الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

يوم الشهيد والهندسة الاجتماعية في الإمارات

كيوبوست

عاشت القبائل لمئات السنين في أرض الجزيرة العربية وعلى سواحلها، حياة بسيطة بأسلوب حياة ثابت وقواعد معروفة للتعامل في ما بينها؛ لم تكن الحياة مزدهرة ورغيدة، ولكنها لم تكن كذلك معقدة. ثم أطل القرن العشرون وأطلت معه، منذ منتصفه الثاني، أساليب وأفكار جديدة لتنظيم الحياة الجماعية؛ مثل: الدولة، الشعب، الهوية، القومية العربية، الإسلام السياسي. وتغير شكل الحياة في مجتمعات الجزيرة العربية، التي أصبحت الآن دولاً مستقلة حديثة، تشهد ما شهدته الدول الأخرى من تغيرات سريعة غير متوقعة، وغير متحكم بها في ثقافتها وطريقة كتابة تاريخها والسرديات التي تتبناها كي تحول أفراد القبائل إلى مواطنين، والجماعات إلى شعب، ومشاعر الانتماء العفوية إلى هوية مكتملة الأركان.

اقرأ أيضًا: يوم الشهيد.. وفاء إماراتي

البدايات كانت حقول تجارب

حالة الإمارات كانت فريدة نوعاً ما؛ مجتمع قبلي بأعداد قليلة، يعيش غالب أفراده في مدن هي أقرب إلى قرى صيد ساحلية فقيرة منها إلى مدن كوزموبوليتانية حديثة. وأتت لحظة تأسيس الدولة في فترة شهدت صعود نجم القومية العربية. ولأن الدولة الجديدة لم تأتِ للحياة (مثل غالبية الدول المستقلة) ومعها قصتها الخاصة بها، قصة نضالاتها التاريخية والاجتماعية، وقصة كفاح الشعب بطبقاته وأحزابه وفئاته المختلفة من أجل الاستقلال، وقصة بناء أعمدة القوة الوطنية؛ مثل الاقتصاد والزراعة والثقافة والتعليم في وجه المستعمر، فقد كان من الطبيعي أن يكون هناك فراغ كبير في هذه الدولة الوليدة، فراغ ثقافي هوياتي ومعنوي، ما الذي ملأه؟ وما التفاعلات والعمليات والاستعارات التي سوف “تخترع” سردية جماعية تجمع الناس وتملأ الفراغ؟

في البداية تم استعارة عدة ملامح من القومية العربية ذاتها؛ الدولة الجديدة عربية ومواطنوها ينتمون إلى وطن كبير اسمه “الوطن العربي”، وهذا سهَّل توفير الحاجات المعنوية والثقافية للشعب الجديد، من التعليم ومناهجه، إلى الغناء والموسيقى وألوان التعبير الفني والأدبي، إلى الأفكار الكبيرة التي تُخبرنا كيف نعيش حياتنا كمجتمع. ثم وكما نعرف جميعاً خفت نجم القومية العربية وبرز تيار الإسلام السياسي في الخليج منذ بداية الثمانينيات، وسيطر بأفكاره على الحياة الثقافية والاجتماعية إلى حد كبير.

القوات العسكرية الإماراتية – أرشيف

منعطف 2011

من المغري القول إن انفجار الربيع العربي غيَّر معادلات الهوية وهندسة المجتمع في الإمارات من جديد؛ لكن الحقيقة أنه حتى في الأزمان السابقة وعلى الرغم من سطوة القومية العربية والإسلام السياسي؛ فإنه كانت هناك عوامل أخرى أسهمت في بناء هوية البلد، كاريزما الشيخ زايد الأبوية البدوية، عادات وتقاليد وتاريخ مجموعات الناس المختلفة التي عاشت على أرض الإمارات قبل الاتحاد، ولا ننسى هوية أخرى جديدة تم إبرازها بشكل مُتعمد منذ الثمانينيات؛ وهي الهوية الخليجية، التي كانت وتظل أقرب إلى الناس ووجدانهم من أية هوية أخرى عابرة للحدود. هذه الخلطة الجميلة أسهمت في بناء تحفة معمارية شابة وطويلة اسمها الهوية الإماراتية؛ لكن هذه التحفة ظلت غير متناسقة في ملامحها، وغير متجانسة في مضمونها. انفجر الربيع العربي، وانفجرت معه الكثير من الأحداث التي ولدت شعوراً بالخطر والنقص والفراغ، وبدأت الدولة الإماراتية جهداً واعياً مقصوداً محموماً لاستكمال بناء الهوية الإماراتية. لكن هذه المرة كانت الرغبة هي في الاعتماد على “قيم إماراتية”؛ مثل: التسامح والسعادة، بدلاً من قيم وأفكار قادمة من الخارج. كما تم التشديد على قوة الدولة وكفاءة الأداء الحكومي كمصدر فخر وقدوة للمواطنين.

حرب اليمن.. الشهيد.. وأشياء أخرى

اقرأ أيضًا: الإمارات تحتفل بقواتها العائدة من اليمن وتحتفي بشهدائها

ثم أتت مشاركة الإمارات في حرب اليمن منذ 2015، لتقوي هذه الجهود وتمنحها أرصدة معنوية جديدة. في اليمن قاتل الإماراتيون بأعداد كبيرة في معارك شرسة ضد أعداء مختلفين، قاتلوا تحت قيادة إماراتية وبتخطيط عسكري إماراتي، قاتلوا بكفاءة وانضباط؛ لأن هذا هو المتوقع منهم كمواطنين ولأنهم كانوا واعين لأهمية هذه الحرب بالنسبة إلى مصالح بلدهم الاستراتيجية. وقُتلت أعداد كبيرة من الإماراتيين في اليمن (بالنسبة إلى عدد السكان)، الصدمة الناتجة جمعت الإماراتيين لأول مرة تحت سقف الموت والحزن والعزاء بشكل جماعي (أو ربما للمرة الثانية بعد وفاة الشيخ زايد)، هذه الصدمة ورغم كل العواطف الحزينة التي ترافقها؛ فإنها أيضاً أدت إلى أشياء جيدة. بادرت الحكومة وخصصت 30 نوفمبر يوماً للشهيد، وفي هذا التاريخ من عام 1971 سقط الشرطي الإماراتي سالم سهيل خميس، وهو يدافع عن جزيرة طنب الكبرى في وجه الاحتلال الإيراني، صباح ذاك اليوم. ومن النتائج الجيدة الوعي بأن هوية الإمارات نضجت واستقرت بفضل عوامل داخلية وليس فقط ما تم استيراده أو استعارته من خارج الحدود؛ هذا النضج يمنح الدولة والمجتمع عمقاً لا بأس به يسهِّل امتصاص تغيرات الحاضر وصدمات المستقبل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة