الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

وقائع انهيار الاقتصاد السوداني في عهد البشير

هل كان انهيار الاقتصاد السوداني نتيجة عوامل خارجية؟ أم كان إخفاق حكومة الإنقاذ الوطني في إدارة الدولة سياسيًّا هو العامل المحدد في انهيار الاقتصاد؟

كيوبوست

رغم أن الاقتصاد السوداني يعد واحدًا من أغنى الاقتصادات في القارة الإفريقية؛ فإنه عانى أزمة طاحنة منذ انفصال الجنوب عن السودان في 9 يوليو 2011، منبعها الأساسي كان انهيار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية بشكل متوالٍ ودون توقُّف؛ وذلك لعجز الدولة عن توفير مصادر للعملات الأجنبية، بسبب عدم مرونة صادراتها واعتمادها على الواردات الصناعية بشكل أساسي؛ ولسبب رئيسي هو فقدانها نفط دولة جنوب السودان الذي كان يشكل إحدى ركائز الاقتصاد السوداني.

اقرأ أيضًا: رغيف الخبز يؤجج الشعب السوداني.. 3 سيناريوهات تنتظر السودان

بعد انفصال الجنوب عانى السودان مجموعة من الصراعات والنزاعات حوَّل الدولة إلى ساحة من العنف. وعلى الرغم من اختلاف مناطق النزاع؛ فإنها اشتركت جميعًا في بنية مماثلة لتكامل الصراع، وأخذت أشكالًا عدة:

أولها: النزاعات المجتمعية؛ وهي صراعات بين الجماعات غير الحكومية التي يتم تنظيمها على أساس هوية مشتركة، ويقوم فيها النزاع على موارد الكفاف اللازمة لسُبل العيش الرئيسية لمجموعة معينة؛ مثل الصراع بين الفلاحين ورعاة الغنم والبقر، ولعل المثال الواضح هو الصراع في دارفور.

وثانيها: صراعات محيط الوسط والتي تشير إلى اختلال التوازن الإقليمي للتنمية؛ وهي سوء إدارة الموارد الاقتصادية أو ما يطلق عليه اصطلاحًا التهميش وذهاب معظم الموارد لفائدة المركز ولضعف السياسات الكلية، فجميع المناطق الطرفية في السودان؛ مثل دارفور والجنوب والشرق والشمال البعيد، مهمش سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا بالمقارنة مع المركز الذي يتكون من الخرطوم والمناطق المحيطة بها؛ مثل هذا الظلم الإقليمي يعزز الإحباط ويخلق بؤرة للتمرُّد.

وثالثها: الصراع القبلي أي صراعات النخبة المحلية؛ وهي صراعات بين أشخاص يحاولون التأثير داخل المنطقة أو المجتمع، وتكون بين القادة التقليديين والقادة الشباب أو بين زعماء مختلف فصائل المتمردين، وتؤدي هذه النزاعات إلى العنف بين الجماعات المتمردة المختلفة أو بين الفصائل المختلفة داخل المجموعة المتمردة نفسها.

ورابعها: الصراعات عبر الحدود؛ فغالبًا ما تشارك الدول المجاورة في النزاعات السودانية؛ مثل هذه النزاعات يمكن أن تنطوي على تورط عسكري مباشر لدولة مجاورة أو يمكن أن تحدث في شكل حرب بالوكالة؛ أي أن بعض دول الجوار قد تدعم المتمردين في السودان. وأوضح مثالَين على ذلك هما دولتا تشاد وإريتريا.

اقرأ أيضًا: لماذا لا نسمع عن الاحتجاجات الشعبية في السودان؟

يواجه اقتصاد السودان صعوبات منذ انفصال الجنوب في 2011، مستحوذًا على ثلاثة أرباع إنتاج النفط؛ ليحرم الخرطوم من مصدر حيوي للعملة الصعبة، بعد أن قضى على أغلب المشروعات الوطنية التي كانت تُدرّ النقد الأجنبي لخزينة الدولة من مشروعات زراعية؛ كمشروع الجزيرة الذي كان يعتبر أكبر المشروعات الزراعية إفريقيًّا وأحد أكبرها عالميًّا، ليكون الفشل السياسي والفساد النابع من الحزب الحاكم والإخوان المسلمين سببًا في فشل اقتصادي ضمن سلسلة مسببات هَوَت بالسودان إلى هوة عميقة، نتج عنها انهيار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية بشكل مستمر ودون توقف؛ وذلك يرجع إلى عجز الدولة عن توفير الدولار من مصادره المختلفة، بسبب انخفاض الاستثمار الأجنبي؛ لفقدان الثقة في الاقتصاد السوداني والبيئة الاستثمارية الطاردة، وكذلك بسبب العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية الشاملة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على السودان منذ عام 1997 تحت مبرر دعمه للإرهاب الدولي.

وكانت الخارجية الأمريكية قد أدرجت السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، واتهمته بأنه يسمح باستخدام أراضيه ملجأ للإرهابيين، وتوفير ملاذات آمنة لهم، واستمرت حكومة السودان في انتهاج هذه السياسة ضمن احتضان الإخوان المسلمين الفارين من مصر برعاية تركية- قطرية، ودعم الحركات المتمردة ضد حكومة جنوب السودان. وقد ألحقت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة بالسودان خسائر فادحة قدرتها السودان بنحو 500 مليار دولار. وبفضل الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تم رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان في أكتوبر 2017 بعد عشرين عامًا من العقوبات.

شاهد أيضًا: ثورة الخبز في السودان

عند الحديث عن أسباب تدهور الاقتصاد السوداني، فلا يمكن النظر فقط إلى العوامل السياسية والخارجية التي أثرت على اقتصاد دولة كان يفترض بها أن تنمو بشكل يليق بما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية وموقع جغرافي، تؤهلها لأن تتبوأ المكانة التي تليق بها، وهنا لا يمكن إغفال الدور السياسي في الإخفاق الاقتصادي، فحكومة الإنقاذ الوطني انغمست في نزاعات سياسية وعسكرية وأمنية؛ فالنزاعات الداخلية في دارفور (جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق) أدّت إلى زيادة الإنفاق على الأمن والجيش والشرطة؛ ما استنزف الموازنة (أكثر من 70% منها يذهب إلى الأمن)، كما أن هذه النزاعات والاضطرابات أدّت إلى توقُّف مشروعات التنمية وعصفت بالاستثمار الوطني والأجنبي.

إن جوهر الأزمة الاقتصادية في السودان سياسي، يكمن في فشل الحكومة في إدارة موارد الدولة الاقتصادية وتطوير قطاعاتها الإنتاجية؛ فالسودان من أغنى الدول من حيث الموارد، خصوصًا بعد اكتشاف النفط والذهب خلال العقدَين الماضيين، وفيه أرض شاسعة خصبة صالحة للزراعة (200 مليون فدان)، وثروة حيوانية (نحو 150 مليون رأس)، وفيه عديد من الأنهار الطبيعية، وأمطار غزيرة، وتنوّع مناخي ومحصولي، وموارد بشرية وطبيعية أخرى تؤهّله لأن يعيش شعبه في رفاهية؛ لكن انشغال العقل السياسي بالمصالح الحزبية والذاتية والفساد والإقصاء والظلم وغياب دولة القانون جعلت السودان دولة فقيرة تستجدي المنح والقروض والمعونات، وجعل الشعب يعيش الأزمات تلو الأخرى؛ حتى ثار على البشير وإخوانه الكيزان بعد أن أفقروا العباد وعاثوا في الأرض فسادًا وجعلوا أهلها يعانون مرارة الظلم والفقر.

خلاصة القول .. يمكن أن تتحمل الشعوب صعوبات التنمية وتحديات مرحلة البناء؛ إذا رأت عدالة اجتماعية ومستقبلًا سياسيًّا مفتوحًا، فيه تداول سلمي للسلطة ونظام حكم رشيد يخضع للمساءلة ويتعامل بشفافية ويعطي للمواطنين قدرهم الحقيقي في المشاركة في صنع القرار السياسي من خلال القنوات الشرعية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة