مقالات

3 حروب حديثة خاضت فيها الملائكة الحرب إلى جانب المسلمين

عالم موازِ

بقلم: عنان العجاوي

كان رينيه ديكارت (1596-1650) يحلم بالزمن الذي فيه “الآلة تصنع الآلة”، ربما تحلّق روحه اليوم بسلام وهي ترى مصانع القرن الواحد والعشرين، في بلده فرنسا وغيرها من البلدان المتقدّمة، حيث أخذت الآلة مكان العامل البشري بعد “أتمتة” الصناعة، وصار دور الإنسان في مصنع ضخم للطائرات يقتصر على عدّ المنتجات بإصبع “السبّابة”، أو رفع “الإبهام” بإيماءة رضا، ومن ثم استخدام الاصبعين معاً في حمل القلم لتوقيع عقود التصدير إلينا.

وفي عالم آخر موازي وبعيد عن فلسفة “ديكارت”، يحلم الإنسان المسلم كل يوم بالملائكة لتقاتل عنه/معه، لاسترداد حقوقه، وتحقق انتصاراته على أعدائه، أو أن تقوم بتطويره كي يأخذ مكانه بين الأمم. وفي حال انتصر إنسان العالم الموازي ولو مرة، تلقائياً سيعزو نصره لقوى بيضاء تركب خيول مجنّحة وتقاتل معه. وفي حال هزم، لن يدرس أسباب هزيمته ويعالج أخطاءه بتطوير قدراته، بل يحيل هزائمه لقلة “إيمانه”، بدلاً من تفوّق أعدائه عليه وأخذهم بالأسباب، ثم لأرّجع فقره لقلة الرزق المقسوم له، بدلاً من أسباب البطالة وطغيان الواسطة في بلده، وقلة الخيارات التي يحصرها الفساد.

ولذلك نخوض كل يوم معاركنا الحياتية والمصيرية بالاتكال، بدلاً من الاحتكام لـ “وَقُلِ اعْمَلُوا”، ونُحيل انتصاراتنا وهزائمنا لقوى غيبية، آمن بها أجدادنامن قبل، لمّا كان الواحد منهم يقرر مصير يومه، بناءً على صوت أحد الطيور، فيعيد وجهة نظهره بالذهاب للعمل مثلاً، إذا ما استفتح بنعيق غراب، أو رأى بومة!.

صارت تلك الغيبيات جزءاً من ثقافة شعبية واسعة، تعيد الأسباب ليس لمن كافح من أجل تحقيقها، بل لشعائر وطقوس مارساتها من قبل جميع الشعوب المنقرضة، بعدما راهنت عليها بكل امكانياتها، في صراعات، كانت أحوج لتحكيم العقل والتطوير والأخذ بالأسباب، بدلاً من التعاطي بالتفكير “المثالي” الغيبي الكسول وثقافة الاتكال.

وبرغم قلة الانجازات العربية في العصر الحديث، وبرغم أنها كانت تصلح لتكون نموذجاً يحتذى به، إلّا أن تلك الثقافة أحالت حتى تلك الإنجازات الضئيلة لغير صانعيها، فنصر 6 أكتوبر 1973 على إسرائيل، تم الترويج له شعبياً على قاعدة “أن الملائكة قاتلت معنا”، في محاولة رجعية لجر الماضي السحيق إلى الحاضر، وإسقاط أحداث وقعت في العصر البدائي، على عصر الفضاء..

ونستعرض هنا ثلاث معارك شاركت فيها الملائكة القتال إلى جانب المسلمين!

حرب أكتوبر 1973

جاء نصر 6 أكتوبر/تشرين 1973، بعد حرب الاستنزاف، وهزيمة 67 التي استطاعت إسرائيل فيها احتلال أربعة أضعاف مساحتها، وهزيمة 4 جيوش عربية. فيما اعتمدت إسرائيل على “هضبة الجولان” بعد احتلالها، كمانع طبيعي يفصلها عن الجيش السوري. أما الجبهة المصرية فقد أقام  فيها خط الدفاع “بارليف” وأنشأت تحصيناته على امتداد الضفة الشرقية من قناة السويس. قبل المعركة قدّر الخبراء الروس بأن مصر بحاجة لمليون جندي من أجل اقتحام التحصينات، إلا أن الجيش المصري وبعد قيامه بضربة جوية مفاجئة، وبعد عبور القناة، استطاع في ست ساعات، اقتحام الخط الدفاعي الأكثر تحصيناً في العالم، بحسب ما روج له الإعلام الإسرائيلي وقتها، وبدلاً من إحالة النصر لعوامله المادية والاستراتيجية: مثل عامل البدء والمفاجأة، أو عامل “الوحدة” باشتراك أكثر من جيش عربي في تلك الحرب. إلّا أن الثقافة الشعبية الواسعة اختصرت عوامل النصر، في اشتراك الملائكة بالقتال إلى جانب الجيش المصري!.

حرب أفغانستان

بدأت الحرب في أفغانستان ضد السوفييت، بعد صعود اليمين المحافظ لسدة الحكم في أمريكا، وعدم قدرة الكتلتين الشرقية والغربية على المواجهة المباشرة، بسبب امتلاكهما لقوة الردع النووي، فخاضا حروباً بالوكالة في أكثر من بقعة في العالم، فيقوم كل معسكر بمد وكلائه بالأسلحة والدعم الإعلامي، وقد استغلت الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، وعن طريق حلفائها في العالم الإسلامي، قوة العاطفة الدينية لتحشيد الشباب المسلم لقتال عدوهم “الملحد”، فأطلق الإعلام الغربي لأول مرّة لقب “المجاهدين” على العرب الذين يسافرون للقتال في أفغانستان، فيما كان ذات الإعلام في تلك الفترة يسمّي “منظمة التحرير الفلسطينية” المُحاصَرة في بيروت من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، بالإرهابية!. وقد انتشرت الكثير من القصص عن معجزات المجاهدين العرب في إفغانستان وخوض الملائكة الخضر الحرب إلى جانبهم، انتشرت مع شرائط الكاسيت، وخطب الشيخ عبد الحميد كشك، ولاقت تصديقاً شعبياً مشابه للحقيقة، وأغلب من عاش تلك الفترة، وأنا منهم، يتذكر قصة المجاهد الذي توضّأ على قمة جبل، وانساب الماء من بين أصابعه، ثم سقطت بضع قطرات على دبابة سوفياتية موجودة في سفح الجبل، وفجّرتها.. (هكذا!).

الحرب في سوريا

بدأت الثورة السورية كانتفاضة شعبية سلمية، لها مطالب مدنية ودستورية، ويقودها معارضون ومفكرون، وحدثت الالتفافة الحادة لمّا تبنّى الثورة مشايخ النقل ودعاة السلفية الجهادية، وخلت الساحة لرافعي شعار “وأعدوا لهم”، وتم تهميش سواهم من التيارات المدنية، وبدأت منذ السنة الأولى البروباغندا الدينية، وخلع ألقاب الجهاد والشهادة. فيما جندّت بعض الفضائيات الدينية شيوخها لإعادة استنساخ قصص أفغانستان، عن اصطفاف الملائكة إلى جانب “المجاهدين” في سوريا، واستطاعوا بقوّة العاطفة الدينية استقطاب الآلاف من أصقاع الأرض، من المتحمسين لمعركة “مرج دابق” الحاسمة، حتى امتلأت سوريا بالأجانب، الذين خاضوا حروباً تكفيرية أشد بأساً ضد بعضهم، أفقدتهم الشرعية التي أتوا من أجلها، ورأى العالم فيهم –وفينا جميعاً- تهديداً لأمنه واستقراره.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة