الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

ولي العهد السعودي تنبأ بمصير لبنان منذ 2015

محلل خليجي لـ"كيوبوست": في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن ترتكز إيران على قواعد الصراع الطائفية.. وهو ملعبها المفضل الذي تكسب فيه بسهولة

كيوبوست

في شتاء 2015 التقى الأمير محمد بن سلمان، عدداً من الصحفيين السعوديين، وقتها كان يشغل منصب ولي ولي العهد السعودي. طرح عليه أحد الكتاب السعوديين، ضمن عدد من القضايا، المسألة اللبنانية، فأبدى الأمير تذمره وعدم اهتمامه. يقول صحفي سعودي ممن حضروا الاجتماع: “الحقيقة أن الأمير كان مشمئزاً، قال الأمير: لبنان ليس له مكان في أولوياتنا، وفي اهتمامات المملكة الإقليمية في الفترة المقبلة، لبنان أخذ أكثر مما يستحق”.

وجاءت السنوات الست اللاحقة والتحولات الإقليمية والتطورات السياسية والأزمات المتتابعة لبنانياً والوضع الاقتصادي المتدهور وكارثة مرفأ بيروت، وانقطاع الكهرباء والوقود وانهيار البنوك اللبنانية وأزمة التحقيقات في انفجار المرفأ، وتهريب المخدرات إلى الأراضي السعودية، لتؤكد هذا التوجه السعودي. فلبنان اليوم لا يمكن وصفه إلا بأنه خراب تنعق الغربان في أرجائه.

وكان وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، قد دافع عن موقفه إزاء الحرب اليمنية، منتقداً السعودية والإمارات؛ حيث وصفها بالعدوان و”العبثية”؛ فمنذ سيطرة “حزب الله” على السلطة، وفرض مرشحه للرئاسة العماد ميشال عون، والساحة اللبنانية تشهد تصريحاتٍ عدائية بين الحين والآخر، تخرج من مسؤوليها الرسميين تجاه السعودية بشكلٍ خاص، والخليج بشكلٍ عام.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

وتأتي التطورات التي عرفتها الساحة الخليجية والتصعيد الإعلامي وبيانات دول الخليج ضد تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، في سياق التدهور المتعاقب في العلاقات السعودية- اللبنانية منذ 2005، ومن المتوقع أن يقدم قرداحي استقالته في الساعات الثماني والأربعين المقبلة، حسب معلومات تتداولها الساحة الإعلامية منذ أمس الجمعة.

في عام 2019، تعرضت السعودية إلى هجوم على شركة “أرامكو”، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه، وأكدت التحقيقات السعودية والأمريكية ضلوع إيران وميليشياتها في الاعتداء؛ ولكن وزير الخارجية اللبناني، آنذاك، جبران باسيل، الذي يشغل منصب رئيس التيار الوطني الحر، رفض إدانة الهجوم. وفي مايو من هذا العام، قدم وزير الخارجية الأسبق شربل وهبة، استقالته من حكومة تصريف الأعمال، على خلفية تصريحاتٍ في مناظرة تليفزيونية أغضبت السعوديين، ودفعت التيارات السياسية اللبنانية لتقديم الاعتذار إلى السفير السعودي عما بَدَر من الوزير الذي قدم استقالته للرئيس عون.

انتقد جورج قرداحي حرب اليمن ووصفها بـ”العبثية”- وكالات

وفي وقت سابق، رفض قرداحي الاعتذار عن تصريحاته، قائلاً: “أنا لم أخطئ في حق أحد؛ فلماذا أعتذر وأنا كنت واضحاً في كلامي ولم أتهجم على أحد. وعندما سألوني عن مواقفي خلال المقابلة، قُلت أنا ضد الحرب العبثية وضد أي حرب بين الإخوة العرب، والحرب في اليمن أصبحت عبثية، والكثير من الإخوان في الخليج يعتبرونها كذلك (…)؛ فهذه الحرب مكلفة مادياً واقتصادياً وبشرياً، ولم أقل إنني مع الحوثيين أو مع السعوديين أو ضدهم”، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء اللبنانية الخميس، حسب ما نقله الموقع العربي لقناة الـ”سي إن إن”. وأشار قرداحي إلى أن تصريحاته كانت في مقابلة مع قناة “الجزيرة” في 5 أغسطس الماضي؛ أي قبل نحو شهرين من تعيينه وزيراً للإعلام بالحكومة الجديدة.

أيَّد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله تصريحات جورج قرداحي- وكالات

وأعربت الجامعة العربية عن قلقها جراء تدهور العلاقات اللبنانية- الخليجية، مؤكدةً أنه كان على لبنان نزع فتيل الأزمة بعد تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي، وليس “تزكية النار”، وذلك وفقاً لما نقلته فضائية “سكاي نيوز عربية”، اليوم السبت. وحمَّل بيان الجامعة العربية، دولة لبنان مسؤولية تأجيج الأزمة مع محيطه العربي والخليجي، مشيرةً إلى وجود أطراف لديها مصلحة في تفكيك علاقات لبنان بالدول العربية.

لم تتخذ السلطات اللبنانية إجراءات فعالة لمنع تهريب المخدرات إلى السعودية- وكالات

وتصدَّر وسم “طرد_سفير_لبنان_من_السعودية” “تويتر” السعودية، خلال الساعات الماضية بنحو 100 ألف تغريدة عبَّرت عن غضب شعبي سعودي من مواقف الوزراء المتعاقبين في الحكومة اللبنانية من السعودية، منتقدين عدم اعتذار الحكومة اللبنانية للمملكة في الوقت الذي شهدت فيه الليرة اللبنانية مزيداً من التراجع على خلفية الموقف الخليجي من الحكومة اللبنانية. وقامت السعودية والإمارات والكويت والبحرين بطلب مغادرة السفراء اللبنانيين من أراضيها، وطلبت السعودية من سفيرها في بيروت مغادرة لبنان، كما أعلنت وقف الواردات اللبنانية، بينما طلبت الإمارات من مواطنيها عدم السفر إلى لبنان.

ودعت مجموعة من رؤساء وزراء لبنان السابقين جورج قرداحي، إلى الاستقالة، وقالوا في بيان: إن آراء قرداحي “ضربة للعلاقات الأخوية والمصالح العربية المشتركة التي تربط لبنان بالدول العربية، وتحديداً مع دول مجلس التعاون الخليجي”.

اقرأ أيضاً: لبنان.. الثنائي الشيعي يهدد بالحرب الأهلية للخروج من مأزق المرفأ

أزمة عميقة

“السعودية محبطة من حلفاء محورها في لبنان أكثر من انزعاجها من (حزب الله) والمحور الإيراني”، حسب محلل سياسي خليجي تحدث إلى “كيوبوست”، مؤكداً أن هناك فارقاً مهماً وواضحاً بين حلفاء السعودية وإيران؛ فحلفاء إيران منخرطون في مشروع متماسك أيديولوجياً بعقيدة طائفية ومنضبط سياسياً قبالة حلفاء السعودية الذين هم بالأساس رجال أعمال وطامحون لا تربطهم بالرياض سوى المخصصات المالية، ومن ثم ليس من المبالغة القول إن 100 دولار من إيران تستطيع أن تفعل في لبنان أكثر مما يستطيع مليون دولار سعودي أن يفعل.

ضبطت السلطات السعودية العديد من الحبوب المخدرة في البضائع القادمة من لبنان- وكالا

وأضاف: “إيران تلعب بقاعدة السهل الممتنع، بينما تطلب الرياض من حلفائها ما لا يستطيعون، أو ما لا يملكونه؛ لأنهم فاقدون له، ولذلك تراكم إيران المكاسب وتتملل السعودية من هذا الوضع؛ ففي لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن ترتكز إيران على قواعد الصراع الطائفية، وهو ملعبها المفضل الذي تكسب فيه بسهولة”.

 يؤكد المحلل الخليجي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن اللعب بالورقة الطائفية هو أكبر خدمة يقدمها أي غريم سياسي لإيران، “فالشيعة طائفة ويعرفون كيف يتصرفون كتكوين طائفي صلب ومتماسك، أما السُّنة فهم تنوع غير منضبط ولديهم اختلافات أيديولوجية وسياسية لا نهاية لها”.

وأضاف قائلاً: “فلنتذكر جيداً، متى كانت الاضطرابات الداخلية تعصف بمركز الطائفة الشيعية (طهران)؟ كان ذلك في توقيت بلا أي عقوبات دولية على إيران و(صفر) أزمات طائفية خارج حدودها، حينها أدرك الإيرانيون أن حالة البؤس والفقر التي يعيشون فيها كانت ولا تزال دون مبرر”.

علي الامين

الكاتب اللبناني علي الأمين، الذي يقول لـ”كيوبوست” أن الأمر مواجهة بدأت من 2005 وحتى اليوم، وليس غيمة صيف عابرة؛ فهناك مزيد من الضغوط يقوم بها المحور الإيراني لخفض التأثير السعودي في لبنان، وهو أمر تتم ترجمته في التعيينات على مستوى الوزراء، مؤكداً أن هناك رسائل عدة وراء هذه التصرفات؛ من بينها أن لبنان أصبح بيد إيران، وأنها من ستقرر مساراته”.

صراع على الهوية

يعيش لبنان صراعاً على الهوية، حسب الكاتب الصحفي اللبناني منير الربيع، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن هناك “عطباً” ثقافياً وفكرياً وسياسياً لدى بعض القوى والشخصيات التي تعتمد على مبدأ الجهل السياسي والتاريخي والجغرافي الذي يربط لبنان بمحيطه العربي؛ وهو الامتداد الطبيعي له، في الوقت الذي تجري فيه محاولات لإدخال البلاد في تحالفات الأقليات الإقليمية تحت سقف المشروع الإيراني، الذي يهدف إلى إبعاد لبنان بشكلٍ كامل عن العرب والتوجه شرقاً؛ وهي الشعارات التي رفعها المسؤولون اللبنانيون بشكل علني، سواء “حزب الله” ممثلاً في أمينه العام حسن نصر الله، أو حليفه المسيحي جبران باسيل، زعيم التيار الوطني الحر.

اقرأ أيضاً: لبنان.. الشيعة يستنكرون هيمنة “حزب الله”

المغرد السعودي حزام القحطاني، في تغريدات نشرها عبر حسابه على “تويتر”، كتب : “المسألة ليست حتى مجرد رأي شخصي أو حتى موقف وزير في حكومة ما؛ بل الأمر يتعدى ذلك إلى كون لبنان بات بلداً تحت احتلال عسكري ميليشاوي من قِبل دولة أجنبية لها عملاء بالداخل. قطع العلاقات يحرر دول الخليج من تبعات التعامل مع لبنان كدولة؛ لكنه لا يعني نهاية المواجهة مع العدو الإيراني هناك”.

منير الربيع

يرى منير الربيع أن لبنان خسر نفسه، وبات يعيش، بخلاف الأزمة السياسية والاقتصادية، واقعاً تغريبياً عن العرب؛ وهو أمر ستكون له انعكاساته، مستبعداً التعويل على الانتخابات البرلمانية المقبلة؛ لكون الثنائي الشيعي سيسعى لفوز حلفائه في الطوائف الأخرى، وعدم خسارة الأكثرية النيابية التي حتى إن فقدها سيسعى لفرض توازن سياسي لصالحه يبقيه في المشهد عبر سياسة فرض الأمر الواقع.

“(حزب الله) وحلفاؤه ليسوا معتمدين على البرلمان كمصدر لقوتهم؛ ولكن اعتمادهم الرئيسي على سطوة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، والذي يقيد أية محاولات حقيقية للتغيير، حتى لو من داخل البرلمان”، كما يقول علي الأمين.

وجورج قرداحي هو ثاني وزير في الحكومة اللبنانية بغضون 5 أشهر تعبر تصريحاته عن اختلاف كبير مع السعودية تتسبب في أزمة كبيرة تفوق الأزمات السابقة.

وشغل قرداحي رئيس تحرير إذاعة “مونتكارلو” سنوات حتى 1992، ثم رئيساً لتحرير قناة “الشرق” في باريس، قبل أن ينتقل إلى لندن ضمن فريق الـ”إم بي سي” ويرأس تحرير راديو “إم بي سي” عام 1994.

 اقرأ أيضًا: لبنان.. الغضب والاحتقان من الوضع الاقتصادي يخيمان على مناطق “حزب الله”

 وعرف السعوديون والخليجيون والعالم العربي الإعلامي اللبناني الشهير قرداحي عبر صوته في وثائقي شهير عن حرب احتلال الكويت في أواخر التسعينيات، أذاعته “إم بي سي”، وطبقت شهرته الآفاق مع تقديمه برنامج “مَن سيربح المليون؟” الذي قدمه في عام 2000 عبر تليفزيون “إم بي سي”. وحسب معلومات خاصة بـ”كيوبوست”، فإن قرداحي كان يتقاضى في عام 2002 أعلى راتب حصل عليه إعلامي في العالم العربي، وهو ستون ألف دولار، وطُرد من “إم بي سي” بعد خلاف مع رئيس مجلس إدارتها وليد الإبراهيم ؛ بسبب مطالباته المزمنة لرفع أجره. لاحقاً، قدم قرداحي عدداً من البرامج على قنوات عربية أخرى، وعاد إلى تليفزيون “إم بي سي” بعد رأب الصدع؛ ولكن موقفه الداعم للنظام السوري منذ اندلعت الاضطرابات ثم الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، تسبب في أزمة أخرى غادر إثرها “إم بي سي”، وبقي حتى اليوم وفياً لموقفه، وقدم برنامجه “المسامح كريم” على تليفزيون أبوظبي منذ 2013، الذي أذاعت القناة موسمه السابع والأخير هذا العام. ويبدو أن الحكومة اللبنانية في أزمتها الحالية مع السعودية هي أحوج ما تكون إلى رفع هذا الشعار؛ فالأزمة أكبر من تصريحات وزير إعلامها.

عناصر من “حزب الله”- (أرشيفية)

الدعم السعودي للبنان تراجع تدريجياً خلال السنوات الماضية، على خلفية تعاظم دور “حزب الله”، القوة العسكرية والسياسية الأبرز المدعومة من طهران. وحملت الرياض على المسؤولين اللبنانيين، خصوصاً حلفائها، لا سيما رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري؛ بسبب عدم تصديهم لهذا الدور.

ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تخفيفاً للتصعيد وردة فعل السعوديين تجاه لبنان؛ فالأزمة قد بلغت ذروتها كما يبدو، وسُنة لبنان ومسيحيوها من حلفاء السعودية والخط العريض العام من الشعب اللبناني بمَن فيهم شيعة لبنان، وهم الغالبية ممن لا يملكون قوة ولا سلاحاً، هم في أمسّ الحاجة إلى وجود السعودية ودعم دول الخليج، وليست هناك هدية تحصل عليها إيران أكبر من ترك لبنان لقمة سائغة للإيرانيين.

 ويقول مايكل يونغ: “بما أن السعوديين يعتبرون لبنان ورقة إيرانية؛ فإنهم يشعرون أنه من المنطقي التصرف تجاه البلد بهذه الطريقة”؛ لكن “المشكلة أنه من خلال عزل لبنان، سيضمنون فقط تشديد إيران ووكلائها المحليين سيطرتهم على لبنان”، حسب ما نقله موقع “DW” العربي.

 وأصدر مجلس الأعمال اللبناني في أبوظبي، اليوم، بياناً جاء فيه : “إن الشعب اللبناني الذي يؤمن بالعلاقات التاريخية مع دول مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن أن يقبل بأن يتحول لبنان إلى منبر للتهجم أو الإساءة إلى الدول الشقيقة أو التدخل في سياساتها الخارجية، والتي لطالما كانت عوناً للبنان وشعبه على مر السنين.. إننا كجالية لبنانية في الإمارات نعتبر أنفسنا من نسيج هذا المجتمع.. نعيش بين أهلنا وإخواننا في وئام ووفاق شركاء متضامنين”.

وأياً يكن ما تحمله الأيام القليلة المقبلة من تطورات، فإن توقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في حديثه الخاص عام 2015 بإسقاط لبنان من حسابات السعودية في الفترة المقبلة، لم تزده السنوات إلا تأكيداً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة