدينة الوحيدة في أيدي الحكومة.

وفي وقتٍ مبكر من بعد الظهر، أعلن وزير الداخلية عبدالستار ميرزاكوال، عن اتفاق على انتقال سلمي للسلطة في كابول الكبرى، وأن قوات الشرطة سوف تبقى في مواقعها؛ كي تحافظ على الأمن في المدينة. وجاء في البيان الذي نُشر عبر صفحة الوزارة على “فيسبوك” في الساعة الثانية من بعد الظهر، بالتوقيت المحلي: “بصفتي وزير الداخلية فقد أمرت جميع فرق وأفراد قوات الأمن الأفغانية بالحفاظ على استقرار كابول. لن يكون هنالك أي هجوم على المدينة، والاتفاق حول كابول الكبرى يقضي، بإذن الله، بنقل السلطة في ظلِّ إدارة مؤقتة”.

مقاتلون من قوات “طالبان” عند مدخل فندق إنتركونتينينتال في العاصمة كابول- “نيويورك تايمز”

لكن يبدو أن السكان لم يقتنعوا بتأكيدات قادتهم. والتقطت صور لأشخاص يقومون بطلاء اللوحات الإعلانية التي تظهر فيها صور النساء، في ما يبدو أنه استعداد للخضوع لحكم “طالبان” الأصولية التي تحرم صور البشر والحيوانات، والتي اعتادت على منع الموسيقى، والاختلاط بين الرجال والنساء.

وقد أكد السكان أن قوات الشرطة قد أخلَت الكثير من مواقعها، وأن العديد من أفرادها قد تحولوا إلى ارتداء الزي المدني. ونفت حركة طالبان الشائعات التي تقول إن كبير مفاوضيها الملا عبدالغني بارادار قد وصل إلى العاصمة استعداداً للسيطرة على وزارة الداخلية.

اقرأ أيضًا: جاسم تقي لـ”كيوبوست”: واشنطن تخلت عن الرئيس الأفغاني لفشله.. والجيش لم يدعمه

واستمرت المشاهد السريالية تتجلى طوال اليوم؛ حيث كان يتضح أكثر فأكثر أن “طالبان” سوف تجتاح المدينة.

لطالما كان لحركة التمرد هيكل سلطتها الخاص من حكام الظلِّ المعينين لكل منطقة، وكان من الواضح في يوم الأحد مَن هو المسيطر في المناطق الاستراتيجية. وانتشرت مقاطع فيديو تظهر الحكام والزعماء القبليين والسياسيين الذين كانوا في السلطة وهم يسلمون السيطرة لنظرائهم من “طالبان” في المدن الاستراتيجية في قندهار، المعقل الرئيسي في الجنوب، وفي جلال آباد، المدينة الرئيسية في الشرق.

ولكن في كابول كانت المخاوف من سقوط المدينة تتزايد بعد هروب السجناء -وكثير منهم أعضاء في حركة طالبان- من السجن الرئيسي في بولي شارخي. قال رجل بينما كان يصور هروب عددٍ كبير من السجناء: “انظروا إلى هذا، لقد أطلق سراح الجميع، إنه يوم القيامة”. وعلى ما يبدو، فإن عملية هروب السجناء تمت من الداخل، وليس بسبب هجومٍ لقوات “طالبان” على السجن.

قوات “طالبان” تسيطر على العاصمة كابول- “سي إن بي سي”

لا يزال بعض الأفغان يجدون متسعاً للفكاهة في وسط هذه الفوضى. كتب أحد سكان كابول على “فيسبوك”: “لقد وصلوا إلى مطار كابول. إنهم أسرع من شبكة الجيل الخامس!”؛ لكنَّ آخرين لاذوا بالفرار رغم أنهم لا يعرفون إلى أين يذهبون مع سيطرة “طالبان” على معظم مساحة البلاد.

حاول الرئيس السابق حامد كرزاي، وقادة آخرون ملء الفراغ، وأعلنوا أنهم لن يغادروا. كرزاي الذي شارك في محادثات مع “طالبان” لتشكيل حكومة انتقالية، نشر مقطع فيديو عبر صفحته على “فيسبوك”، يظهر فيه مع بناته في حديقة منزله، بينما تحلق فوقهم طائرات الهليكوبتر، ويقول: “أعزائي سكان كابول، أود أن أقول لكم إنني وبناتي وأفراد عائلتي موجودون هنا معكم. وأنا أعمل مع قيادة (طالبان) على حلِّ مشكلات أفغانستان بالطرق السلمية”.

اقرأ أيضًا: أربعون عاماً حزينة تتوج “طالبان” حاكماً على أفغانستان عشية الـ11 من سبتمبر

ونشر عبدالله عبدالله، الذي كان يترأس المحادثات الأخيرة مع “طالبان”، أيضاً مقطع فيديو من حديقة منزله يقول فيه: “لقد كانت الأيام الأخيرة صعبة جداً على أبناء وطننا في جميع أنحاء البلاد”. ودعا “طالبان” إلى الحوار؛ “حتى لا يتدهور الوضع الأمني ولا يعاني شعبنا أكثر من ذلك”.

ومع ورود أنباء عن مغادرة الرئيس للبلاد، قال نائب الرئيس أمرالله صالح، رئيس الاستخبارات السابق الذي كان يقاتل “طالبان” منذ التسعينيات، إنه لن يستسلم. ومع ذلك، فيبدو أن قوات الأمن الأفغانية تتلاشى. قال عبدالجبار صافي، رئيس مجمع كابول الصناعي -وهو منطقة صناعية تضم المئات من المصانع والمؤسسات- إن أصحاب الأعمال كانوا يحاولون ردع السارقين ببضعة مسدسات وبنادق تركها الحراس الحكوميون. وقال في اتصال هاتفي معه: “نريد أن تصل (طالبان) في أسرع وقتٍ ممكن؛ كي تتولى زمام الأمن في المنطقة”. وأضاف: “نحن على تواصل مع (طالبان)، وقد أكدوا لنا أنه يجب علينا تأمين حماية المجمع الصناعي بأنفسنا إلى حين وصولهم إليها”.

كما طلب المسؤولون في المتحف الوطني في كابل المساعدة من خلال مسؤول غربي، وقالوا إن الحراس من عناصر الشرطة قد غادروا أماكنهم خارج المتحف، وإنهم يخشون من أن يقع المتحف مرة أخرى فريسة للصوص، كما حدث في التسعينيات عندما تعرض إلى النهب بشكل كبير.

♦مديرة مكتب “ذا نيويورك تايمز” في إسطنبول.

المصدر: ذا نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة