الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةصحة

وفاة لوك مونتانييه.. مكتشف فيروس HIV المسبب لمرض الإيدز

كيوبوست

بعد مرور نحو 38 عاماً على اكتشافه، رفقة اثنين من زملائه، الفيروس المسبب لمرض الإيدز، توفي عالم الفيروسات الفرنسي، الحائز على جائزة نوبل في الطب، لوك مونتانييه، يوم الثلاثاء الماضي، عن عمر ناهز الـ89 عاماً.

وفي أواخر حياته، اعتقد مونتانييه بآراء تتعلق بالصحة، اعتبرت مثيرة للدهشة بين أقرانه لبُعدها عن العلم؛ ما أثار ردود فعل سلبية ضده من قِبل أكاديميين، بينما رحَّب مناهضو التطعيمات بتصريحاته. فمَن هو مونتانييه صاحب أحد أهم اكتشافات القرن الماضي، والتصريحات المثيرة للجدل؟

حياة علمية ومهنية

وُلد لوك مونتانييه في 18 أغسطس 1932م في بلدة “تشابريس” بمقاطعة “أندر” وسط فرنسا، وتلقى تعليمه العالي في جامعة بواتييه، ثم التحق بجامعة باريس التي عُين فيها مساعداً في كلية العلوم عام 1955م.

انشغل مونتانييه بالفيروسات وعلاقتها بالأمراض السرطانية، فترأس في عام 1972م مختبراً متخصصاً في الفيروسات القهقرية المسؤولة عن الأمراض السرطانية، في معهد باستور في باريس.

اقرأ أيضاً: علاج جديد للسرطان يلوح في الأفق بفضل لقاحات mRNA

لاحقاً ترأس قسم الإيدز في المعهد ذاته، من عام 1991م حتى انضمامه عام 1997م إلى كلية “كوينز” في نيويورك، وكان يبلغ حينها 65 عاماً، ممتهناً التدريس لعدة سنوات.

اكتشاف فيروس HIV

كان أهم ما حققه مونتانييه اكتشافه، رفقة اثنين من زملائه؛ فرانسواز باري سينوسي وجان كلود شيرمان، في عام 1983م، فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) المسبب لمرض الإيدز.

فمع بداية ثمانينيات القرن الماضي، سُجِّل عدد ملحوظ من الوفيات بين رجال مثليين في أمريكا؛ لذلك انشغلت المختبرات حول العالم بمحاولة اكتشاف سبب المشكلة الصحية الغامضة التي أدت إلى الوفاة، والتي رمز إليها بـ”H4″؛ لأن المرض كان يصيب أربع فئات تبدأ أسماؤها الإنجليزية بحرف “H”: المثليون، ومدمنو الهيروين، والهايتيون (بسبب انتشار الدعارة في بعض مناطق جزيرة هاييتي)، والمصابون بالهيموفيليا (نزف الدم الوراثي).

الطبيب والباحث العلمي الأمريكي روبرت غالو ادَّعى أنه السبَّاق باكتشاف الفيروس- NATIONAL INVENTORS HALL OF FAME

وفي عام 1983م، تمكن مونتانييه مع زميلَيه، من دراسة عينة تعود إلى مريض شاب مثلي الجنس، أقام لفترة في نيويورك، وقاموا بعزل فيروس قهقري جديد (الحصول على عينة نقية من فيروس ما خارج جسم الإنسان والتمكن من دراسته)، مطلقين عليه اسماً مؤقتاً (LAV)؛ اختصاراً لـ(Lymphadenopathy Associated Virus).

بعد الإفصاح عن النتائج التي توصل فريق مونتانييه إليها، بأن فيروساً قهقرياً يتسبب في مرض الإيدز. شكَّك البعض في نتائج الفريق الفرنسي بقيادة مونتانييه؛ خصوصاً العالِم الأمريكي روبرت غالو، المتخصص في الفيروسات القهقرية، والذي أعلن عام 1984م، أنه توصَّل إلى السبب المحتمل لمرض الإيدز؛ فيروس قهقري سُمِّي (HTLV-III)، ليتضح أنه (الفيروس الذي أعلن عنه غالو) مطابق تماماً للفيروس القهقري (LAV) الذي اكتشفه فريق مونتانييه قبل عام.

اقرأ أيضًا: اطمئنوا.. ليست هناك علاقة مباشرة بين فيروس كورونا والإيدز

وبهذا الصدد، قال مونتانييه: “كانت النتائج التي حصلنا عليها جيدة جداً، ولكن لم يتم قبولها من قِبل بقية المجتمع العلمي لمدة عام آخر على الأقل، حتى أكد روبرت غالو نتائجنا في الولايات المتحدة”.

صراع على الاكتشاف

بعد أن تم الإعلان عن الفيروس القهقري المكتشف من قِبل غالو والمطابق تماماً للفيروس المكتشف من قِبل مونتانييه، اندلع صراع بين الطرفَين على تحديد صاحب الاكتشاف.

واستمر الصراع لعدة سنوات؛ حتى إنه انتقل من الحيز القانوني إلى الحيز الدبلوماسي بين فرنسا والولايات المتحدة، ففي عام 1986م، تقاسم مونتانييه جائزة “لاسكر” الأمريكية مع غالو وفريقه، وفي عام 1987م تم توقيع تسوية بين البلدَين، جاء فيها أن غالو ومونتانييه “شريكان في الاكتشاف”.

لوك مونتانييه يتسلم جائزة نوبل في الطب 2008م- nobel prize

لكن الحدث الفيصل في حسم نسب الاكتشاف، كان عندما فاز مونتانييه وزميلته فرانسواز باري سينوسي، بجائزة نوبل للطب عام 2008م عن عملهما في معهد باستير في باريس لعزل فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، بينما لم تذكر لجنة الجائزة غالو بأي شكل.

وصرَّح مونتانييه لوكالة “فرانس برس”، في وقت سابق، بأن “العلاج يقطع انتقال العدوى.. لكنه لا يقضي على المرض”، كما حذَّر في عام 2011م، بمناسبة مرور 30 عاماً على ظهور الإيدز، من ارتفاع تكاليف علاج 33 مليوناً من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.

اقرأ أيضًا: الإيدز من “مريض برلين” وحتى “مريض لندن”

مثير للجدل

بعد ترأسه مناصب علمية وأكاديمية مهمة، بدأ مونتانييه بالنزوع تجاه أفكار لا تنسجم مع العلم في أواخر سني حياته؛ ما جعله مثيراً للجدل بين أقرانه في الحقل الطبي.

فلطالما أعرب عن اعتقاده بأن مرض التوحد ناتج عن عدوى، وأن علاجه ممكناً عبر استخدام المضادات الحيوية. كما كان يعتقد أن أي شخص لديه جهاز مناعة جيد يمكنه محاربة فيروس نقص المناعة البشرية باتباع نظام غذائي متوازن.

وأعلن مونتانييه عن موقفه المعارض لتطعيمات الأطفال الإجبارية، وذلك في نوفمبر 2017م؛ الأمر الذي ندد به نحو 106 أكاديميين في حقل الطب بشكل علني، قائلين: “لا يمكننا أن نقبل من أحد زملائنا أنه يستخدم جائزة نوبل التي حصل عليها لنشر رسائل خطرة عن الصحة خارج نطاق اختصاصه، في تحدٍّ للأخلاق التي يجب أن تحكم العلم والطب”.

اقرأ أيضاً: 13 خرافة حول لقاحات “كورونا” يجب ألا نصدقها.. فما هي؟

واستمر مونتانييه في تصريحاته المثيرة للجدل، حتى وقت قريب؛ ففي أبريل 2020م، صرَّح بأن فيروس “كوفيد-12” طُوِّر في المختبر، وأن اللقاحات هي المسؤولة عن ظهور المتحورات؛ الأمر الذي نفاه المجتمع العلمي، في حين رحَّب به مناهضو تطعيمات “كورونا” حول العالم، كما زيَّفوا بعض تصريحاته ووضعوها على لسانه.

بالنهاية، لا تلغي تلك الآراء غير العلمية أهمية اكتشاف مونتانييه، الذي سرَّع إجراء اختبارات فيروس نقص المناعة البشرية، وابتكار العلاج والأدوية المضادة له، علماً بأن العلاج في حاضرنا يساعد على السيطرة على مرض الإيدز، والحد من انتشاره بين الشركاء، إلا أنه لا يقضي على المرض، حسب ما أكد مونتانييه سابقاً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات