الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

120 عاماً من الصراع في اليمن (6-10)

6- الصراع من أجل القضاء على الملكية

 كيوبوست- منير بن وبر

ادى تزايد الاستياء من حكم الإمام يحيى بن حميد الدين، في شمال اليمن، إلى انقلابٍ أنهى إلى مقتله، وتنصيب إمام جديد وحكومة ملكية دستورية. تُعرف تلك الاحداث بثورة الدستور أو ثورة اليمن عام 1948. قامت الدولة الجديدة بعددٍ من الإجراءات؛ منها تشكيل الحكومة، والوزارات، والمجلس العسكري، ومع ذلك، بقيت المناطق الزيدية موالية للنظام السابق، كما كان اعتراف الكثير من المسؤولين بالحاكم الجديد شكلياً فقط[1].

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

سرعان ما حشد أحمد بن يحيى الموالين له من القبائل وحاصر صنعاء؛ استنجدتِ الحكومة الجديدة بالجامعة العربية التي أوصت طرفي الصراع بإيقاف القتال والتفاوض، لكن ما لبثت صنعاء أن سقطت -خلال أقل من شهر من بدء الثورة- قبل بدء مساعي السلام، وتمت الإطاحة بالحكومة الجديدة، ونصّب أحمد بن يحيى نفسه إماماً خلفاً لأبيه.

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (2-10)

لم يتبدل أي شيء تقريباً مما يُعد بذوراً للصراع المستمر منذ عقود مع هذه الأحداث المستجدة؛ ففي نفس عام الثورة اعترض مندوب حكومة اليمن (الشمالي) على انضمام سلطنة لحج -في جنوب اليمن- إلى بعض لجان جامعة الدول العربية بحجة أن سلطنة لحج محمية إنجليزية، وجزءاً مقتطعاً من بلاد اليمن، وهو الأمر الذي نفته السلطنة بالوثائق والحقائق التاريخية.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (3-10)

أوضحت سلطنة لحج لجامعة الدول العربية أن الإنجليز لم يخلقوا هذه السلطنة، ولا الإمارات الأخرى في جنوب الجزيرة العربية، ولم يفصلوا هذا الجزء عن اليمن[2]. خلال الخمسينيات دخل الإمام أحمد في مفاوضاتٍ مباشرة مع الحكومة الإنجليزية لتحسين العلاقات وتسوية المنازعات الحدودية، إلا أن المشكلات استمرت، بما في ذلك قصف ودكّ المدن والمواقع الحدودية.

الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين- أرشيف

بالاضافة إلى النزاعات الحدودية بين شمال اليمن، والحكومة البريطانية، والسلطنات والمشيخات الجنوبية، فقد استمر الفساد والقمع وخلافات توريث الحكم في شمال اليمن بعد وقوع السلطة بيد الإمام أحمد، وما تلا ذلك.

 اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (4-10)

يقول إدجار أوبالاس في كتابه «اليمن الثورة والحرب»: “زرتُ اليمن للمرة الأولى عام 1948 حيث كان يحكمها خلال تلك الأيام طغيان بربري من جانب الإمام أحمد”، ويضيف “الوصف الذي أورده جون جوردان -أول بريطاني يزور صنعاء ويكتب عنها عام 1609- يظهر كما لو كان معاصراً لعام 1948″، ويواصل القول “العقوبات بدائية وناجعة. فأولئك الذين يثيرون غضب الإمام أو موظفيه يُلقى بهم في غياهب السجون دون محاكمة، ولمدد غير محددة. وتقطع الأيدي عند السرقة، والرق والعبودية شكل مقبول من أشكال الحياة”[3].

اقرأ أيضاً: ما قصة الفساد؟ من أسلافنا إلى القادة المعاصرين

خلال الخمسينيات، تصاعدت حركات التحرر الوطني متأثرة بموجة القومية العربية في كلِّ مكان، بما في ذلك عدن في الجنوب. كان من نتائج ذلك، القيام بانقلابٍ عسكري فاشل ضد الإمام أحمد في الشمال، ومظاهرات تؤيد عزله. كما انطلقت حركات تمرد ساخطة في عدن وعدة مناطق جنوبية أخرى ضد الإنجليز؛ وقد تم قمع كل تلك الحركات من قبل السلطات في اليمن الشمالي والجنوبي، بما في ذلك استخدام القصف الجوي من قبل الإنجليز. وفي صنعاء، أمر الإمام أحمد بإعدام ابنيه عباس وعبدالله في العام 1955م، بعد مناصرتهما الحركات المنادية بالتغيير.

اقرأ أيضاً: أسباب المعاناة في مناطق اليمن المحررة

إنهاء حكم الإمامة

في العام 1959 سافر الإمام أحمد إلى روما في زيارةٍ تستغرق عدة أشهر، تاركا البلاد لابنه الأمير، ولي العهد، محمد البدر. كان البدر متأثراً بشدة بالرئيس المصري جمال عبدالناصر، ومتبنياً للعديد من أفكاره؛ فاستغل غياب والده ليضع أفكاره التحررية موضع التنفيذ. وكان من بين إجراءاته تنحية العديد من الحكام العسكريين والقضاة، وتعين أشخاص أكثر تحرراً بدلاً منهم؛ مما جعله مكروهاً من جانب علماء الدين[4].

يمنيون يرفعون علم الجمهورية اليمنية وصورة أول رئيس، عبدالله السلال- أرشيف

 

كان الأمير محمد البدر يشاطر الرغبة في التغيير مع حميد بن حسين الأحمر، نجل شيخ قبائل حاشد، وآخرين. وقد قرّبت هذه العلاقة بين الرجلين قبائل حاشد -المناصرة تقليدياً للإمامة- من الأمير، واستعان بهم لتهدئة سخط جنوده المتبرمين من سوء الأحوال الاقتصادية، والرواتب غير المجزية. لكن الإمام أحمد نظر إلى تعاظم دور القبائل بعدوانية، وظن أنهم ينازعون ملكه؛ لذا، بعد عودته من روما، أمر الإمام بقتل حميد ووالده، كما ألغى خطط نجله الإصلاحية، وأعاد الأمور إلى ما كانت عليه قبل سفره.

اقرأ أيضاً: فساد المناصب العليا في اليمن

توفي الإمام أحمد لأسبابٍ طبيعية في 18 سبتمبر 1962 م، وتولى الحكم بعده ابنه محمد البدر الذي سبق وأن أظهر الرغبة في التغيير. لكن لم تكد تمضي أيام حتى قاد المشير عبدالله السلال، قائد الجيش اليمني، انقلاباً عسكرياً معلناً الثورة ضد حكم الإمامة، وقيام الجمهورية اليمنية في 26 سبتمبر.

كان السلال أحد الطلاب الذين ابتعثوا إلى العراق للتدريب العسكري في الثلاثينيات. وبعد عودته سُجن أكثر من مرة بتهمة التآمر والقيام بنشاطاتٍ عسكرية مناوئة. وكان من المعجبين بعبد الناصر ومن المتأثرين بإنجازاته؛ وهو ما جعله مقرباً من الإمام محمد البدر أيضاً، إلا أن السلال -على ما يبدو- كان يفضل اجتثاث حكم الإمامة بدلاً من انتظار تغييرٍ قد لا يحدث أبداً. 

جمال عبد الناصر، ثاني رئيس لمصر، يحيي الجماهير- أرشيف

وعلى عكس ثورة 1948 التي صمدت أقل من شهر واحد، فقد استمر الصراعُ بين الحكم الملكي والجمهوري، هذه المرة، حوالي ثماني سنوات؛ إذ أعلن النظام الملكي تشكيل حكومة في المنفى، واتخذ الإمام المخلوع لنفسه ملاذاتٍ آمنة في أقاصي شمال اليمن. كما وقفت العديد من القبائل، بينها تجمع حاشد بزعامة عبدالله بن حسين الأحمر ابن الشيخ المقتول، إلى جانب الجمهوريين بقوة.

يرجع سبب استمرار المناوشات والصراع، طوال كل تلك المدة، إلى عدة أسبابٍ يمكن تلخيصها في اثنين أساسيين؛ هما الانقسام الداخلي، وتباين التأييد والدعم الخارجي لكلا الطرفين، الجمهوري والملكي. تمثّل الانقسام الداخلي في وقوف بعض القبائل إلى جانب الملكيين، وبعضها الآخر إلى جانب الجمهوريين، كما استمرت بعض القبائل في تغيير ولائها بين هؤلاء وأولئك. أما تباين التأييد والدعم الخارجي، فقد تمثّل في انقسام المجتمع الدولي بين مؤيدٍ للحكم الملكي، وآخر مؤيد للحكم الجمهوري.

اقرأ أيضاً: إرث الحرب العربية الباردة

كان للمساندة الخارجية دورٌ في تقوية كل طرف، ومنحه المزيد من القدرة على الصمود، لكن من جانب آخر، كانت بعض الشخصيات والقبائل تنظر إليه كعدوان خارجي، خصوصاً الدعم المصري، وهو ما دفع بعض القبائل إلى مساندة الملكيين على هذا الأساس، كما أحدث التعاون انشقاقاً أيضاً داخل الجمهوريين.

وإلى جانب تلك الأسباب، أدت عوامل أخرى دوراً في زيادة واستمرار الصراع من بينها الاختلافات بدوافع طائفية زيدية وشافعية، والزعامة الروحية الدينية للإمامة والزيدية، واستمرار الفساد وسوء الإدارة، والنزعة التقليدية لدى القبائل للإحتفاظ باستقلالها الفردي، ومقاومة أي سلطة تُفرض عليها.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر علاقات الحكومة بالجماعات الإسلامية على وحدة اليمن واستقراره؟

في نهاية المطاف، تم توقيف الدعم الخارجي عن كلا الطرفين بشكلٍ كبير، وقامت مصالحة وطنية بين المعتدلين من الملكيين والجمهوريين، بعد أن أحكم الجمهوريون سيطرتهم، وأصبح الملكيون أضعفَ بكثير من أي وقتٍ مضى.

توقف الصراع الدامي في العام 1970، وانتصرت الجمهورية على الملكية، لكن ذلك لم يعنِ انتهاء الصراع قط؛ فقبل، ذلك، في العام 1967 تمت إزاحة عبدالله السلال الذي كان أول رئيس منذ الثورة، ثم حدث انقلاب أبيض على الرئيس التالي، عبدالرحمن الأرياني، ثم اُغتيل رئيسان من بعده. وفي جنوب اليمن، قامت ثورة، وخرج البريطانيون، وأُسقطت السلطنات والمشيخات الصغيرة، ونشأ صراع طويل من أجل السُلطة.

[1] «موسوعة مقاتل من الصحراء»، خالد بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود. نسخة إلكترونية.

[2] «في جنوب الجزيرة العربية»، صلاح البكري. ص 262 – 274.

[3] «اليمن الثورة والحرب حتى عام 1970»، إدجار أوبالاس. ص29

[4] «اليمن الثورة والحرب حتى عام 1970»، إدجار أوبالاس. 107 – 108.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة