الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“يلدا.. ليلة الغفران”.. عندما يقرر الجمهور مصير القاتل

فيلم إيراني جديد يُعرض في الصالات الأوروبية بعد مشاركته في مهرجانات سينمائية عالمية في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.. ويسلط الضوء على عقوبة الإعدام في إيران

كيوبوست

في عتمة سماء الليل فوق طهران، يتلألأ برج “الميلاد” بأنواره البهية، نشاهد صوراً لشوارع العاصمة طهران النابضة بحياة لا تتوقف في الليل كما في النهار؛ بهذه الإطلالة البانورامية الفاخرة يبدأ فيلم “يلدا.. ليلة الغفران”، لكاتب السيناريو والمخرج الإيراني مسعود بخشي.

يُعرض الفيلم في الصالات الأوروبية بعد مشاركته في مهرجانات سينمائية عالمية؛ في ألمانيا (مهرجان برلين)، والولايات المتحدة الأمريكية (مهرجان صندانس)، ويحكي الفيلم قصة برنامج مباشر على الهواء يُذاع مساءً في ليلة “يلدا”؛ وهي عطلة إيرانية تصادف أطول ليلة في العام، ويتم الاحتفال بها مع العائلة والأصدقاء.

فريق الفيلم في مهرجان فجر للأفلام السينمائية في إيران- وكالات

شهر عسل

لكتابة الحبكة الثرية لهذا الفيلم الروائي، استلهم مسعود بخشي بعض اللقطات من برنامج حواري يُسمى “Mahe Asal” أو (شهر عسل) باللغة الفارسية؛ وهو برنامج تم بثه خلال العقد الماضي في إيران خلال شهر رمضان.

ضيوف البرنامج عبارة عن أشخاص لديهم تجربة غير عادية، وواحدة من أكثر الحلقات مشاهدة على سبيل المثال، ظهرت فيها عائلة صياد قُتل على يد عنصر أمني في شرطة البيئة، وقد حُكم على الأخير بالإعدام قصاصاً بموجب الشريعة الإسلامية، وأثناء الحلقة أعلنت أسرة الضحية قرارها بالعفو عن القاتل؛ ما أسعد الحضور كثيراً، كما أثارت حادثة أخرى اهتمام المشاهدين عندما تم العفو عن شابَّين إيرانيَّين كانا قد حُكم عليهما بالإعدام بتهمة القتل من قِبل “أصحاب الدم”.

اقرأ أيضاً: المجتمع الإيراني متعدد الأعراق وخوف طهران من الديمقراطية!

في “يلدا.. ليلة الغفران”، سيصوِّت المشاهدون، عبر الرسائل القصيرة، ليقرروا ما إذا سيتم العفو عن مريم (صدف أصغري) المحكوم عليها بالإعدام لقتلها زوجها ناصر، الذي يكبرها كثيراً. القاتلة تحضر البرنامج لتروي القصة على لسانها، وكذلك منى (بهناز جعفري)، ابنة زوجها من زواجه الأول و”صاحبة الدم” في هذه القضية، وسيكون لرد فعل منى على شهادة مريم تأثير كبير على نتيجة التصويت.

يمكن القول إن الجانب الأكثر تأثيراً في الفيلم هو مشاهدة كيف يسود القانون الديني على كل جانب من جوانب الحياة الإيرانية؛ من القضية الجنائية وحتى إنتاج البرنامج التليفزيوني. يحاول مسعود بخشي طرح أسئلة عميقة تتعلق بمحنة النساء في أي مجتمع أبوي شمولي؛ فمريم ومنى كلتاهما ضحيتان لمجتمع يملك فيه الرجال كل مقاليد السلطة والتحكم.

مريم قاتلة الزوج في مشهد من الفيلم- وكالات

رمزية سردية

واختيار امرأتين لتكونا بطلتَي الفيلم؛ فقتل الأب هو أمر رمزي للغاية في مجتمع يقرر فيه رجل الأسرة كل شيء، وله حضور دائم في كل الميادين، والرجل عادة في إيران هو “صاحب الدم” الذي يقرر الصفح أم لا عن القاتل؛ لكن ناصر زوج مريم، ليس له أخ ولا ابن ووالده متوفى؛ لذا سيقع مصير قاتلته في يد ابنته.

اقرأ أيضاً: أهل السنة في طهران.. عيد بلا مساجد لإقامة الصلاة

بعد عرض الفيلم في إيران خلال مهرجان الفجر للأفلام السينمائية الأهم في البلاد، تنبَّه الكثيرون إلى خطورة عرض برامج يحتكم إليها مصير شخص ما على أساس تصويت الجمهور؛ فتوقف عرض برنامج “شهر عسل” في إيران. قد لا يكون للفيلم علاقة مباشرة بالأمر، الأمر معقَّد؛ لأن القانون يقوم على مبدأ الانتقام “فالقاتل يُقتل” حسب القانون المرتكز على الشريعة، لكن المجتمع الإيراني بدأ بالبحث عن حلول بعيدة عن رائحة الدم؛ هناك منظمات غير حكومية ومحامون ونشطاء يعملون اليوم على تحصيل العفو من أهالي الضحايا، وتجنب عقوبة الإعدام.

عموماً، يمثِّل هذا الفيلم حالة الشد والجذب التي يعيشها المجتمع الإيراني، الممزق بدوره بين الحداثة والموروث؛ فحتى جيل الشباب اللاهث وراء الحداثة في إيران لا يبدو مستعداً لها بعد، لأنه يبدو مثقلاً بقيود العادات والتقاليد البالية التي تحكم عقول الناس ومعتقداتهم في هذا المجتمع المحافظ؛ إنه طريق شاق وطويل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات