الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

1- عصر الهيمنة

كيوبوست- منير بن وبر

لا شك أن العنف والحرب يحصلان بشكلٍ منتظم في النظام العالمي منذ زمن بعيد، لكن الملاحظ أن شدة الحرب تزداد، مع انخفاض في وتيرة اندلاعها، على الأقل في أوروبا؛ حيث بدأ وانتشر نظام الدولة.[1] وعلى الرغم من هذه الحقيقة؛ فإن الصراع لا يزال ينتشر في عدة مناطق أخرى من العالم، ومنها اليمن الذي لا يلبث أن يستقر حتى يشتعل به صراع يدمر كل ما أُنجز قبله.

ينشأ الصراع عندما يسعى طرفان أو أكثر لتحقيق أهداف متعاكسة أو غير متلائمة.[2] وبمرور الوقت، يمكن أن تصبح المجتمعات المعرضة للصراعات بشكل متواتر ذات طبيعة عسكرية، وربما ينتزع العسكر فيها الحكم من المدنيين. قد تشهد المجتمعات فترات من السلام؛ لكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك نتيجة لغياب الصراع، بل بسبب القدرة على التعامل معه بالوسائل السلمية، كما يقول رونالد ريغان.

اقرأ أيضاً: اليمن.. ستون عاماً من البحث عن الدولة

تذكر وثيقة بريطانية حول الجزيرة العربية، يرجع تاريخها إلى عام 1907، أنه عادة ما توجد ثورة أو انتفاضة في قسم ما من الجزيرة العربية، وربما حرب ضروس هنا أو هناك. وتعلل الوثيقة هذه الظروف -جزئياً- بالانقسامات الدينية والعائلية.[3]

أول خريجي مدرسة الدرك (الجندرمة) في شمال اليمن عام 1910- أرشيف الإمبراطورية العثمانية- وسائل التواصل

تعود أسباب الصراع والاضطراب الرئيسة في أجزاء من اليمن خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى محاولات الهيمنة العثمانية والبريطانية في اليمن، والتنافس بين هاتين الإمبراطوريتَين، وثورة وانتفاضة المجتمعات والقبائل ضدهما أو صراع القبائل في ما بينها، وتباين المجتمعات، إضافة إلى تأسيس وتوسع الدولة السعودية الثالثة.

ثم شهد اليمن خلال النصف الثاني من القرن العشرين أسباباً أخرى من الصراع تمثلت بشكل أساسي في الثورات وآثارها اللاحقة. في سلسلة المقالات هذه بعنوان: 120 عاماً من الصراع في اليمن، نسلط الضوء على الصراع وأسبابه في اليمن منذ عام 1900م وحتى عام 2020؛ لفهم جذور الصراع، ومحفزاته، وخيارات حله.

آثار توسع الهيمنة

أدى التنافس على طرق التجارة البحرية بين بريطانيا والدولة العثمانية إلى احتلال أجزاء من اليمن خلال القرن التاسع عشر. كان لكل من العثمانيين والبريطانيين أسلوبه الخاص للتعامل مع السكان؛ ففي حين اتسم العثمانيون بالاستبداد والفساد والمركزية الشديدة[4]، فقد تميز البريطانيون بالنظام والعدل واحترام استقلال الآخرين والتقرب منهم. كان لعلاقة البريطانيين والعثمانيين مع السكان والحُكام والأئمة، وعلاقتهما ببعضها البعض، دور أساسي في الصراع اليمني.

اقرأ أيضاً: تريم وزبيد.. مدينتان روحيتان تضربان عميقاً في التاريخ الإسلامي

بحلول عام 1900 كانت مناطق النفوذ في اليمن موزعة بين الدولة العثمانية (الأتراك) وبريطانيا؛ وذلك كأحد آثار حقبة المنافسة التوسعية لكل منهما. كانت مناطق نفوذ العثمانيين هي الركن الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية، أو ما يعرف بشمال اليمن، بينما كان جنوب الجزيرة العربية، أو ما يُعرف بجنوب وشرق اليمن، تحكمه عدة دول صغيرة مستقلة، باستثناء عدن الخاضعة للاستعمار البريطاني.

قصر السلطان القعيطي في المكلا- حضرموت (متحف المكلا حالياً)- “كيوبوست”

تزايدت حدة التنافس بين العثمانيين والبريطانيين في اليمن بعد افتتاح قناة السويس عام 1869؛ حيث رغب كل منهما في إحكام السيطرة على طرق التجارة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. لم تسلم العلاقة بين هاتين القوتَين من الصراع السياسي والعسكري الذي قد تتخلله محاولات للقضاء على أسباب النزاع. أدت الاشتباكات المتزايدة على طول الحدود غير الواضحة بين مناطق النفوذ الأجنبي إلى إنشاء لجنة مشتركة للقيام بمهمة مسح الحدود، وتعيينها، للفصل بين مناطق نفوذ العثمانيين في الشمال، ومناطق نفوذ البريطانيين في الجنوب في عام 1904.

صراع من أجل الزعامة الدينية

لم تكن محاولات العثمانيين لإحكام السيطرة على شمال اليمن، منذ منتصف القرن التاسع عشر، لأغراضٍ تجارية خالصة؛ إذ كان الأتراك يرون أن الاحتفاظ باليمن ضروري من أجل هيبة ومكانة السلاطين العثمانيين في مكة والقسطنطينية. كانت مكة جزءاً من ولاية الحجاز الواقعة تحت السيطرة العثمانية، وكانت لها قيمة سياسية ودينية كبيرة تستوجب حمايتها؛ لأنها تمنح السلاطين العثمانيين أحد أهم حجج ادعاء الخلافة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

كانت سلطة العثمانيين في الحجاز مهزوزة وغير مقبولة؛ لأسبابٍ من بينها إيمان شرفاء مكة بأحقيتهم في الحكم، نظراً لتحدرهم من سلالة النبي، صلى الله عليه وسلم. يشبه الوضع في ولاية الحجاز نظيره في ولاية اليمن، والتي تشمل منطقة عسير؛ حيث بقي الأئمة الزيديون يقاومون العثمانيين الذين كان يصفهم إمام اليمن بأنهم “بغاة وكفار وأعداء الله”.[5]

الجزيرة العربية في عام 1900- الموسوعة البريطانية

الزيدية هي أحد فروع المذهب الشيعي في الإسلام، وقد وصلت هذه الطائفة الدينية إلى اليمن سنة 280 هجرية، نحو 893- 894م. أسس الزيدية حكماً لهم في صعدة، أقصى شمال اليمن، وانتشروا حولها بين تمدد وانكماش طوال القرون اللاحقة؛ بما في ذلك فترة الوجود العثماني. يتمسك أتباع الطائفة الزيدية، مثل الشيعة، بأحقية سلالة النبي في الخلافة؛ لذلك كانت مقاومتهم شرسة للعثمانيين الأتراك الذين يدَّعون خلافة المسلمين.

استعان أئمة الزيدية في شمال اليمن بالقبائل في نضالهم ضد العثمانيين، بحجة الدفاع عن الدين وعن الخلافة الإسلامية المتمثلة في الإمام والإمامة. وكان الإمام يحيى محمد حميد الدين، ينعت الأتراك بأعداء الله، ويصف رجال القبائل بالمجاهدين.[6] وقد أدت قبائل حاشد وبكيل، أكبر قبائل شمال اليمن، دوراً مهماً في هذا الكفاح.

خطوات احترازية

انصبّ اهتمام بريطانيا في جنوب اليمن على عدن؛ لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، ولم يكن لها اهتمام بالمناطق الشاسعة حول عدن شمالاً، أو شرقاً وغرباً على طول الساحل الجنوبي للجزيرة العربية؛ لكنَّ أحداً لا يرغب في مجاورة منطقة مضطربة، أو في أحسن الأحوال مهددة بالاضطراب، كما هي الحال في هذه المناطق؛ ومن هذا المنطلق ارتأت بريطانيا الاتصال بهذه المناطق للحصول على بعض النفوذ فيها.

خريطة توضح شبكة الخطوط البحرية التي تربط عدن ومستعمرات بريطانيا وجهات أخرى

كانت هناك عدة عوامل لعدم الاستقرار في جنوب اليمن؛ منها وجود بريطانيا ذاتها في عدن. كانت حضرموت، على سبيل المثال، تشغل مساحة شاسعة شرق عدن، وكانت مقسمة بين دولتَين صغيرتَين تتنافسان على النفوذ؛ هما الدولة الكثيرية والقعيطية. وإلى جانب حضرموت كانت هناك عدة مشيخات وسلطنات أخرى حول عدن؛ مثل سلطنة لحج.

كانت الدول الصغيرة في جنوب اليمن عُرضة لعدم الاستقرار جزئياً بسبب تدخل الدولة العثمانية والأئمة الزيدية من شمال اليمن. لدى العثمانيين والأئمة الزيديين ذرائع مختلفة لكنها متشابهة، وتتلخص في طرد الاستعمار البريطاني الأجنبي، وفرض سيادة الخلافة الإسلامية العثمانية على كامل إقليم اليمن، وبالنسبة إلى الزيدية فرض الإمامة الزيدية على كامل الإقليم؛ أي بما في ذلك المناطق السُّنية في الجنوب.

 اقرأ أيضاً: استمرار الصراع في اليمن يهدد بتزايد تجنيد الأطفال

لحماية مصالحها في عدن، وتجنب ما أمكن من عدم الاستقرار، قامت بريطانيا بعقد اتفاقيات صداقة -وتُسمى أيضاً اتفاقية حماية- مع السلطنات والمشيخات والإمارات الجنوبية المحيطة بعدن منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى مطلع القرن العشرين. وخلاصة تلك المعاهدات كانت ألا يرتبط سلاطين الإمارات، والسلطنات والمشيخات الجنوبية، بأية دولة أجنبية أخرى إلا بعد استشارة بريطانيا وأخذ رأيها.[7]

كان الهدف الأساسي لاتفاقيات الصداقة هو حماية عدن من العثمانيين واليمنيين من الشمال، وإنشاء علاقة ودية مع الدول الصغيرة المحيطة بعدن. حققت معاهدات الصداقة مقداراً من الهدوء، وأسهم انشغال إمام الزيدية وقبائل شمال اليمن بمقاومة العثمانيين في تقليل الاحتكاك مع الجنوب. لكن، بحلول العقد الثاني من القرن العشرين، كانت الدولة العثمانية تزداد ضعفاً، كما خاض العالم حرباً عالمية مدمرة؛ فكان لكل ذلك دور في صراع اليمن من خلال تغيير الولاءات، وتعديل شبكة التحالفات.

[1] «قاموس بنغوين للعلاقات الدولية»، غراهام إيفانز وجيفري نوينهام.

[2] «قاموس بنغوين»، مرجع سابق.

[3] «الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية»، المجلد الأول، نجدة فتحي صفوة. ص124.

[4] «اليمن والتنافس الدولي في البحر الأحمر»، أحمد بن بريك.

[5] «مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر». ص38.

[6] «مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر»، مرجع سابق.

[7] «في جنوب الجزيرة العربية»، صلاح البكري. ص242.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة