الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

وفاة إماراتية محكومة في قضية إرهابية تثير أسئلة أكثر عمقًا

كيف يمكن للحكومات حماية سلمها الاجتماعي، وضمان الاستقرار متجاوزة الشعارات الجوفاء التي تطالب بحقوق الإرهابيين ومراعاة ظروفهم، من دون الالتفات إلى حقوق المجتمعات وحقوق الضحايا.

كيوبوست – أبوظبي

الحمادي

 نفى المتحدث الرسمي باسم النيابة العامة الإماراتية، أحمد عبد الله الحمادي، ما يتم تداوله حاليًّا عبر حسابات وصفها بـ”المشبوهة والمغرضة والمناهضة للدولة” من معلومات غير صحيحة في شأن وفاة المحكوم عليها علياء عبد النور. وحسب ما نشرته وكالة أنباء الإمارات “وام”، فإن محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية قضت، في فبراير 2017، بإدانة علياء عبد النور، وبمعاقبتها بالسجن لمدة عشر سنوات، اسـتنادًا إلى أدلة موثقة؛ أهمها اعترافها بتفصيلات الاتهامات التي أُسندت إليها، وبأسـماء أعضاء تنظيم القاعدة الإرهابي وقياداته الذين تواصلت معهم ونقلت رسائلهم المشفرة، والأماكن والتواريخ وقيمة المبالغ والأدوات التي أمدَّت بها التنظيم وأعضاءه.

اقرأ أيضًا: كيف صقلت الإمارات سياستيْها الداخلية والخارجية بمفهوم التسامح؟ أكاديمية إيطالية تجيب

وتتمتع الإمارات العربية المتحدة باستقرار أمني استثنائي جعلها في مصاف الدول الأكثر أمانًا في العالم، وقد عانت البلاد منذ السبعينيات حتى نهاية التسعينيات في القرن الماضي تغلغل الفكر المتطرف وتأثيرًا واضحًا للإخوان المسلمين في المؤسسات التعليمية والشؤون الإسلامية، واتخذت الإمارات منذ 2002 تدابير احترازية ضد الحركيين الإسلاميين مع مرحلة جديدة من النهوض والازدهار والانفتاح على مختلف الجنسيات والثقافات والديانات.

ومنذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، تعرَّضت الحركة الإسلامية العالمية لتحور باتجاه التقارب مع المنظمات المسلحة أكثر من أي وقت مضى. ومع الاضطرابات التي اكتسحت العالم العربي في عام 2011، انصهرت أطياف الحركة الإسلامية في بوتقة جعلت من الغالبية العظمى منها ذات مزاج ومخططات سياسية بطعم الدم والبارود. ومنذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر في يوليو عام 2013، عرف العالم العربي سلالة من الإرهابيين اندمجت فيها غالبية الحركات السياسية الدينية؛ وعلى الأخص “الإخوان المسلمين”.  

ومنذ 2009 حتى 2012 تمكَّنت السلطات الإماراتية من تحقيق ضربات أمنية ضد التنظيم السري للإخوان المسلمين، وعلى الأخص الجناح التكفيري الجهادي الذي خضع بعض أعضائه لمحاكمات غيابية؛ بسبب فرارهم خارج البلاد، بينما يقضي عشرات منهم أحكامًا بالسجن داخل البلاد. وشهدت السنوت التالية القبض على خلايا إرهابية في عدد من إمارات الدولة.

يُذكر أن السلطات الإماراتية ألقت القبض على علياء في منزلها في إمارة عجمان في 28 يوليو 2015، واتُّهمت بـ”تمويل الإرهاب”. وتورَّطت علياء عبد النور، حسب المتحدث الرسمي للنيابة العامة، بإنشاء وإدارة حسابات على المواقع الإلكترونية عملت عبرها كوسيط وناقل للرسائل بين عناصر تنظيم القاعدة، والترويج لفكر التنظيم، بالإضافة إلى تزويد أفراده بالمال والأدوات التي احتاجوا إليها عبر شركات الشحن التي أوصلتها إلى دول معينة، ومنها إلى الأفراد المستهدفين، كما اتُّهمت بنشر معلومات غير صحيحة عبر الإنترنت؛ بهدف الإضرار بسمعة وهيبة الدولة.

 ومنذ 2009، اعتمدت الحكومة الإماراتية استراتيجية أمنية شاملة؛ لحماية الناشئة واليافعين من تأثير الأفكار المتطرفة، عبر حزمة من السياسات شملت التعليم والتربية الدينية والترفيه.

اقرأ أيضًا: صحف دولية تشرح: هذا ما يميز عام التسامح الإماراتي.

ويقول خبير إماراتي لـ”كيوبوست”: “لقد استثمرنا طاقات الشباب في خدمة بلادنا وتقدُّمنا، ومنذ عِقد وحتى اليوم نحن راضون عن أنفسنا وفخورون بكل ما أنجزناه، لقد جعلَنا ذلك محط أنظار العالم والدولة العربية الأولى في مستوى الرفاه والعيش الكريم للمواطنين، ونحن الدولة الأكثر تسامحًا في المنطقة”.

تم تجنيد علياء عبد النور ضمن تنظيم القاعدة في الفترة التي شهدت المنطقة خلالها صعودًا لتنظيم (الدولة الإسلامية) داعش، وخفوت نجم تنظيم القاعدة بعد مقتل زعيمه أسامة بن لادن، في مايو 2011؛ حيث بلغ التنافس أوجه بين التنظيمَين المتنافسَين، واحتل تجنيد النساء في العمليات الإرهابية أوجه. وبدا أن الإمارات العربية المتحدة هدف سمين للتنظيم يمكنه عبرها إثبات وجوده وفاعليته وصدارته على ساحة الإرهاب العالمية.

 وأشارت النيابة العامة الإماراتية إلى أن عبد النور اعترفت بتفاصيل التهم الموجهة إليها، وذكرت أسماء أفراد التنظيم الذين تعاملت معهم والقيادات التي تواصلت معها، بالإضافة إلى الأماكن والتواريخ وقيمة المبالغ والأدوات التي زودت التنظيم بها. وذكرت مواقع محسوبة على الإخوان المسلمين أن علياء كانت ضالعة في جمع أموال لتنظيمات سورية مسلحة.

إدارة المستشفى تؤكد رفضها العلاج

 ذكر المتحدث باسم النيابة العامة، أحمد الحمادي، أن علياء عبد النور عانت تاريخًا مرضيًّا مع سرطان الثدي، وقد عولجت منه عام 2008 على نفقة الدولة، قبل أن يعود مجددًا إليها عام 2017 بعد إيقافها عام 2015 والحكم عليها بالسجن لمدة 10 سنوات؛ بسبب دعمها جماعات إرهابية في 15 فبراير من عام 2017.

وذكرت النيابة العامة، في بيانها، أن علياء عبد النور كانت ترفض العلاج، ولم تستجب للجلسات العلاجية، كما أن التقرير الطبي الأخير لمستشفى توام، الذي توفيت فيه علياء عبد النور، أفاد أنه لا يتوقع تحسنًا في حالتها؛ لأنها ترفض تلقِّي العلاج وتصر على موقفها.

اقرأ أيضًا: فشل تركي جديد في ابتزاز الإمارات

وتثير هذه الحادثة الفردية لسيدة في الأربعين من عمرها تورَّطت في دعم التنظيمات الإرهابية، قضية لا تزال تؤرق السلطات والمؤسسات العدلية والأجهزة الأمنية في العالم؛ وهي مسألة أخلاقية في جوهرها.. كيف يمكن للحكومات أن تكسب معركتها ضد الإرهاب في وقاية المجتمع من الإرهابيين، مع مراعاة الحالات الإنسانية الصحية في الأمراض الميؤوس الشفاء منها، التي ربما  تجعل مَن يعانونها أكثر إصرارًا وعزمًا على إنهاء خريف حياتهم في عملية انتحارية بشكل مشهدي، بدلًا من أن يتمتعوا بقضاء الأيام الأخيرة بين عوائلهم.

     وكانت المملكة العربية السعودية، الحليف الأقوى للإمارات العربية المتحدة، قد عانت مثل هذه الحالات المشابهة؛ ففي عام 2005 قام مراهق سعودي بتفجير نفسه في شاحنة مستهدفًا السفارة الأردنية في بغداد، إلا أنه نجا بأعجوبة بعد أن تعرَّض لحريق تسبب في تشويه كامل لجسمه، وإعاقة تامة. وقامت السلطات العراقية بتسليمه إلى السعودية وهو على شفير الهلاك. وحسب مصادر أمنية سعودية فإن “الحكومة تكفَّلت بعلاجه وإجراء عمليات تجميلية شاملة كلفت قرابة أربعة ملايين ريال سعودي، ومنحته حريته يتلقي الرعاية بين أهله وتحت إشرافهم، ولكن الأجهزة الأمنية رصدته وهو على كرسيه المتحرك بعد سنة ونصف السنة قريبًا من مصافي النفط في بقيق شرق السعودية، ضمن خلية تقوم بالتخطيط لتفجير المصافي”.

وفي لحظة تاريخية حاسمة يواجه العالم موجة مخيفة من الإرهاب وانبعاثه، وتوالد سلالات غير تقليدية من الإرهابيين؛ فإن مثل هذه الحالات تستوجب على الخبراء في علم نفس الإرهاب والقانونيين والمؤسسات العدلية، العمل ووضع نتائج دراساتهم الميدانية المتحصلة من المقارنة بين التأثير السلبي المدمر للحالات الصحية المميتة لذوي الميول الجهادية الانتحارية وحالات الاكتئاب الحادة التي يمر بها المتطرفون ذوو الميول الجهادية التي تجعلهم مرشحين كي يكونوا قنابل موقوتة.

 ويبقى التحدي الأكبر: كيف يمكن للحكومات حماية بيضتها وسلمها الاجتماعي، وضمان الاستقرار والحفاظ على الأمن، متجاوزةً الشعارات والنداءات الجوفاء التي تطالب بحقوق الإرهابيين وحرياتهم ومراعاة ظروفهم، من دون الالتفات إلى حقوق المجتمعات وحقوق الضحايا والآمنين؟

اقرأ أيضًا: الإمارات تكسب أمام قطر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة