الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

وليام دالريمبل يتحدث عن ماضي صقلية الإسلامي

كيوبوست – ترجمات

على أقصى الساحل الغربي لجزيرة صقلية؛ حيث تقع مدينة إريتشي على قمة تل من جهة، وتطل على المسطحات الملحية لبحيرة مارسالا من جهة أخرى، يرتفع برجان عمودياً من بستان زيتون، محاطَين بمصدات رياح من أشجار السرو والنخيل. البرجان، اللذان بُنيا من الحجر الشاحب الدافئ كلون جبنة البيكورينو، يقفان فوق حديقة مخفية غائرة؛ وهي منحوتة من الصخر، متمركزة في بركة ماء مستطيلة، تحميها غابة من نباتات الدفلي.

وقد بُني قصر الجعفر على أنقاض نُزُل للصيد العربي، ويخلد اسم جعفر الكلبي الثاني؛ وهو أمير من سلالة عربية حكم صقلية من عام 998 إلى عام 1019، وكان شاعراً راقياً وكاتباً وخبيراً في فقه اللغة، وكان يفضل حياة التعلم والأدب على حياة الحملات العسكرية القاسية؛ فقد قضى معظم وقته في متابعة ملذاته في الجعفر، محاطاً بالفنانين والكتاب. وفي شهر سبتمبر، وفي النافذة الواقعة بين الحاجزَين، استأجرتُ برجَي الجعفر التوأمين، واستخدمتهما كقاعدةٍ لاستكشاف عالم صقلية الإسلامي المفقود.

اقرأ أيضاً: عن دور العرب في الحضارة الإنسانية

وفي اليوم الذي وصلنا فيه، كانت كتل السحب الخريفية الدرامية تتشكل في تجلياتٍ رائعة حول قمة جبل مونتي إريتشي، وكانت أشعة الشمس تنتشر عبر الخليج. وكان هناك عمود فقري من الجبال الصخرية القاحلة أشبه بشمال إفريقيا أكثر منها إيطاليا، ينحدر شرقًا نحو باليرمو. ولم يكن على المنحدرات السفلية سوى الزيتون والكروم، ولم تكن هناك حبوب إلا في الأودية. كان هذا بالتأكيد منظراً طبيعياً للبحر الأبيض المتوسط؛ ولكنه بدا أقرب إلى سواحل المغرب وتونس والجزائر أكثر من سواحل إيطاليا. فلا عجب أن العرب شعروا بأنهم في وطنهم هنا أثناء المئتي سنة التي حكموها.

النقوش البيزنطية والإسلامية والرومانية داخل كنيسة بالاتينا بصقلية كإحدى أعظم التحف الإسلامية في أوروبا- “فاينانشال تايمز”

وبحلول ذلك الوقت، كان المسلمون يشكلون أغلبية طفيفة من سكان صقلية، على الرغم من أن الجزيرة كان بها عدد كبير من المسيحيين اليونانيين وأقلية يهودية صغيرة. وقد أدخل العرب الليمون، وبرتقال إشبيلية، وقصب السكر، وكذلك القطن والتوت لزراعة الحرير. وقاموا ببناء أنظمة ري متطورة لكسب عيشهم، ومن أجل متعتهم في الحدائق؛ مثل تلك التي بقيت في الجعفر. وأدى الازدهار الذي ولَّده ذلك إلى أن تصبح صقلية؛ خصوصاً باليرمو، مركزاً ثرياً في شبكات التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ومكاناً لالتقاء التجار من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والجمهوريات التجارية الإيطالية الناشئة.

اقرأ أيضاً: الإمبراطوريات الإسلامية.. مدن الحضارة من مكة إلى دبي

وحتى بعد الإطاحة بالعرب من السلطة في القرن الحادي عشر؛ فقد تركوا أثراً لا يُمحى على شعب صقلية، وعلى المناظر الطبيعية التي كانوا يسكنونها. مارسالا، المعروفة الآن في جميع أنحاء العالم بنبيذ الحلوى، تعني في الواقع “ميناء الله”. وقد بقيت الكلمة العربية “قلعة” التي تعني الحصن في أسماء الأماكن مثل كالتانيسيتا (قَلْعَةُ النِّسَاءِ)، كالتافوتورو، وكالتاجيروني. وأسماء العائلات الصقلية التي تنتهي بحرف “أ”، مثل زابالا، ماندالا، فرجالا؛ كلها مشتقة من الأسماء العربية، حتى إن بعض المؤرخين يستمدون الصادرات الرئيسة الأخرى لصقلية -المافيا- من تقاليد اللصوصية العربية التي تطورت عندما دفع النورمانديون المسلمين إلى الجبال فوق كورليوني.

تشبه السواحل القاحلة حول إريس سواحل المغرب أو تونس أو الجزائر- “فاينانشال تايمز”

وعلاوة على ذلك، فإن المحاصيل التي أدخلها العرب لا تزال مزدهرة، والطعام الذي استمتعوا به لا يزال يُطهى حتى الآن. وتستضيف تراباني، المدينة الكبيرة التالية للجعفر، مهرجاناً سنوياً للكُسْكسي. ولا تزال المنتجات التي تم إدخالها من شمال إفريقيا والشرق الأوسط؛ مثل اللوز والخرشوف والقرفة والبرتقال والفستق والبطيخ، تشكل أساس المطبخ المحلي. كما يزعم الصقليون أنهم مَن اخترعوا الشربات المثلج، أو الغرانيتا؛ حيث طورها من الشربات العربي الذين اعتادوا صنعه من الجليد الذي يُجمع في الشتاء من سفوح جبل إتنا. والنكهات التي لا تزال تميز المثلجات الصقلية هي تلك التي أدخلت من العالم العربي؛ خصوصاً التوت واللوز.

اقرأ أيضاً: تخريب التماثيل التاريخية بين الشرق والغرب: هل تحرّم الديانات الآثار حقاً؟

لكن النصب التذكاري الأكثر وضوحاً وإبهاراً للتأثير العربي في صقلية هو إرث الفن والعمارة الذي خلفه البناؤون والمهندسون المعماريون والنجارون العرب. ومن المفارقات العجيبة أن الكثير منه أنشئ للرعاة المسيحيين. وعندما استولى النورمانديون على المدينة، أبقوا على باليرمو كقاعدة لهم وشيدوا مجمع قصر هجيناً، وهو قصر ريالي، الذي عكس طبيعة مملكتهم على الحدود بين الإسلام والعالم المسيحي؛ وهو عالم يحكمه المسيحيون، ولكنه مشبع بالكثير من روائع الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى.

وكان هذا العالم؛ حيث قام أعظم الملوك النورمانديون، وهو روجر الثاني، المعروف في بعض الأوساط باسم “السلطان المعمّد”، بتكليف العالم العربي الإدريسي بإنتاج عمل موسوعي عن الجغرافيا. وبعض أقدم قطع الشطرنج التي بقيت على قيد الحياة في أوروبا هي نتاج بلاطه. وبمرور الوقت، ومن خلال وساطة نورمان صقلية، أصبحت لعبة الشطرنج، وهي لعبة هندية وصلت إلى شكلها الحالي في بلاد فارس، اللعبة الأكثر شعبية في قصور أوروبا.

زخارف ونقوش إسلامية داخل قصر الجعفر- “فاينانشال تايمز”

وقد اندهش شهود العيان، المسيحيون والمسلمون على حد سواء، من الطريقة التي حافظ بها ملوك صقلية النورمانديون على البلاط المسيحي متأثرين بشدة بالطرق الإسلامية. وقد ترك أحد المسلمين الإسبان الذي غرق في حطام سفينة في صقلية في القرن الثاني عشر، وهو ابن جبير من غرناطة، وصفاً لما اعتبره بلاطاً عالمياً مغرياً؛ حيث كان المسلمون يتفاعلون مع المسيحيين واليهود، بشكلٍ يومي، وعلى جميع المستويات.

وقد زار الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي، صقلية عام 1170، وذكر أن الملك اعتاد أن يقوم برحلات على بحيرة القصر في قوارب مغطاة بالذهب والفضة “مع نسائه”. كما حافظ ملوك صقلية أيضاً على حدائق المتعة التي بناها أسلافهم العرب، وقاموا بتربية الفهود والصقور، وحافظوا على حيوانات الزراف والفيلة والجمال، والأسود والوشق، والقردة والدببة، والطاووس والنعام. وأكثر الناجيات إثارة للإعجاب هو كنيسة بلاتينا الشهيرة التي تقف كواحدة من الروائع الإسلامية العظيمة في أوروبا، ومن نواحٍ عديدة، فهي تقف على قدم المساواة مع قصر الحمراء، والمسجد الكبير في قرطبة. واليوم تبدو كنيسة القصر وكأنها غرفة واحدة؛ حيث تندمج السمات البيزنطية والإسلامية والرومانية في مساحة واحدة مذهلة.

ومع ذلك، فقد أظهرت الدراسات التاريخية الفنية الحديثة كيف تم تقسيم هذه الكنيسة الشبيهة بالأحجار الكريمة في الأصل إلى منطقتَين مختلفتَين تماماً، هما مذبح ذو قبة عالية مليء بالفسيفساء المسيحية البيزنطية، وقاعة منفصلة للجمهور الخاص لم يحتوِ تخطيطها الأصلي على أيقونات مسيحية على الإطلاق، وكانت زخرفتها الإسلامية بالكامل مبنية بشكل وثيق على أنماط البلاط في مصر الفاطمية.

تنحدر المسارات من الجبال الصخرية عبر بساتين الزيتون والكروم- “فاينانشال تايمز”

وتم تجهيز قصر زيسا، الذي يضم الآن متحفاً للفن الإسلامي، بنوع من أجهزة تكييف الهواء التي تعود إلى العصور الوسطى، والتي يتم من خلالها نقل تيارات الهواء بين الطوابق السفلية والعلوية، في حين يتم تبريد الطابق السفلي بواسطة النوافير وجداول المياه المتلألئة أسفل الشلالات. وتم تغذية القصور الأخرى بالمياه الباردة عبر قنوات تحت الأرض، في حين تم تزيين القبة بمقرنص عربي معقد وحوامل متعددة الألوان. ولم تكن هذه القصور المتقنة مجرد أماكن للمتعة.

اقرأ أيضاً: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

ففي هذه الغرف المزينة بهذه الروعة الهجينة؛ حيث كان الكتبة المسيحيون والمسلمون واليهود يعملون جنباً إلى جنب، اتُخذت قرارات أثرت على سياسات القوة العظمى في ذلك الوقت؛ خصوصاً الدبلوماسية مع القوى الإسلامية في الشرق الأوسط، وتم تبني الابتكارات التي أثرت على حياتنا كلها منذ ذلك الحين.

ويبدو من المرجح الآن أن الأرقام التي نستخدمها في جميع أنحاء العالم كل يوم -وهي أقرب شيء لدى الجنس البشري إلى لغة عالمية- قد دخلت مجرى الدم الغربي في هذه المباني. ففي عام 1138 تم سك عملة معدنية هنا من قِبل حكومة روجر الثاني، مكتوب عليها أقدم تاريخ رسمي للسنة في أوروبا؛ ليس باستخدام الأرقام الرومانية القديمة، ولكن بالأرقام الهندية العربية التي أدخلت حديثاً. 

بركة السباحة في حديقة قصر الجعفر- “فاينانشال تايمز”

وقد زُين الجزء الأمامي من العملة بتمثال نصفي للمسيح؛ مثل ذلك الذي يملأ قبة كنيسة بلاتينا. واحتوى الجزء الخلفي على أربعة أسطر من القراءة العربية، “بأمر من روجر العظيم، القوة تأتي عبر الله”، ثم التاريخ 533 في التقويم الإسلامي، مكتوباً بالشكل الهندي العربي. وبعد وفاة روجر الثاني، عاد أمين صندوقه، توماس براون، إلى إنجلترا بصفته وزيراً لخزانة هنري الثاني؛ حيث حاول إدخال هذه الأرقام لكن دون جدوى.

وتحت حكم حفيد روجر الثاني، فريدريك الثاني العبقري (1194- 1250)، والمعروف باسم ستوبور موندي، معجزة العالم، أصبح هذا الابتكار الهندي العربي الغريب طبيعياً في جميع أنحاء أوروبا. ومن بين العلماء الذين اجتذبهم إلى بلاطه في باليرمو، ليوناردو بيزا (1175- 1250)، المعروف باسمه المستعار، فيبوناتشي، الذي كان مفكراً حراً، يجيد خمس لغات؛ بما في ذلك العربية، وعالم الفلك والرياضيات المتجول الأسكتلندي مايكل سكوت (1175- 1235).

وقد نشأ فيبوناتشي في مركز تجاري إيطالي في ما يُعرف الآن بالجزائر؛ حيث تعلم اللغة العربية بطلاقة، بالإضافة إلى الرياضيات العربية. وكتب (كتاب الحساب) الذي كان أول عمل في الغرب يدافع عن الأرقام الهندية العربية؛ باعتبارها أكثر ملاءمة لكل من الحساب والأعمال. وأهدى فيبوناتشي كتابه التالي إلى فريدريك الثاني. وقد كنت أقوم ببحث عن فريدريك وسكوت عندما ذهبت للتجول في باليرمو في آخر يوم لي في صقلية.

تصميم إحدى الحجرات الداخلية في قصر الجعفر- “فاينانشال تايمز”

وبينما الصقليون المبتلون يتنافسون على شراء المظلات، توجهت إلى الداخل. وهناك، في الجزء الخلفي من صحن الكنيسة، كان هناك سياج ملكي محاط بحبال حمراء. وخلف الحاجز كانت توجد مجموعة من التوابيت الضخمة المصنوعة من الرخام السماقي، وهي مقبرة إمبراطورية؛ حيث دفن روجر الثاني وحفيده فريدريك أخيراً، ومقابرهم مسندة إلى أسود هيرالد المتشابكة، وأولاد عمومة من أولئك الموجودين في فسيفساء قصر ريالي. فبغض النظر عن تعاطفهم الإسلامي في الحياة، فقد اتخذ كلا الرجلين في الموت زخارف الأباطرة الرومان أو البيزنطيين في أواخر العصر الروماني.

وكان العثور على آثار سكوت أكثر صعوبة؛ لكن عندما كنت مراهقاً، في منطقة الحدود، سمعت قصصاً عن آخر أيام حياته، والتي قيل إنه قضاها في الكاتدرائية، بالإضافة إلى دراسة الرياضيات وعلم الفلك والطب، وكان لدى سكوت سمعة في قراءة الطالع، وقيل إنه كان قادراً حتى على التنبؤ بوفاته. وكان يعتقد أن هذا سيكون بسبب سقوط حجر على رأسه، وكإجراء احترازي كان يرتدي خوذة حديدية في جميع الأوقات.

اقرأ أيضاً: كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

وعلى الأقل، ووفقاً لفولكلور المناطق الحدودية، فقد خلع الخوذة أثناء جلوسه في كاتدرائية باليرمو، وكما تنبأ تماماً سقطت قطعة صغيرة من حجر السقف على رأسه؛ وهو ما تسبب في وفاته على الفور. إنه الأسكتلندي الوحيد الذي ظهر في جحيم دانتي؛ حيث أكسبته سمعته كمستحضر أرواح مكاناً بعد وفاته في الدائرة الثامنة من الجحيم، إذ عانى التعذيب بصحبة سحرة بارزين ومجوس ومشعوذين.

وعندما كنت أقف في الكاتدرائية، كأسكتلندي آخر من الحدود يبحث عن أسرار عرب صقلية، تساءلت عما إذا كان يمكن أن يستنتج أن الأرقام الهندية العربية التي دافع عنها أصبحت قياسية في جميع أنحاء العالم. أظن، بالنظر إلى موهبته للتنبؤ بالمستقبل، أنه لن يفاجأ كثيراً!

كان وليام دالريمبل ضيفاً على شركة “ذا ثينكينج ترافيلير”، والتي تستأجر قصر الجعفر، الذي يتسع لثمانية أشخاص، والذي يبدأ من 3839 جنيهاً إسترلينياً في الأسبوع.

المصدر: فاينانشيال تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة