الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

وسط مخاوف إقليمية.. الإمارات وتركيا تحسنان علاقاتهما

الانسحاب الأمريكي المتوقع من الشرق الأوسط دفع دول المنطقة للبحث عن خيارات بديلة

كيوبوست- ترجمات

عبد العزيز كيلاني♦      

في خضم التطورات الإقليمية والدولية والمتسارعة التي تلوح في أفق المنطقة، والتي يمكن لها أن ترسم خارطة جيوسياسية ربما تختلف بشكلٍ جذري عن تلك القائمة حالياً، نشر موقع معهد دول الخليج العربية في واشنطن مقالاً يقلم الباحث والكاتب البريطاني عبد العزيز كيلاني، يبحث في العلاقات الإماراتية التركية، والجهود الأخيرة المبذولة لإحياء هذه العلاقات بعد فترةٍ طويلة من الجفاء الشديد.

يبدأ كيلاني مقاله بالإشارة إلى التحسن الذي بدأ يظهر على علاقات البلدين منذ بداية العام الحالي، وإلى التحرك الذي يقوم به الجانبان نحو استعادة العلاقات في الأسابيع الأخيرة. ويشير إلى التصريحات الإيجابية المتبادلة بين وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، وإلى المكالمات الهاتفية واللقاءات التي تمت بين مسؤولين رفيعين من البلدين، وتوجت بمكالمة هاتفية نادرة بين الرئيس أردوغان والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد الإمارات، التي وصفها قرقاش بأنها كانت “إيجابية وودودة”.

ثم يشير كيلاني إلى العلاقات القوية التي جمعت تركيا ودول الخليج في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية القائمة على المصالح المشتركة، والخشية المشتركة من توسع نفوذ إيران الإقليمي بعد الثورة الإيرانية عام 1979. وبعد غزو العراق وتعزيز إيران لنفوذها في المنطقة، رأت دول الخليج في تركيا قوة موازنة لذلك النفوذ، ومعززة للاستقرار الإقليمي. وانعكس التعاون الاقتصادي في زيادة التجارة الثنائية، وفي توقيع اتفاقية جعلت من تركيا أول دولة تصبح شريكاً استراتيجياً رسمياً لدول الخليج.

اقرأ أيضاً: تفاهمات تركية- إماراتية تمهد للقاء قمة بين القيادتَين

ولكن احتجاجات الربيع العربي شكلت نقطة تحول في العلاقات الخليجية التركية، حيث دعمت تركيا الاحتجاجات، الأمر الذي أتاح لها تعزيز دورها الإقليمي من خلال علاقاتها مع الأحزاب الإسلامية التي سيطرت على السلطة بعد الإطاحة بالأنظمة السابقة، أو التي تلعب أدواراً مهمة في الدول التي تشهد اضطرابات. بينما تبنت الإمارات موقفاً أكثر حذراً تجاه الدعم المتزايد للإخوان المسلمين. وتجلت خطوط الصراع الجيوسياسي، مؤخراً في تونس، بعد أن أقال الرئيس قيس سعيّد رئيس الوزراء وأغلق البرلمان. ومع ذلك استمر حزب النهضة في تلقي دعمٍ كبير من أنقرة، بينما حاولت الإمارات دفع تونس بعيداً عن تركيا.

حكومة أردوغان تعتقد أن الإخوان المسلمين سيعودون بقوة إلى مصر خلال بضع سنوات- نورديك مونيتور

ويضيف كيلاني أن سوريا كانت مسرحاً للمنافسة التركية الإماراتية، حيث مكنت الحرب الأهلية تركيا من زيادة نفوذها في المنطقة، بينما عملت الإمارات على ردع أنقرة من خلال تغيير موقفها من حكومة الرئيس بشار الأسد، وإعادة فتح سفارتها في دمشق وزيادة مؤشرات التقارب، بما في ذلك مكالمة هاتفية بين الأسد وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، واستئناف الرحلات الجوية، وتصريح القائم بالأعمال الإماراتي في دمشق عن دعم بلاده للقيادة الحكيمة للأسد. كما أن مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لدولة قطر قد ساهمت في التباعد التركي-الإماراتي، حيث وقفت أنقرة إلى جانب الدوحة، واشترك البلدان في مواقفهما الإقليمية.

ويرى كيلاني أن العلاقات التركية الخليجية تخضع لعمليات إعادة ضبط وفقاً للظروف الإقليمية، ويشير إلى قول ديفيد ماك، السفير الأمريكي السابق في الإمارات في مقابلة عبر البريد الإلكتروني: “إن التقارب بين تركيا والإمارات منطقي من الناحية الاستراتيجية، ومن الممكن التحكم في الاختلافات السياسية بينهما من خلال الدبلوماسية الهادئة”.

اقرأ أيضاً: لماذا هاجمت إيران وتركيا اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي؟

من الواضح أن أنقرة وأبوظبي مهتمتان بتعزيز علاقاتهما الاقتصادية، التي كانت إحدى المواضيع التي تم بحثها أثناء زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي سمو الشيخ طحنون بن زايد إلى تركيا. كانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد تأثرت بالخصومة الإقليمية بينهما، حيث انخفضت صادرت تركيا إلى الإمارات من 9.2 مليار دولار عام 2017 إلى 2.1 مليار عام 2018.

في السنوات الأخيرة، عانى الاقتصاد التركي من صعوباتٍ بسبب جائحة كورونا، وفي الربع الثاني من عام 2020 شهد الاقتصاد انكماشاً تاريخياً. وعندما التقى أردوغان برئيس الوزراء الليبي المؤقت في إسطنبول، يقال إنه طالبه بسداد دين تركي لحكومته يبلغ أربعة مليارات دولار. ومن الممكن أن تكون الرغبة باسترداد هذا الدين هي أحد أسباب دعم تركيا لحكومة الوفاق الوطني.

أردوغان يلتقي برئيس الوزرء الليبي في طرابلس – وكالات

بدأت الإمارات وتركيا باتخاذ خطواتٍ جادة نحو تحسين علاقاتهما منذ انتخاب الرئيس بايدن. حيث كانت الولايات المتحدة تشعر بالقلق تجاه المنافسة الإقليمية بين تركيا والإمارات. وأشار ماك إلى أن الولايات المتحدة لديها علاقات صعبة، ولكنها مهمة مع كلا البلدين، وإلى أن هذه المنافسة لم تخدم مصلحة الولايات المتحدة، وأن واشنطن ترغب في أن تصبح خلافاتهما من الماضي.

كما أن الاحتمال المتزايد لتراجع الدور الأمريكي في المنطقة دفع العديد من دولها نحو خفض التصعيد مع جيرانها بسبب الشك في مدى دعم الولايات المتحدة لها في مواجهة التحديات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، أصيب حلفاء الولايات المتحدة بالذهول من غياب أي رد أمريكي عسكري على الهجوم بالطائرات المسيرة على منشآت النفط في إبقيق عام 2019. يقول كيلاني إن التقارب التركي-الإماراتي يبدو أنه جزء من جهد أكبر لرأب الصدوع في المنطقة، ومن هنا جاءت المحادثات السعودية-الإيرانية التي انطلقت في أبريل الماضي، وكذلك سعي تركيا إلى تحسين علاقاتها مع السعودية ومصر. ولا شك في أن الدعم السعودي لهذا الجهد في الأشهر الأخيرة قد لعب دوره في حسابات الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: أنور قرقاش: الإمارات تسعى مع حلفائها إلى التهدئة.. وتركيا تتصرف بعدوانية

هنالك تقارير عن رغبة أبوظبي بالمساعدة في إحياء علاقة أنقرة مع دمشق، ويمكن لتحسُّن العلاقات الإماراتية-التركية أن يساعد في هذا الأمر. وينقل كيلاني عن ديفيد ليش؛ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ترينيتي في تكساس، رأيه بأن العلاقة بين الحكومة السورية وتركيا من المحتم أنها ستتحسن، وأن دول الخليج المهتمة بتعزيز العلاقة مع سوريا تنتظر الضوء الأخضر من واشنطن التي تقوم حالياً بمراجعة سياستها نحو البلاد.

ويقول كاتب المقال إن هذه المحاولات لخفض التوتر لم تكن هي الأولى خلال العقد الماضي. حيث تبادل المسؤولون الإماراتيون والأتراك الزيارات عام 2016، وعينت الإمارات سفيراً لها في أنقرة، إلا أن هذه الجهود تراجعت بعد أن اتهمت تركيا الإمارات بدعم محاولة الانقلاب على أردوغان في نفس العام.

ويبدو أن الانسحاب الأمريكي المتوقع من الشرق الأوسط قد ترك دول المنطقة تبحث عن خياراتٍ بديلة، ويبدو أن الدبلوماسية قد ظهرت كخيار. لذلك يرى كيلاني أن التقارب الحالي يتمتع بفرص أفضل للاستمرار. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن البلدين سيصبحان “حليفين مقرَّبين” بين عشية وضحاها، وبدلاً من ذلك فمن المرجح أن توجه الاهتمامات والمصالح المشتركة مسار العلاقة.

♦كاتب وباحث بريطاني عربي مختص بقضايا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المصدر: معهد دول الخليج العربية في واشنطن

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة