الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

120 عاماً من الصراع في اليمن (7-10)

7- الاختلافات الداخلية كسبب للصراع

 كيوبوست- منير بن وبر

هدفت الثورة ضد الحكم الملكي في شمال اليمن في عام 1962م إلى التخلص من سلطة الإمامة وإقامة دولة يمنية حديثة، بدعمٍ من مجموعة متنوعة من التيارات السياسية؛ لكن الاختلافات والانقسامات الداخلية أسهمت بشكل أساسي في إطالة أمد الصراع ودمويته، حيث انقسم الثوار والقبائل بين تأييد النظام الملكي وتأييد الجمهوري، وبين القبول بالدعم الخارجي ورفضه، وبين التعايش مع دور القبيلة في الحكم والنفور منه.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

أدَّت تلك الاختلافات إلى مزيدٍ من الصراع الداخلي والفساد وسوء الإدارة؛ ففي عام 1967م تم عزل أول رئيس للجمهورية، عبدالله السلال؛ بسبب قربه غير المقبول من الثوار، وهو تدخل استندت فيه مصر -على الأقل من الناحية القانونية- إلى اتفاقية دفاعٍ مشترك مع اليمن.

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (2-10)

وعلى الرغم من أن الصراع بين الملكيين والجمهوريين انتهى في عام 1970م بانتصار الأخيرين؛ فإن انقلاباً أبيض كان في انتظار الرئيس الثاني، عبدالرحمن الأرياني، لعدَّة أسباب؛ من بينها رفض العديد من القيادات اتفاقية الوحدة مع اليمن الجنوبي سنة 1972م، وما يعتبرونه تعاملاً غير حازم مع تيارات اليمن الجنوبي -الشيوعية حينها- ومع المشكلات الحدودية بين البلدَين. تولى الرئاسة بعد إجبار الأرياني على الاستقالة، المقدِّم إبراهيم الحمدي، الذي كان يشغل آنذاك أعلى منصب بين العسكريين.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (3-10)

استمرت رئاسة الحمدي من عام 1974 إلى 1977م، وانتهى حكمه باغتياله؛ وذلك بعد تزايد الصراع بينه وبين القيادات الأخرى -القبلية بالذات- بسبب تهميشه القبائل وسعيه في إقصائها وإلغاء دورها في إدارة البلاد، وتقربه من اليمن الجنوبي.

تولى الحكم من بعده قائد عسكري آخر هو أحمد الغشمي، ولم يدم حكمه سوى أشهر حتى اغتيل هو الآخر، وتولى رئاسة اليمن من بعده القائد العسكري علي عبدالله صالح. تعرَّض صالح إلى محاولة اغتيال فاشلة بداية حكمه، ليستمر بعد ذلك في حكم البلاد أطول من أي رئيس قبله.

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (4-10)

الثورة ضد الاستعمار في الجنوب

لم تكن الحركات الثورية مقتصرة على شمال اليمن فحسب، ولم تكن الرغبة في التخلص من حكم الإمامة المحرك الوحيد؛ في الواقع، كانت فكرة القومية العربية تفعل فعل السحر في المنطقة العربية برمتها، وإن اختلف تفسيرها والغاية منها، واستراتيجية الوصول إليها من مكانٍ لآخر. كانت فكرة القومية مُغرية وجذابة لشريحةٍ واسعة من الجماهير.

محتجون يواجهون قوات من الجيش الإنجليزي في جنوب اليمن- أرشيف

عند انطلاق الثورة في الشمال، وُجهت الدعوات إلى الجنوب للمشاركة، وكان من بين المستجيبين شيخ قبلي اسمه غالب بن راجح لبوزه، الذي يُعتبر أول مَن أشعل شرارات الثورة المسلحة في الجنوب ضد الإنجليز؛ إذ بعد عودة لبوزه وفصيله المسلح من المشاركة في الثورة في شمال اليمن، حاول البريطانيون نزع السلاح منه، فقُتل أثناء المحاولة؛ مما أدى إلى إثارة انتفاضة في تلال ردفان المحاذية لليمن الشمالي. توسعت الانتفاضة إلى المناطق المجاورة، وتعاملت السلطات البريطانية بعنف مع الثوار[1].

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (5-10)

اندفعت بعض جماهير الشعب في الجنوب للقتال ضد الاستعمار تحت شعار “الجهاد ضد المستعمر”[2]، كما اندلعت اضطرابات عمالية في عدن، ثم عمليات عسكرية وسط القاعدة العسكرية البريطانية، وانتشار حركة المقاومة بدوافع قومية. كان كل ذلك بداية منحنى حاد في سير النضال ضد الإنجليز الذي أخذ شكله التنظيمي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية[3].

الاختلاف بين الحركات الوطنية

لم يكن تيار النضال ضد الإنجليز في الجنوب موحداً هو الآخر؛ فمنذ الأربعينيات وحتى انطلاق الثورة المسلحة 1963-1967م، انقسمت الحركة الوطنية إلى عدة اتجاهات؛ منها مَن يرى إمكانية التعاون مع السلطات الاستعمارية، والاكتفاء بالمطالبة بالإصلاح، والحكم الذاتي ضمن إطار دول الكومنولث، وآخر يرى حتمية تحرير البلاد بشكل نهائي، وتوحيد السلطنات ودمجها في دولة جديدة. وهناك مَن يرى أن الدولة الجديدة يجب أن تكون مركزية، وآخرون يفضلون الاتحاد الفيدرالي. كما ظهر تيار ينادي بوحدة حضرموت والمنطقة الشرقية واستقلالها.

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (6-10)

أدى كل ذلك إلى صراعٍ بين التيارات المختلفة من جهة، وصراع بين بريطانيا والتيارات التي تنادي بالتحرر الكامل -المتشددة في نظر البريطانيين- من جهةٍ أخرى.

وبمرور الوقت، نما تركيز على النزعة القومية المعادية للاستعمار والقبيلة وحكم السلاطين، ومع اقتراب موعد الاستقلال تصاعد الصراع إلى حربٍ مفتوحة من أجل استلام السلطة بعد الإنجليزي. وفي نهاية المطاف، كان الفصيل الأقوى هو الجبهة القومية للتحرير؛ واضطر البريطانيون إلى نقل السيادة إليها، فاستلموا حكم عدن، وسيطروا على كل سلطنات ودول الجنوب العربي، وتم دمجها في دولة مركزية واحدة.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الاختلافات الثقافية على أمن واستقرار اليمن؟

لم يكن لدى الدولة الجديدة ما يكفي من الموارد، كما لم تحصل على ما يكفي من المساعدات المالية من الدول المجاورة أو الدول الغربية؛ فكان ذلك دافعاً أساسياً للتوجه نحو الاتحاد السوفييتي[4]. لكن، بعد عامٍ فقط من خروج البريطانيين اندلعت في عدن انتفاضة شعبية مسلحة واضطرابات، ونادى الجماهير بعددٍ من المطالب؛ منها التحول إلى الرأسمالية -بدلاً عن الشيوعية- وإقامة علاقات جيدة مع الغرب، وقد استُخدم القمع من قِبل الدولة للسيطرة على البلاد.

تعامل البريطانيين مع المحتجين في عدن خلال الستينيات- “جيتي إمجس”

بحلول أوائل السبعينيات، أصبح اليمن الجنوبي دولة ماركسية صريحة، وأطلق عملية إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد والمجتمع وَفقاً للنهج الشيوعي، وقد كان ذلك بمثابة إضافة سببٍ آخر للصراع بين الجنوب والشمال الذي يعتبر الشيوعيين كفاراً وملحدين. كما استمرت التوترات داخل اليمن الجنوبي نتيجة اختلاف التوجهات الفكرية بين القومية الاشتراكية المعتدلة التي تفضل الإبقاء على البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة، والتبنِّي المتشدد لمبادئ القومية والاشتراكية.

تزايد الصراع في الجنوب

تسببت تلك التغيرات الجذرية في اليمن الجنوبي الموحَّد في موجة جديدة من الصراع الداخلي والخارجي؛ كان من بين معالمه تبادل اتهامات محاولات التخريب بين اليمن الجنوبي والشمالي، وحركة اعتقالات واسعة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الجنوب، وقيام لاجئين جنوبيين في الشمال بتشكيل جبهة مناهضة للشيوعية في الجنوب، واشتباكات مسلحة في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب.

اقرأ أيضاً: استمرار الصراع في اليمن يهدد بتزايد تجنيد الأطفال

وطوال فترة الصراع الممتدة منذ الاستقلال، وحتى عام 1990م، لم يستقر رئيس في حكم البلاد، تماماً مثل ما حصل في اليمن الشمالي؛ حيث استقال ثم اعتُقل أول رئيس للجنوب، وهو قحطان الشعبي، وكان اشتراكياً معتدلاً، ثم أُعدم خَلَفَه، سالم ربيع علي، الذي وصف بأنه يساري، أما الرئيس الثالث فكان عبدالفتاح إسماعيل، وقد أُزيح ونُفي هو الآخر سنة 1980م، وتولى السلطة من بعده علي ناصر محمد، الذي اتخذ سياسة أقل تزمتاً عقائدياً، وحاول توجيه البلاد نحو الدول الغربية، وربطها بالسوق الأوروبية؛ لكن محمد لم ينجُ من آثار الاختلافات الأيديولوجية المدمرة والخلافات الشخصية، وانتهى به المطاف إلى المنفى بعد اندلاع حربٍ أهلية طاحنة سنة 1986م.

جلبت أحداث 1986م قائدَين معتدلَين إلى السلطة؛ هما حيدر العطاس وعلي سالم البِيض، وقد وقَّع الأخير اتفاق الوحدة مع اليمن الشمالي، والذي كان التشاور بشأنه مستمراً منذ بداية السبعينيات. اعتُبرت الوحدة اليمنية جزءاً من حلم كبير بقي يداعب الجماهير منذ منتصف القرن، وهو حلم الوحدة العربية؛ لكن الاختلافات الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين البلدَين، وبين الجماهير داخل كل بلد، كانت أقوى من أن يتم القضاء عليها بسهولة ليحل السلام؛ فانتهت الحال بالبلد الموحد إلى مجتمع ممزق وحرب بعد أربع سنوات فقط من الوحدة، ودخلت البلاد في صراع جديد استمر عقوداً أخرى.

[1] «اليمن الجنوبي الحياة السياسية من الاستعمار إلى الوحدة»، علي الصرّاف. ص60 – 63.

[2] «ألف ساعة حرب»، عبدالولي الشميري. ص45.

[3] «اليمن الجنوبي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً»، الدكتور محمد عمر الحبشي. ص 86.

[4] «الموسوعة البريطانية»، مجموعة من المحررين. نسخة إلكترونية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة