الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

وساطة سعودية غير معلنة قد تكون خلف زيارة قطان إلى السودان

مراقبون للشأن الإفريقي يؤكدون لـ"كيوبوست" أهمية دور الرياض في لعب وساطة بين السودان وإثيوبيا

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

أثارت زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الدول الإفريقية؛ أحمد بن عبدالعزيز قطان، إلى السودان، الثلاثاء الماضي، الكثيرَ من الجدل السياسي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل؛ فبعض المحللين السياسيين يضعونها في سياق المُصرح به رسمياً، بينما يذهب بها آخرون إلى أجندات أخرى؛ بينها التوسط في النزاع السوداني- المصري مع إثيوبيا حول مسألة سد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا بدء عملية الملء الثاني له يوليو المقبل، بجانب التوسط في النزاع بين البلدَين على منطقة الفشقة السودانية.

أم بالنسبة إلى قطان، فقد أكد أن الزيارة التي جاءت بتوجيهاتٍ من خادم الحرمَين الشريفين، وولي عهده، تأتي في إطار توطيد العلاقات بين المملكة والسودان في مختلف المجالات، وتؤكد وقوف ودعم المملكة للحكومة الانتقالية في السودان؛ ليعود إلى مكانه الطبيعي بين دول العالم.

اقرأ أيضاً: السودانيون يثمنون جهود الإمارات في دعمها مسارهم السياسي والاقتصادي

خطوة جيدة وإن كانت متأخرة

بالنسبة إلى الدكتورة أماني الطويل؛ مديرة البرنامج الإفريقي بمركز “الأهرام” للدراسات الاستراتيجية، فإن زيارة وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية إلى السودان تُعتبر خطوة جيدة من المملكة، وإن جاءت متأخرة؛ إذ كنا نتوقع في مصر أن يكون هنالك تدخل، ليس سعودياً فحسب بل خليجي مبكر للضغط على إثيوبيا؛ نظراً لوجود استثمارات خليجية كبيرة في هذا البلد، ما يمثل ورقة ضغط مهمة كانت ستمنع وصول الأزمة إلى هذه المرحلة من الاستقطاب والحيلولة دون بلوغها “الوقت الحرج” قبل الملء الثاني.

د. أماني الطويل

تضيف الطويل، في حديثها إلى “كيوبوست”، أن سياسات إثيوبيا تجاه الإقليم “حوض النيل والقرن الإفريقي” تحتاج إلى أن تتبلور بشكل إيجابي؛ لأن كل اتجاهاتها سلبية، وفيها الكثير من التماهي مع الأجندات الدولية ضد المنطقة العربية بأكملها، وليس مصر أو السودان فقط، وهذا ما يجب أن تأخذه دول الخليج؛ وعلى رأسها المملكة، باعتبارها البلد الأكبر، في الاعتبار، بأن أي إيذاء للمصالح المصرية في هذه المرحلة هو خطوة أولى لإيذاء كل المصالح العربية.

اقرأ أيضاً: دعم الشعب السوداني.. موقف سعودي إماراتي ثابت

وحسب تقديرات مديرة البرنامج الإفريقي بمركز “الأهرام” للدراسات الاستراتيجية، ينبغي على النظام العربي ألا يعمل ضد بعضه البعض، وأن يتعاون لإحياء منظومة المصالح العربية المشتركة ومقولة الأمن القومي العربي؛ خصوصاً في ظل التغول الإقليمي على المصالح العربية؛ ليس من إثيوبيا فحسب بل من تركيا وإيران، فالفراغ الذي خلقه التطاحن العربي بدءاً من حرب الخليج، أو قبلها، أغرى بعض القوى الإقليمية المسلحة بأجندات دولية بالتسلل إلى المنطقة، والعمل ضد المصالح العربية وليس المصالح المصرية فقط، على حد تعبيرها.

رئيس الوزراء السوداني ووزير الدولة السعودي- وكالة السودان للأنباء

حقيبة قطان

ويقول الصحفي والمحلل سياسي المختص بشؤون القرن الإفريقي؛ أمير بابكر، متحدثاً إلى “كيوبوست”: ليس مُستغرباً أن تهتم المملكة العربية السعودية بالأحداث الجارية في منطقة القرن الإفريقي عموماً، والتطورات التي شهدتها العلاقات السودانية- الإثيوبية مؤخراً؛ والتي لا تزال تداعياتها ماثلة على الأرض. وتنطلق السعودية في هذا الخصوص من خصوصية علاقاتها بدول المنطقة، ودورها السياسي والدبلوماسي في المحيط الإقليمي والدولي.

بالنسبة إلى بابكر، فإن زيارة وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية أحمد بن عبدالعزيز قطان، إلى السودان وإثيوبيا، تأتي وهو يحمل داخل حقيبته أهمية المملكة كدولة تمثل ثقلاً في المنطقة، إضافة إلى أنه يأتي مدعوماً بالموقف العربي؛ حيث دعَت الجامعة العربية، وهي تبدي قلقها لهذه التطورات بين الجارتَين، إلى اللجوء للحوار لمعالجة هذا الموقف بالطرق السلمية، وبشكل يحترم سيادة السودان على كامل أراضيه، ويُعيد علاقات التعاون وجسور حسن الجوار بين الجانبَين.

أمير بابكر

ضوء أخضر من الولايات المتحدة

ويكشف بابكر لـ” كيوبوست” عن أن “المملكة ترمي بثقلها في هذا الملف بضوءٍ أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ اللذين يسعيان لمعالجة مثل هذه التوترات، لما لها من تداعيات على المنطقة ككل، وبالتالي على مصالح تهم تلك الأطراف.. فالاتحاد الأوروبي وواشنطن قدما السعودية لمعرفتهما بمزاج السياسات في هذه المنطقة، وأنها تمتلك المفاتيح للولوج عبر البوابات الصحيحة لإطفاء فتيل الأزمة، وإعادة العلاقات الطبيعية بين الدولتَين”.

اقرأ أيضاً: السودان وإثيوبيا.. حرب حدودية تقترب وأفق حوار مسدود!

ويشير المحلل السياسي أمير بابكر، إلى أن كل هذا الثقل الذي يمثله المبعوث السعودي في زيارته إلى الدولتَين يمُكنه من لعب دور مُهم في تليين الملف الساخن بينهما؛ فالمملكة تدرك أن اندلاع حرب حدودية بين الدولتَين الجارتَين لن تكون تداعياتها محصورة على الحدود بينهما، وإنما على كل منطقة القرن الإفريقي، فخلاف المصالح السياسية والاقتصادية للمملكة في المنطقة التي ستتضرر من أي اضطرابات محتملة، فإن تأثيرها سينتقل إلى ملفات مهمة تعمل عليها السعودية؛ على رأسها ملف أمن البحر الأحمر الذي تضع فيه كل جهدها ليظل ممراً آمناً تستفيد منه كل الدول، إلى جانب ملف الإرهاب الذي ظلت تعمل عليه طويلاً على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، لتأثيراته المباشرة عليها؛ وتضررها الكبير منه على مرّ العقود الماضية. وفتح جبهة حرب يُمكن أن تمتد آثارها إلى أطراف أبعد مما هو متوقع لها؛ يُمكن أن تُشكِّل مناخاً ملائماً لبؤر جديدة لتفريخ العناصر الإرهابية.

يعتقد بابكر أن الوساطة السعودية، وبهذا المستوى من الاهتمام والدعم، مؤهلة للعب دور إيجابي في الملف السوداني- الإثيوبي؛ فللمملكة علاقات جيدة مع الطرفَين على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي والشعبي، وبالتالي تمتلك كروتاً مُهمة تُمكنها من الدخل المباشر لوضع الموضوعات مثار الخلافات بين الطرفَين على طاولة الحوار بدلاً عن “مساحات الرمل”، على حد تعبيره.

رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان في استقبال قطان- وكالة السودان للأنباء

وساطة غير مُعلنة

من وجهة نظر الصحفي والباحث السياسي في شؤون القرن الإفريقي؛ خالد محمد طه، فإن زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الدول الإفريقية تأتي امتداداً لموقف سعودي قديم ومتجدد، فعندما استعرت أنفاس الخرطوم بُعيد عملية “فض اعتصام” الثوار أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني في 3 يونيو 2019، وبعد ثلاثة أيام فقط، قال وزير الدولة السعودي لشؤون الدول الإفريقية أحمد قطان: إن قيادة السعودية وشعبها وقفوا وسيقفون بجانب السودان حتى يستعيد أمنه واستقراره؛ ولم يكن في المشهد السوداني وقتها سيطرة لأية قوة غير “المجلس العسكري الانتقالي”.

خالد طه

يضيف طه، في حديثه إلى “كيوبوست”: هذا الموقف يتكرر الآن؛ لكنه يأتي في ظروف مختلفة، ربما أخطر من تلك، ومعه تتكرر أيضاً عودة الوسيط الإفريقي السفير محمد الحسن ولد لبات؛ من أجل محادثات نزع فتيل الأزمة بين السودان وإثيوبيا، بتفويض من الاتحاد الإفريقي.

اقرأ أيضاً: قراءة في دفتر أحوال اللاجئين الإثيوبيين الفارين إلى السودان

إذن، لا يمكن قراءة الموقف السعودي المُتجدد -وفقاً لطه نفسه- إلا في سياق تصريح وزير الدولة السعودي: “لن نسمح بدخول السودان إلى أتون الفوضى والاضطراب والحرب الأهلية التي لا تنتفع منها سوى قوى الإرهاب والتطرف والدمار”؛ لذلك ليس مستغرباً أن تضع المملكة ملف السلام في السودان على رأس اهتماماتها، وقطعاً لن يكون وقوف الرياض مع الخرطوم أثناء الفترة الانتقالية الراهنة عبر الاستثمارات فقط، وإن كانت تمثل أحد أهم الملفات؛ لكن هنالك ملفات لا تقل أهمية عنها متعلقة بأمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي، ومرتبطة بالحرب الإثيوبية/ الإثيوبية والمواجهات العسكرية بين السودان وإثيوبيا واحتمالات تحول الصراع الإثيوبي الداخلي إلى نزاع ذي صبغة طائفية وربما مذهبية أيضاً (سُنة/ شيعة)؛ وسط المجتمعات المسلمة نفسها، ثم تأتي مسألة الاستثمارات والسباق المعني بالسيطرة على الموارد والموانئ والمعابر البحرية والتعدين وغيره.

مريم المهدي وزيرة خارجية السودان تستقبل أحمد قطان- وكالة السودان للأنباء

مؤشرات مهمة

يستطرد طه: اللقاءات التي عقدها الوزير السعودي الزائر للسودان تشير إلى نوع الاهتمام؛ فقد التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو “حميدتي” الذي بيَّن استعداد الحكومة السودانية لاستقبال الاستثمارات السعودية وتهيئة البيئة المناسبة, وحسب بيان صادر عن مجلس السيادة الانتقالي السوداني؛ فإن اللقاء بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية والموضوعات ذات الاهتمام المشتركة، وهذه هي الجملة المفتاحية التي تلخص الزيارة؛ وهو ما يجعل أمر الوساطة بين السودان وإثيوبيا إحدى الأجندات غير المعلنة وأكثرها أهمية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة