الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

وفاة عَلَم الموسيقى الفارسية محمد رضا شجريان عن 80 عاماً

المطرب الذي وحد الإيرانيين عبر الأجيال بصوته الرخيم المتموج

كيوبوست– ترجمات

أريسو إقبالي

عندما ألقى محمد رضا شجريان؛ المطرب المعاصر الأكثر شعبية في إيران، بثقله وشعبيته الكبيرة في دعم الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية عام 2009، لم يُعتقل ولم يُجبر على الفرار من البلاد مثل الكثير من الشخصيات الإيرانية.

المغني الإيراني محمد رضا شجريان توفي عن 80 عاماً.. “الغارديان”

بدلاً من ذلك، أتاحت له مكانته في الجمهورية الإسلامية أن يطلب من وسائل الإعلام الحكومية أن تتوقف عن بث أغانيه.

توفي شجريان في أحد مشافي طهران عن عمر يناهز الثمانين عاماً، بعد صراعٍ طويل مع سرطان الكلية دام ما يقارب عقدين من الزمن، وفقاً لما ذكره نجله هومايون.

 اقرأ أيضاً: محمد رضا شجريان …رحيل صاحب النغم الفصيح

يقول ناهد سيامدوست؛ مؤلف كتاب «موسيقى الثورة: سياسات الموسيقى في إيران»، في وصفه لشجريان: “إنه أهم شخصية ثقافية إيرانية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة؛ لقد كان شخصية سامية عاشت في فنه. وقد حظي باحترام كبير أيضاً؛ لأنه قال الحقيقة في وجه السلطة”.

 اقرأ أيضاً: 40  سنة على الثورة الإسلامية: كيف يعيش الشعب الإيراني تحت حكم ولاية الفقيه؟

ولد شجريان في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1940، وتعرف على أساتذة الفن الإيرانيين من خلال عمه الذي كان موسيقياً. بدأ بالغناء في الخامسة من عمره، وعندما بلغ الثانية عشرة شرع في دراسة مجموعة الألحان المحفوظة في ذاكرة التقاليد الشفوية المعروفة باسم “الرديف”، والتي تشكل أساس الموسيقى الكلاسيكية الفارسية.

حظي شجريان بشعبية واسعة؛ بسبب صوته الرخيم ذي المساحة الكبيرة وقدرته الكبيرة على التحكم فيه وأداء مختلف الطبقات. كان يغني الألحان التقليدية، إلا أنه كان يزخرفها بالتوشيحات وبمستوى من الارتجال يضاهي أية أغنية فردية. وأعطى شهرة واسعة للعديد من القصائد الصوفية عن الحب بوصفه مظهراً إلهياً. واجتذبت حفلاته الغرباء كما اجتذبت الجموع التي يمكن أن يجدها المرء في دور العبادة.

إحدى حفلات محمد رضا شجريان- وكالات

اختار شجريان أغاني من التراث الفارسي حتى ذلك الذي تبنته المؤسسة الدينية، إلا أنه أدان في كلماته كل أشكال القمع. يقول تحموريس بورنازيري؛ الموسيقي الذي لحَّن لشجريان وعزف في فرقته: “إنه قد يستعمل قصيدة عمرها مئة عام لينقل من خلالها مفهوماً معاصراً”. ولهذا السبب امتد تأثيره عبر الأجيال والمشارب السياسية المختلفة في إيران.

اعتاد المعجبون بشجريان، في أيامه الأخيرة، على التجمع أمام المشفى الذي يرقد فيه في طهران لغناء مقاطع من أغنية “مورغي سحر”، وتعني عصفور الفجر؛ وهي أنشودة فارسية قديمة تتحدث عن طائر يغنِّي لإنهاء ليل الظلم وإشراق فجر الحرية. وعند المساء يتحول المتجمهرون للهتاف ضد القيادة الإسلامية، كما ظهر في مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

 اقرأ أيضاً:مغني راب الثورة الإيرانية يقض مضجع النظام

فبينما رأى الكثير من المعارضين في موسيقاه دعوة إلى التحرر من الحكم الإسلامي في إيران، كان شجريان يحظى بإعجاب الكثير من السياسيين ورجال الدين أيضاً.

الرئيس الإيراني حسن روحاني، غرَّد يوم الخميس، قائلاً: “سوف تبقي الأمة الإيرانية الممتنة اسم وذكرى وأعمال هذا الفنان الواسع الشعبية حية في ذاكرتنا.. لقد ترك وراءه إرثاً قيماً”.

واكتسب الفنان شهرة عالمية أيضاً؛ فقد رُشِّح مرتين لنيل جائزة غراميز، واختارته مؤسسة NPR (مؤسسة إعلامية أمريكية غير ربحية مقرها واشنطن- المترجم) كواحد من بين أفضل خمسين صوتاً في العالم.

معجبون بشجريان يبكونه بعد انتشار خبر وفاته- وكالات

لم يرَ شجريان في نفسه محرضاً سياسياً؛ ولكن في بلد مثل إيران، حيث تمارس السلطات رقابة صارمة على التعبيرات الثقافية، فإن الفن يكون سياسياً بطبيعة الحال.

قال شجريان عام 2012: “الفن في الأساس هو لغة المقاومة، في أي مكان في العالم حيث يوجد تنعدم المساواة والعدالة ويسود الألم والقمع، يزدهر الفن”.

 اقرأ أيضاً: منظمةأوجالإيرانية: الثقافة والفن في خدمة دعاية الحرس الثوري

ومع ذلك فقد ظل في جوهره فناناً ورفض أن تتحول موسيقاه إلى شعارات سياسية. وفي إحدى المرات، قطع حفلاً موسيقياً في استوكهولم بالسويد، عندما بدأ قسم من الجمهور، وأغلبهم من الإيرانيين، بترديد شعارات مناهضة للجمهورية الإسلامية.

وقد قال عام 2016: “لا أريد الدخول في أحزاب سياسية أو في السياسة بشكل عام، كل ما أريده أن أكون فناناً وأن أقول الحقيقة للناس”؛ ولكنه أيضاً لم يبدِ أي دعم للنظام الإسلامي في إيران.

بعد الثورة الإسلامية عام 1979؛ حيث تعرض فنانون آخرون إلى الاضطهاد وفرّوا من البلاد، التزم شجريان الصمت لمدة أربع سنوات. وعندما عاد إلى عالم الفن، رحب القادة الإسلاميون الجدد ليُظهروا أنهم لا يعارضون كل أنواع الموسيقى. قال شجريان في مقابلة له عام 2011: “منذ البداية لم أثق بهم”، وذلك عقب منعه من الغناء في إيران بعد إدلائه بتصريحات سياسية حادة مناهضة للحكم عام 2009.

اقرأ أيضاً: المجتمع الإيراني متعدد الأعراق وخوف طهران من الديمقراطية!

في ذلك الوقت، كانت قوى الأمن تعتقل وتضرب المحتجين على الانتخابات المزورة للرئيس محمد أحمدي نجاد، الذي وصف المتظاهرين بأنهم أوساخ وغبار. ويومها قال شجريان: “أطلب بشكل قاطع من وسائل الإعلام الحكومية عدم بث صوتي؛ لأنه صوت الأوساخ والغبار، وسيبقى دائماً كذلك”.

في السنوات الأخيرة، وصف المتشددون المطرب المسن بالخائن؛ ولكنه بقي رجلاً حراً يجوب العالم في جولاته، مُصراً حتى يوم وفاته على أن إيران هي موطنه. ولذلك فإن الإيرانيين من كل المشارب السياسية يكنون لشخصه الإعجاب؛ بما في ذلك الملايين التي ربما لم تستمع إلى موسيقاه.

يقول زميله الموسيقي بورنازيري: “لقد وقف بحزم مع الناس، ولم يساوم قط مع أية سلطة”.

المصدر: ذا وول ستريت جورنال

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات