الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

120 عاماً من الصراع في اليمن (3-10)

3- أثر الحرب العالمية الأولى في الصراع

كيوبوست- منير بن وبر

خاض الأتراك حرباً مع إيطاليا في ليبيا انتهت بفوز إيطاليا سنة 1912. شجَّع انتصار إيطاليا على الدولة العثمانية وحالة العزلة التي وقعت فيها تركيا، دولَ البلقان على التحرك، فاندلعت حرب البلقان الأولى ضد تركيا.[1] كان لهذه الحروب التي انخرطت فيها تركيا دور مهم في محاولة تسوية الصراع في اليمن؛ ونجحت في عقد صلح مع الإمام يحيى بن حميد الدين، لكن القبائل والإمام الإدريسي استمروا في النضال ضدهم، ومنافسة الإمام المتصالح معهم. 

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (1-10)

تحالفَ الإدريسي مع إيطاليا ضد الدولة العثمانية في اليمن، محققاً إنجازاتٍ عسكرية وتجارية؛ لكن التحالف لم يستمر، ومع ذلك وجد الإمام الإدريسي بريطانيا حليفاً بديلاً لإيطاليا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. كان استعداد بريطانيا للتحالف مع الإدريسي مدفوعاً بالخوف من تشكيل العثمانيين خطراً على مصالحها في عدن من خلال الحامية العثمانية في شمال اليمن.

اقرأ أيضاً: 120 عاماً من الصراع في اليمن (2-10)

بحلول عام 1914، كانت بريطانيا قد وقَّعت اتفاقية ترسيم للحدود بين مناطق نفوذها، ومناطق نفوذ العثمانيين في اليمن، بعد عدة مفاوضات سابقة، وجهود لمسح وتعيين الحدود. توافقت تلك الحدود مع القانون الدولي، وأُنشئ ما يُعرف بالأقاليم التسعة في جنوب اليمن.[2] رسخ اندلاع الحرب العالمية الأولى في نفس العام أهمية عدن وجنوب اليمن عموماً لبريطانيا؛ ولتعزيز موقعها العسكري في أقصى شمال اليمن -مثل ما هي الحال في الجنوب- قامت بريطانيا في عام 1915 بتوقيع معاهدة حماية ودعم الإدريسي في الحرب ضد الأتراك.

تلخصت أهمية نفوذ الإدريسي في عسير في قدرته على قطع خطوط المواصلات التركية بين الحجاز واليمن، وقدرته على تهديد مؤخرة الجيش العثماني في حالة هجومه على عدن، ناهيك بقدرته على منع العثمانيين من الاستفادة من سواحل عسير الطويلة واستخدامها كقاعدة عسكرية في البحر الأحمر.

خريطة مناطق النفوذ في جنوب الجزيرة العربية خلال الفترة من 1905- 1923. Joaquín de Salas Vara de Rey

لكن، وعلى عكس الإدريسي في عسير، أظهرت الدولة الكثيرية في حضرموت، جنوب شرق اليمن، تضامناً مع العثمانيين ضد الإنجليز أثناء الحرب؛ وذلك لسببين أساسيين، هما الاستجابة لنداء العثمانيين الذين يدعون إلى “الجهاد المقدس” ضد معسكر الإنجليز، وللتخلص من الدولة القعيطية المنافسة لها، والتي توالي الإنجليز وترتبط بهم.

بين العثمانيين والإنجليز

حكمت الدولة الكثيرية أجزاء واسعة من حضرموت لقرون، إلا أنها فقدت مساحاتٍ شاسعة لصالح منافستها الدولة القعيطية؛ حتى أصبحت محصورة في شمال حضرموت. حاول آل كثير التحالف مع الأتراك عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقد رحب العثمانيون بالفكرة، ووعدوا بتقديم كل ما يلزم، وأكدوا لآل كثير أن الدولة العثمانية تنظر إلى جزيرة العرب باعتبارها ملكاً لها، ولن تتخلى عنها تحت أي ظرف كان، وهي تحذر أي طرف في حضرموت من الدخول تحت طاعة “الأعداء الأجانب”.[3]

اقرأ أيضاً: أردوغان.. وريث السلطنة العثمانية يخضع للقوي ويهدد الضعيف

ازدادت الخلافات بين الدولة الكثيرية والقعيطية مع انشغال العالم بالحرب العالمية الأولى، واندلع الصراع العنيف من جديد في حضرموت. كانت الدولة الكثيرية دولة غير ساحلية؛ مما جعلها معرضة إلى أساليب الحرب الاقتصادية، إذ عادة ما تتعرض الدول غير الساحلية أثناء الصراعات إلى الضغوط من خلال حجب أو خفض توفر السلع والخدمات،[4] وهو ما تمت ممارسته من قِبل الدولة القعيطية التي منعت رعايا الدولة الكثيرية من الدخول أو الخروج من وإلى حضرموت عبر مواني حضرموت، كما قامت السلطات البريطانية في عدن بحجز واردات آل كثير من التحويلات المالية، ومنع وصولها إلى أصحابها.[5]

لم يفِ الأتراك بعهودهم قط للدولة الكثيرية، ويبدو أنهم رغبوا في تحقيق بعض النجاح من خلال الوعود فقط؛ كما يقول نابليون بونابرت “إذا أردت أن تكون ناجحاً في العالم، عِد بكل شيء ولا تعطي أي شيء”؛ إذ إنهم لم يرسلوا أية قوة لآل كثير للقضاء على الأمراء “الموالين للكفّار” -أي الدولة القعيطية- على حد تعبيرهم.

صورة قديمة لقصر السلطان الكثيري في سيئون- حضرموت- أرشيف

وعلى الرغم من عدم مساعدة الأتراك لآل كثير بما يحقق لهم تقدماً ما في الجبهة العالمية ضد الإنجليز؛ فإن الأتراك حققوا بعض المكاسب في أماكن أكثر استراتيجية من حضرموت؛ حيث سيطر الجيش التركي- اليمني على سلطنة (لحج) على بعد نحو 45 كيلومتراً شمال عدن، وطردوا سلطانها الموالي للإنجليز بعد معركة الدكيم في عام 1915، بل وحتى التقدم داخل عدن قبل أن يتم إيقاف تقدمهم على بُعد بضعة أميال فقط من الميناء.

لكنّ العثمانيين كانوا على موعد مع تغيُّر جذري في التحالفات؛ إذ كانت الاتصالات بين أمير مكة، الشريف حسين، والبريطانيين، قد بدأت من أجل التحالف ضد العثمانيين، وإقامة الثورة العربية الكبرى. سعى الشريف حسين لإغلاق ما اعتبره قضايا جانبية؛ وحاول التوفيق بين الإدريسي في عسير والإمام في اليمن؛ من أجل توحيد الجهود ضد الأتراك والاستقلال بالبلاد العربية بدعم بريطاني. كان من نتائج تلك الجهود نُصح الشريف حسين لإمام اليمن بالامتناع عن مساعدة الأتراك في الهجوم على عدن، ووقف إراقة الدماء في (لحج) وطرد الأتراك من اليمن[6].

اقرأ أيضاً: عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

تغييرات حاسمة

أعلن الشريف حسين في مكة الثورة ضد الأتراك في يونيو 1916. غيَّر الإعلان أولويات العثمانيين، وتحولت القوات العثمانية من حالة الهجوم على عدن إلى حالة التراجع والدفاع عما تحت أيدهم. وفي المقابل، ركز البريطانيون على تأمين محيط دفاع محدود حول عدن، وتجنبوا محاولة استعادة المناطق النائية حولها.[7]

أدرك آل كثير في حضرموت عدم جدوى مناوشة الدولة القعيطية، بعد تزايد ضعف الدولة العثمانية، كما سعى القعيطي أيضاً لعقد صلح مع الكثيري برعاية بريطانية. رحب المقيم السياسي البريطاني في عدن بفكرة التقارب الكثيري- القعيطي، كما لاقت الفكرة تأييداً قوياً من المقيمين من حضرموت في الخارج؛ لشعورهم بالأخطار التي تهدد مصالحهم وأهاليهم في حضرموت.

أمير مكة ثم مؤسس المملكة الحجازية الهاشمية الشريف الحسين بن علي الهاشمي.. في عام 1916- أرشيف

انتهت الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918 بهزيمة دول المركز، وهو التحالف الذي ضم الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا ودول أخرى. أدت هذه الهزيمة إلى تفكك الدولة العثمانية وانتهائها، ومن نتائج ذلك تسليم العثمانيين شمال اليمن للإمام بشكل كامل، ليصبح يحيى حميد الدين حاكم شمال اليمن، بحكم الأمر الواقع.

لكن الإدريسي كان لا يزال يسيطر على عسير والمخلاف السليماني (جازان حالياً)، ويتطلع للحصول على المزيد من أراضي تهامة اليمن. لحسن حظ الإدريسي، كانت بريطانيا قد انتزعت (اللُحيّة) و(الحُديدة) في تهامة اليمن من العثمانيين أثناء الحرب وسلمتها إليه؛ لتضع بذلك بذرة صراع بين الإدريسي والإمام يحيى الذي يرغب في حكم كل ما كان تحت نفوذ العثمانيين، إضافة إلى أن عسير -قبل احتلال الأتراك لها- كانت لفترة طويلة من الزمن منطقة زراعية مزدهرة تحت حماية الخلفاء العباسيين في بغداد وسيطرة الحكام الزيديين في اليمن.[8]

اقرأ أيضاً: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

أما في حضرموت فقد تمكنت بريطانيا أخيراً من التوسط بين سلاطين الدولة الكثيرية والقعيطية وعقد معاهدة بينهما تضع حداً للصراع في عام 1918م- 1919م. إن وجود اتصالات حرة ومفتوحة وصريحة بين الأطراف يمكنها خلق التحالفات حتى مع وجود الخلافات، وقد كان لوزير الدولة القعيطية، وحكام الدولة الكثيرية والقعيطية، والشخصيات الاجتماعية، والمقيم السياسي البريطاني في عدن، دور مهم في تطوير حلقة الاتصال هذه على الرغم من الكثير من الجدل حول الاتفاق وتعثره في البداية.

عُرفت المعاهدة بين الدولة الكثيرية والقعيطية باسم (اتفاقية عدن)، وتتلخص في أن تكون حضرموت إقليماً واحداً تابعاً للسلطان القعيطي، مع استقلال آل كثير بحكم المناطق الداخلية من حضرموت، ولهم كل الحقوق والسيطرة كسلاطين في بلادهم، وأن يوقف الطرفان النزاع ويحققا الأمن ويتعاونا على إصلاح حضرموت. كما نصَّت الاتفاقية على أن تقبل الدولة الكثيرية اتفاقية الصداقة البريطانية- القعيطية المنعقدة عام 1888م.[9]

اقرأ أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

لكن اتفاقية عدن، وحصول الإدريسي على الحديدة إضافة إلى عسير، واستمرار سيطرة بريطانيا على عدن، لم يكن مرحباً به على الإطلاق عند إمام اليمن الذي يعتقد أنه الحاكم الشرعي لكل الأراضي اليمنية، وقد كان استقلاله بحكم شمال اليمن وانحلال الدولة العثمانية دافعاً له للتوسع، لتدخل البلاد من جديد في صراع آخر؛ هذه المرة صراع من أجل الحدود.

[1] «الموسوعة التاريخية العسكرية الكبرى لأحداث القرن العشرين»، ج. آ. س. غرنفيل. ص66.

[2] «حدود الجزيرة العربية: قصة الدور البريطاني في رسم الحدود عبر الصحراء»، جون. س. ولينكسون. ص48.

[3] «الدولة الكثيرية الثانية في حضرموت»، ثابت اليزيد. ص241.

[4] «قاموس بنغوين للعلاقات الدولية»، غراهام إيفانز وجيفري نوينهام. ص403.

[5] «تاريخ حضرموت السياسي»، صلاح البكري. الجزء الثاني ص 37 – 38.

[6] «الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية»، المجلد الثاني، نجدة فتحي صفوة.

[7] The Encyclopedia of World War I : A Political, Social, and Military History, Spencer C. Tucker (Editor), Priscilla Roberts. P37.

[8] «الموسوعة البريطانية»، عسير، مجموعة من المحررين. النسخة الإلكترونية.

[9] «في جنوب الجزيرة العربية»، صلاح البكري اليافعي. ص 299-303.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة