الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

وفاة مفاجئة لقائد الأركان الذي تخندق مع الشعب ضد نظام بوتفليقة.. ما مصير حراك الجزائر؟

الجزائر – علي ياحي

استيقظ الشعب الجزائري على وقع فاجعة وفاة قائد أركان الجيش قايد صالح، الذي كان رجل المرحلة الاستثنائية التي عاشتها البلاد منذ خروج الشعب إلى الشارع في 22 فبراير الماضي، مطالبًا برحيل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وزمرته، وقد استمرت قيادته للبلاد حتى انتخاب رئيس جديد يوم 12 ديسمبر الجاري؛ حيث تم تكريمه من طرف عبدالمجيد تبون الفائز بكرسي الرئاسة، بوسام الاستحقاق نظير ما قدمه من جهود لحماية البلاد من الوقوع في الفوضى.

تفاجأ الجزائريون بخبر وفاة قايد صالح، قائد الأركان، بسكتة قلبية في بيته. وقال بيان الرئاسة الجزائرية: “بهذا المصاب الجلل، تفقد الجزائر أحد رجالاتها الأبطال الذي بقي إلى آخر لحظة وفيًّا لمساره الزاخر بالتضحيات الجسام، التي ما انقطعت منذ أن التحق في سن مبكرة بصفوف جيش التحرير الوطني، الذي ترعرع في أحضانه وتشرَّب منه جنديًّا فضابطًا فقائدًا مجاهدًا، عقيدة الوفاء للوطن والشعب”، متابعًا: “إنها لفاجعة أليمة قاسية أن تودع الجزائر في هذا الوقت بالذات، وعلى حين غرة، قائدًا عسكريًّا بمآثر وخصال الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، وهو المجاهد الذي صان الأمانة وحفظ الوديعة وأوفى بالعهد في فترة من أصعب الفترات التي اجتازتها البلاد؛ لما حباه الله به من حكمة وتبصُّر وصفاء ووفاء للجزائر وللشهداء الأبرار ومن إخلاص للشعب الجزائري الأبي، إخلاص تشهد عليه المرافقة الوطنية الصادقة والعمل الدؤوب المثابر على المرور بالجزائر إلى الأمن والأماني آمنة مستقرة وشامخة”، مختتمًا: “التاريخ سيكتب هذه المآثر الجليلة بأحرف من ذهب على صفحة مشرقة وضاءة من حياة فقيد الوطن الفريق أحمد قايد صالح”.

اقرأ أيضًا: لماذا يجد الرئيس الجزائري الجديد صعوبة في تشكيل الحكومة؟

قايد صالح.. الرجل القوي الذي رافق الحراك الشعبي

يُعد الفريق أحمد قايد صالح، أحد أبرز الوجوه العسكرية في الجزائر، وكان له دور لافت في الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد منذ انطلاق الحراك الشعبي المناهض للرئيس بوتفليقة وجماعته في 22 فبراير الماضي؛ حيث تبنَّى خطابًا يدعم الشعب الجزائري في مطالبه، مقترحًا في 26 مارس 2019، على المجلس الدستوري الجزائري إعلان عائق بوتفليقة الصحي وتطبيق المواد 7 و8 و102 من الدستور الجزائري؛ ليعلن الرئيس بوتفليقة في 2 أبريل 2019 استقالته.

وإثر تخندقه مع الشعب وإقالته الرئيس بوتفليقة، تصدَّر قائد الأركان قايد صالح، المشهد العام في البلاد وأصبح يُلقب بـ”الرجل القوي”، وأعلن حملة واسعة لاجتثاث كل رموز النظام البوتفليقي الذين أطلق عليهم وصف “العصابة”، وباشر عمليات اعتقال واسعة لا تزال مستمرة، ابتداءً من شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، والجنرال محمد مدين المدعو توفيق، والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات، وخليفته اللواء بشير طرطاق، ثم الوزراء والمسؤولين ورجال المال المرتبطين بالفساد والمقربين من “الدائرة البوتفليقية”، وقال إنه “لا مهادنة أو تأجيل في محاربة الفساد؛ لأن المتآمرين من العصابة وأذنابهم عملوا على قتل الأمل في نفوس الجزائريين والتضييق على المخلصين من أبناء الوطن”.

وأعلن قايد صالح تنظيم انتخابات رئاسية في 12 ديسمبر 2019؛ لإنهاء الانسداد الذي بلغته الأوضاع في البلاد بعد فشل عديد من المبادرات، قائلًا إن ما يهدف إليه الشعب رفقة جيشه هو إرساء أُسس الدولة الوطنية الجديدة، التي سيتولى أمرها الرئيس الجديد المنتخب خلال الانتخابات التي ستُجرى في موعدها المحدد، موضحًا أن “الجيش سيرافق الشعب حتى إجراء الانتخابات الرئاسية؛ لأن هذا المسعى الوطني النبيل نابع من الإرادة الشعبية التي تعني فئات الشعب كافة، باستثناء العصابة ومَن سار في فلكها”.

اللواء سعيد شنقريحة قائد الأركان بالنيابة

وأعلن رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون، تعيين اللواء سعيد شنقريحة، قائد أركان الجيش بالنيابة، وهو المعروف بخبير القوات البرية وأحد مهندسي التكتيكات التي تنتهجها القوات الجزائرية اليوم، وشارك في الدورات التدريبية لقيادات الجيش بالجزائر وروسيا، ويُعرف عنه أنه قضى سنوات طويلة قائدًا ميدانيًّا، وقد لمع نجمه في أثناء الحرب على الإرهاب.

اللواء سعيد شنقريحة قائد الأركان بالنيابة

حراك الطلبة يؤجَّل.. والأعين تترقب الجمعة

وفي وقت أعلن فيه الطلبة إلغاء حراكهم الذي دأبوا على توقيعه كل يوم ثلاثاء؛ احترامًا لروح الفقيد، بعد أن كان في وقت قريب عرضةً لتهجماتهم وانتقاداتهم، لدرجة أنهم طالبوا برحيله، يترقب الشعب حراك الجمعة، بين تأجيله بسبب وفاة قائد الأركان قايد صالح، وإقامته تعبيرًا عن بداية مرحلة جديدة، على اعتبار أنه رافق المظاهرات والاحتجاجات منذ استقالة الرئيس بوتفليقة في 2 أبريل الماضي حتى تنصيب عبدالمجيد تبون، رئيسًا للبلاد، إثر فوزه في انتخابات الرئاسة المنظمة يوم 12 ديسمبر الجاري.

وذكر الناشط أمين صندوق، لـ”كيوبوست”، أن الراحل كان يستعد لهذه المرحلة، وقد عقد عدة لقاءات مع جنرالات الجيش في الأيام القليلة السابقة؛ ولهذا “لا أرى أن تكون هناك تغييرات غير متوقعة”، مضيفًا أن الفريق قايد صالح قاد البلاد إلى بر الأمان بعد الأزمة التي مرت بها، والضغط الرهيب الذي كان يعيشه الشعب.

الناشط الجزائري أمين صندوق

وتابع صندوق بأنه لكل مرحلة آلية نضال، و”المرحلة الحالية لا أراها شخصيًّا مرحلة شارع ومظاهرات؛ بل هي مرحلة حوار جاد عن طريق منظمات وجمعيات المجتمع المدني، وإبداء بعض من الثقة بين الطرفين”، مشيرًا إلى أن القائد العسكري الجديد سيواصل مسيرة الراحل؛ بحكم معرفته الجيدة بخطورة المرحلة.

اقرأ أيضًا: انتخاب تبون رئيسًا للجزائر.. تدعيم المشهد السياسي داخليًّا بالشباب واستعادة الهيبة الدبلوماسية خارجيًّا

الحراك مهدد بالأفول بعد وفاة قائد الأركان

من جهته، يؤكد الإعلامي المهتم بالشأن السياسي علي شمام، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، أن غالبية الجزائريين يجمعون على أن الراحل قايد صالح، سجل اسمه بأحرف من ذهب؛ نتيجة مواقفه طيلة الأشهر العشرة الأخيرة؛ حيث عاشت البلاد أصعب مراحل تاريخها، مضيفًا أنه بعد رحيل هذا الرمز الذي وعد بأن لا تراق قطرة دم واحدة، ووعد بأن تبقى الجزائر صامدةً عصيةً أمام كل محاولات الخراب التي حيكت ضدها في الداخل والخارج، يتبادر إلى عقول الجزائريين أسئلة كثيرة؛ أهمها كيف ستتعامل القيادة الجديدة للمؤسسة العسكرية مع الأحداث؟ وما مصير الحراك الذي نادت شريحة واسعة منه برحيل قايد صالح؟ قائلًا: “إن مسار المؤسسة العسكرية لا يتوقف عند شخص معين وإن كان قايد صالح؛ لذلك من كان ينادي بالأمس برحيل قايد صالح سينادي غدًا برحيل مَن يخلفه، بمعنى أن الحراك قد يبقى كما كان عليه، إلا أنه من المحتمل جدًّا أن يفقد بعض أعداده، كما أنه من المحتمل جدًّا أن تتراجع المؤسسة العسكرية عن الدور الذي لعبته طيلة الأشهر الماضية، ليس بسبب رحيل قايد صالح، وإنما بسبب انتخاب رئيس جمهورية جديد، وهو الذي أكد أنه سيأخذ على عاتقه تلبية مطالب الحراك وفتح باب الحوار أمام مَن يمثلونه؛ للخروج بورقة طريق تنقل الجزائر فعليًّا نحو التغيير المنشود”.

اقرأ أيضًا: الجزائر.. ما مصير الحراك الشعبي بعد انتخاب خليفة بوتفليقة؟

في السياق ذاته، يعتقد أستاذ العلوم السياسية رابح لونيسي، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، أن يكون لوفاة قايد صالح تأثير سلبي على الحراك لعدة عوامل؛ منها العاطفة الطاغية على كثير من الجزائريين، قائلًا: “إن مصير الحراك وقوته مرتبطان بقدرة الفاعلين فيه على إقناع الشعب في الفصل بين العاطفة المتحكمة في حالة وفاة، و(التي تتحكم فيها تقاليدنا الدينية)، وبين ضرورة تغيير جذري لآليات عمل النظام الذي يتعلق بمصير ومستقبل الجزائر”.

أستاذ العلوم السياسية رابح لونيسي

وتابع لونيسي: “أما العامل الثاني المؤثر فيتعلق بقاعدة سياسية معروفة في الثورات ضد الأنظمة؛ وهي وجود شخص أو رمز مشخص يوجه إليه الغضب الشعبي؛ فوفاة قايد صالح معناها غياب الشخص الذي كان يوجه ضده الغضب الشعبي، خصوصًا أنه بخطاباته وبعض قراراته وممارساته كان يعطي دفعًا قويًّا للحراك”، متسائلًا: “هل سيكون هناك رمز آخر من النظام؛ كي يركز عليه الحراك؟”، مضيفًا أن هناك مَن يشير إلى أن التركيز سيكون على الرئيس عبدالمجيد تبون؛ لكن “نعتقد أن هذا الأخير سيتجنب ذلك؛ لأنه سياسي متمرس على عكس العسكري الذي لا يقوم بحسابات سياسية”.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية أن تبون سيعمد إلى سياسات تهدئة؛ كإطلاق سجناء الحراك وإدخال إصلاحات عميقة على النظام، على اعتبار أن رحيل قايد صالح سيطلق نوعًا ما يد الرئيس تبون، الذي بدوره عيَّن قائد الأركان الجديد سعيد شنقريحة، معتقدًا أنه بعد وفاة قايد صالح ستعود قيادة الجيش مرة أخرى كما كانت من قبل، صانعة القرارات الكبرى، وتعود من جديد المؤسسة العسكرية إلى وصفها السابق “المؤسسة الصامتة”.

اقرأ أيضًا: الجزائريون يدفعون ثمن “فساد” نظام بوتفليقة

الصحفي حكيم مسعودي

في المقابل، يشير الصحفي حكيم مسعودي، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن الحراك أسس لمفاهيم وأدبيات جديدة في “ذاتيته” وفي تعاطيه مع السلطة القائمة والنظام ككل؛ وأبرزها تجاوز الشخصنة إلى الموضوعية في المطالب، وهو ما جعله مستمرًّا وماضيًا في أسبوعه الـ44، على الرغم من مناورات وضغوطات وقمع السلطة لهذه المسيرات، مضيفًا أن الحراك بهذا المنطق ليست له مشكلة مع الفريق قايد صالح كشخص، ولكن كان ضد النهج الذي سار عليه؛ لا سيما في تعاطيه مع المطلب الجوهري للحراك المتمثل في تحييد الجيش عن السياسة، وهو ما يبرز نقطة التقاطع ثم الاختلاف بين قائد الأركان والحراك.

وأوضح مسعودي أن الحراك ماضٍ في المسيرات والنضال لتحقيق المطالب، والتعيينات التي تمت على مستوى قيادة المؤسسة العسكرية لا تعنيه في شكلها بقدر ما يعنيه إبراز نيتها في الدخول في حوار حقيقي وجاد مع الحراك الذي لا يزال يشكل “حرجًا” كبيرًا للسلطة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة