الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

120 عاماً من الصراع في اليمن (4-10)

دور الحدود والقبيلة في الاضطرابات الداخلية

كيوبوست- منير بن وبر

انسحبت الدولة العثمانية من شمال اليمن بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى سنة 1918م؛ وبذلك استقل الإمام يحيى بن حميد الدين بحكم البلاد، بعد أن تشارك السلطة مع الأتراك فترة من الزمن. منذ ذلك الحين، سعى الإمام يحيى إلى ترسيخ سيطرته؛ محاولاً بشتى الطرق نزع سُلطة رجال القبائل، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى زيادة نفور ومقاومة القبائل له؛ خصوصاً من حاشد، ونشوب صراعات مسلحة بين الطرفَين، إضافة إلى غضب القبائل من المضايقات الاقتصادية والقضائية التي كانت ترهقها.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

كانت القبائل ترى نفسها أنصار الإمام وليست رعايا،[1] ولطالما كانت كذلك طوال فترة مقاومة الأتراك. إن اعتقاد القبائل بأنها حليفة للحاكم تعني إظهار الولاء للإمام؛ لكن بقدرٍ كبير من الاستقلال، هذه الطبيعة القبلية لم تكن تتوافق مع تطلعات الإمام، وقد استقل بالحكم أخيراً.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (2-10)

أحيا استقلال شمال اليمن أيضاً فكرة “اليمن التاريخي” أو “اليمن الكبرى” في نفس الإمام، والتي تزعم دخول عدن والإمارات الجنوبية المستقلة ضمن حدودها[2]؛ وهو ما دفع الإمام إلى الاشتباك أيضاً مع بريطانيا، لفرض سيادة صنعاء على عدن والمناطق الجنوبية.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (3-10)

لم تخلُ العلاقة المضطربة بين الإمام والإنجليز من بعض المفاوضات خلال موجاتٍ من العنف المسلح؛ لكن كثرة الخصوم أبقت الإمام مشغولاً ومشتتاً وخائر القوى، حتى اضطر في نهاية المطاف إلى توقيع معاهدة صداقة وتعاون مع الإنجليز سنة 1934، وفي نفس العام معاهدة أخرى يعترف فيها بسلطة بريطانيا في جنوب اليمن، ويكف عن مناوشة عدن ومحمياتها مقابل اعتراف بريطانيا باستقلال شمال اليمن.[3] وعلى الرغم من ذلك الاتفاق؛ فإن فكرة “اليمن الكبرى” ظلت مستمرة.

مدفعية بريطانية في الشيخ عثمان- عدن سنة 1915- أرشيف

وفي الوقت الذي كان خلاله الإمام يحيى يحاول بسط نفوذه، ويخضع منافسيه بالقوة، كانت بريطانيا تعزز موقعها في الجنوب بعقد الاتفاقيات، وتشجيع التحالفات، والتصدي بحزم لأي طرفٍ ينكث بالعهد. كان من أبرز تلك الاتفاقيات هو ما تم في حضرموت؛ حيث تمكنت بريطانيا من دفع الدولة الكثيرية والقعيطية إلى التصالح من خلال “معاهدة عدن” 1918- 1919م.

اقرأ أيضاً: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

سعى حكام السلطنتَين في إقليم حضرموت الواحد إلى تخفيف التوتر بينهم عقب “معاهدة عدن”؛ من خلال إبرام المزيد من المعاهدات خلال العقد التالي، وقد أدى الحضارمة المغتربون في دول الشتات -مثل حضارم سنغافورة- دوراً مهماً في مناقشة سُبل تحسين العلاقات في وطنهم الأم؛ لكن التنافس بين الدولتَين، القعيطية والكثيرية، لم يكن المحرك الوحيد للاضطراب في حضرموت؛ فالقبيلة كانت هاجساً مؤرقاً أيضاً للدولتَين والإنجليز في آن واحد.

الاضطرابات الداخلية في حضرموت

لطالما كان لبيئة حضرموت القاسية ومساحاتها الشاسعة دور في تشتت المجتمعات داخلها وخارجها، وقد قاد هذا بدوره إلى الشعور العميق بالحرية؛ لذلك نلاحظ مثلاً كيف أدارت قبائل كِندة سياسة حضرموت -قُبيل الإسلام- بأسلوبٍ قبلي يتميز بمنح الاستقلال للقبائل الأخرى في الكثير من الأحيان والغالبية من الأمور،[4] وقد كانت تلك القبائل من الاستقلالية بحيث يمكن أن تحكم قبيلة ما مدينة وحدها أو قرية، أو حتى وادياً فحسب. كما كانت تلك الطبيعة أحد الأسباب المهمة في هجرة الحضارمة بأعدادٍ كبيرة إلى مختلف دول العالم؛ بالذات إلى جنوب وجنوب شرق آسيا، ولاحقاً الخليج العربي.

منظر للحي الحضرمي في سورابايا بإندونيسيا عام 1880م- KITLV

كان لخصائص المجتمع والبيئة تلك في حضرموت دور في عدم الاستقرار الداخلي؛ إذ كانت الدولة المركزية -القعيطية والكثيرية على السواء- لا تملك ما يكفي من القوة والموارد لفرض سيادتها على كل القبائل، ولا تصل إلى المجتمعات البدوية المتناثرة. كما تسبب قلة الموارد والثأر في احتدام المنافسة والتوتر بين القبائل بعضها مع بعض من جانب، وبين القبائل والدولة من جانب آخر.

من ناحيةٍ أخرى، كان لتطور الحياة المدنية عموماً وتطور نشأة الدولة، دور في الصراع كذلك؛ فعلى سبيل المثال واجهت الحكومة والتجار صعوبات عند تشييد أول خط بري للسيارات بين مدينة المكلا الساحلية، والمناطق الداخلية من حضرموت؛ لنقل المسافرين والبضائع، وكان مصدر تلك المعاناة هو تقطع رجال القبائل للسيارات؛ بسبب تخوفهم من أن تقضي المواصلات المتطورة -التي يتم إدخالها لأول مرة بواسطة المغتربين الحضارمة- على مصدر رزقهم المعتمد على نقل البضائع بواسطة قوافل الجِّمال.

اقرأ أيضاً: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

كان حكام الدولة الكثيرية والقعيطية يرغبون في تطوير البنية التحتية للبلاد، وكسب المال من التجارة والضرائب، وما إلى ذلك؛ لإعادة إنفاقه على الخدمات العامة التي تشتد الحاجة إليها، وكانت هناك جاليات حضرمية ثرية في دول المهجر ترغب في المساعدة لتحسين الحياة في حضرموت؛ لكن القبائل كانت تعتقد أن هذا يؤثر سلباً على مصادر رزقها، ويقوض من استقلاليتها. 

وعلى الرغم من أن الكثير من الأُسر الحضرمية سَعَت في تطوير الحركة التجارية والاقتصادية في البلاد، بكل تعقيداتها في تلك الفترة؛ فإن آخرين مارسوا أيضاً دوراً في خلق أسباب عدم الاستقرار في حضرموت إلى حد ما، وكان ذلك نتيجة تطورات الحداثة؛ بما في ذلك مفاهيم الإسلام الحديثة التي تأثرت بها شريحة واسعة من الحضارم في إندونيسيا، منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

كانت هناك خلافات تتعلق بمكانة السادة العلويين من الحضارم (آل البيت) وقواعدهم الاجتماعية المتوارثة -مثل الزواج وتقبيل الأيدي والمناداة بلقب السيد- التي أصبح يراها البعض نتيجة عصور بائدة من الخرافة والتقديس المخالف للصواب، وتمييزاً طبقياً لا يتوافق مع عدالة ومساواة الإسلام، وقد انعكست هذه الخلافات بين الحضارم الأثرياء والمثقفين ومناصريهم، والحضارم من آل البيت في إندونيسيا، ووصل تأثيرها إلى حضرموت، ودعم كل تيار أتباعه بالمال والدعاية، وقد يصل الخلاف أحياناً إلى اشتباكاتٍ مباشرة محدودة[5].

معاهدات سلام وتمردات

لم تكن بريطانيا في عدن ترغب في جوارٍ مضطرب؛ خوفاً من أن يتحالف أحد الأطراف المحلية المتنازعة مع جهات خارجية تشكل تهديداً لمصالحها في عدن والبحر الأحمر وخليج عدن. كما لم تكن سياسة بريطانيا عموماً تحبذ التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة المجاورة لها، ومع ذلك وجدت بريطانيا نفسها مضطرة إلى تخفيف حدة عدم الاستقرار أياً كانت أسبابه في حضرموت التي تشكل رقعة جغرافية شاسعة ومفتوحة شرق عدن.

كانت هدنة الصلح في حضرموت المعروفة بـ”سلام إنجرامز” هي المعاهدة الأكثر شهرة، وأحد أهم الإنجازات البريطانية في حضرموت. تم عقد الهدنة، وإكمال التوقيع عليها بين عامَي 1936- 1937م؛ لتكون هدنة سلام لمدة ثلاثة أعوام بين الحكومة المركزية (الكثيري والقعيطي) و1400 قبيلة في حضرموت.

رجال ونساء القبائل أمام قصر السلطان في سيؤون- حضرموت.. تتعهد على السلام عام 1937 وتقدم السلاح والذبائح- من كتاب «إحلال السلام في حضرموت» عبدالعزيز القعيطي

حققت الهدنة نتائج أمنية واقتصادية مشجعة؛ حيث اطمأن التجار على تجارتهم وتحسنت إيرادات الدولة. وبعد انتهاء الصلح في عام 1940م تم عقد هدنة صلح أخرى لعشر سنوات هذه المرة. اكتسب الصلح قوته من عدة عوامل؛ منها دعم الدولة والإنجليز له بشدة، وتأييد ودعم بعض المهاجرين الحضارم الأثرياء، وعون القيادات المحلية ورجال الدين والسادة[6]، والتعامل بحزم مع المخالفين والمتمردين.

كانت الهدنة في حضرموت فرصة لتوجه الدولة نحو البناء؛ لكن الطريق نحو الاستقرار كان صعباً، حيث واجه سكان حضرموت مجاعة شديدة في عام 1943م، وصراعاً مسلحاً عُرف بـ”حركة ابن عبدات”، وكان مدعوماً من بعض المهاجرين الحضارم؛ لكنه انتهى بالقوة العسكرية سنة 1945م. هددت تلك المشكلات بعكس إنجازات الدولة المتواضعة التي حققتها ببالغ المشقة، كما عرَّضت أمن المواطنين إلى الخطر؛ بسبب استخدام القوة من قِبل البريطانيين الذين رغبوا بشدة في مساعدة الدولة على فرض هيبتها ومنح القوة لعقد الصلح المُتفق عليه.

اقرأ أيضاً: تحقيق خاص.. معاناة اللاجئين اليمنيين في دول العبور

أما في شمال اليمن، فقد عزم الإمام على بناء قوة أكثر تنظيماً ومعرفة؛ فبعث الطلاب إلى العراق لدراسة التقنيات العسكرية الحديثة والأسلحة، خلال منتصف الثلاثينيات.

وبحلول نهاية الثلاثينيات، وبداية الأربعينيات، التقى بعضٌ من أولئك الطلاب آخرين في مصر، وتمكنت المجموعة من الاتصال بالإمام حسن البنا، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، والذي كان يرى أن اليمن بلد مناسب لمشروع الإخوان المسلمين، وأن الحكم في اليمن لا يمثل الإسلام،[7] ومن هنا عقد الجميع العزم على تغيير نظام الإمام يحيى بن حميد الدين، في شمال اليمن.

[1] «مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر». ص39.

[2] «الموسوعة البريطانية، اليمن في عهد الإمبريالية»، روبرت بوروز ومانفريد دبليو وينر. النسخة الإلكترونية.

[3] «موسوعة مقاتل من الصحراء»، خالد بن سلطان بن عبد العزيز.

[4] «تأملات عن تاريخ حضرموت»، غالب القعيطي. ص19.

[5] الحضارمة في إندونيسيا بين الحفاظ على الهوية وتحديات الاندماج، كتاب «في رحاب تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر»، مركز حضرموت للدراسات التاريخية والنشر. صفحة ويب.

[6] تطلق لفظة “السادة” في حضرموت على المتحدرين من آل البيت.

[7] «حسن البنا وثورة اليمن»، حمادة حسني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة