الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

وزير الخزانة الأمريكي في الخرطوم.. كلمة السر في اتفاقيات أبراهام!

الوفد الأمريكي ناقش مع عبدالفتاح البرهان سراً موضوع المركز اللوجستي الروسي على المياه الإقليمية السودانية في البحر مبدياً قلقه إزاء ذلك

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لم تكن زيارة وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين، إلى السودان، الأربعاء 6 يناير الجاري، الأولى من نوعها منذ أن عادت مياه العلاقات بين الخرطوم وواشنطن إلى مجاريها بوتيرةٍ متسارعة عقب إطاحة الرئيس الأسبق عمر البشير، بثورة شعبية في 11 أبريل 2019؛ فقد سبقتها زيارة مهمة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في أغسطس 2020، مهدت لرفع العقوبات الأمريكية على السودان وإزالته من القائمة الأمريكية السوداء للدول الراعية للإرهاب، واستعادته بموجب ذلك لحصانته السيادية.

اقرأ أيضاً: كيف سيرد السودان على تهديدات الميليشيات الإثيوبية العابرة للحدود؟

وتأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي في وقتٍ استثنائي بالنسبة إلى البلدين؛ حيث تشرع الإدارة الجديدة في واشنطن برئاسة جو بايدن، باستلام مهامها من إدارة دونالد ترامب في عملية معقدة وشائكة، بينما يواجه السودان مخاضاً عسيراً في التحول الديمقراطي؛ حيث تعاني الحكومة الانتقالية المكونة من عسكريين ومدنيين انقساماً كبيراً تسبب في تعطيل دولاب عمل الدولة، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد شحاً في المواد الغذائية الأساسية والمحروقات وغلاء فاحشاً في المعيشة وخزينة فارغة.

تسهيلات وقروض واستثمارات

وكان بيان حكومي سوداني، صدر الأربعاء الماضي، كشف عن أن زيارة وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين، جاءت من أجل إجراء محادثات حول المساعدات الاقتصادية الأمريكية المستقبلية بعد شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأفادت وزارة المالية السودانية، في وقتٍ لاحق، أن السودان والولايات المتحدة وقَّعا اتفاقاً يوفر للخرطوم تسهيلات تمويلية من البنك الدولي تزيد على مليار دولار سنوياً.

اقرأ أيضاً: السودان خارج قائمة الإرهاب.. فهل ستعبر الحكومة الانتقالية به إلى بر الأمان؟

الصحفية والمحللة السياسية آمنة خليفة بابكر، أوضحت لـ”كيوبوست” أن كلمة السر في زيارة منوشين إلى الخرطوم تكمن في التوقيع على (اتفاقيات أبراهام)؛ تمهيداً لتطبيع شامل وكامل للعلاقات مع إسرائيل، يحصل السودان بموجبه على تسهيلات وقروض واستثمارات. وأضافت خليفة: تنص اتفاقات أبراهام التي وقَّع عليها وزير العدل السوداني نصر الدين عبدالباري، نيابة عن الحكومة السودانية، وستيفن منوشين، عن الجانب الأمريكي، على التعهد بالعمل على ترسيخ التسامح والحوار والتعايش بين مختلف الشعوب والأديان بالمنطقة، وتعزيز ثقافة السلام، وإفشاء ثقافة الحوار والتعاون بين الدول؛ لتنعم بحياة مستقرة ولتعيش شعوبها بكرامة، دون اعتبار للتمييز على أُسس عرقية أو دينية أو غيرها.

آمنة بابكر

التطبيع مقابل الدمج

واستطردت خليفة، في حديثها إلى “كيوبوست”، قائلةً: “في الواقع يمثل التوقيع على اتفاقيات أبراهام قاعدة للتعاون القادم بين الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل من جهة، والسودان من الجهة الأخرى، وتأتي كل الاتفاقيات الأخرى متناسلة من (أبراهام) التي يمكن تلخيصها في عبارة واحدة (التطبيع مقابل الدمج في المجتمع الدولي)، وبموجب ذلك -تضيف خليفة- وقعت وزارة المالية السودانية مع وزيرة الخزانة الأمريكية على اتفاق يُمكن الخرطوم من سداد متأخراتها لدى للبنك الدولي، وبالتالي الحصول منه على قرض سنوي يربو على مليار دولار سنوياً لأول مرة منذ 27 عاماً”.

اقرأ أيضًا: وفد إسرائيلي في الخرطوم.. والحكومة السودانية (لا تعلم)!

مقبض السلسلة

من جهته، وصف رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، على صفحته فيتويتر“، الزيارة بالتاريخية، قائلاً: “رحبتُ اليوم بالسيد ستيفن منوشين؛ كأول وزير للخزانة الأمريكية يزور السودان. تأتي هذه الزيارة في وقت تُحقق فيه علاقاتنا الثنائية قفزات تاريخية نحو مستقبل أفضل. نحن نُخطط لاتخاذ خطوات ملموسة اليوم لتدشين دخول علاقاتنا الثنائية”.

وكان منوشين انخرط في عدة اجتماعات ولقاءات مع رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ورئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك، وعدد من الوزراء والمسؤولين؛ بهدف مناقشة الوضع الاقتصادي والمساعدات التي ستقدمها الولايات المتحدة للسودان، إضافة إلى  إيجاد صيغة مناسبة لكيفية إعفاء ديون السودان لدى المؤسسات المالية العالمية؛ البالغة نحو 60 مليار دولار.

رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان ووزير الخزانة الأمريكي- وكالة السودان للأنباء

وفي تعليقها على الحدث، مُتحدثة إلى “كيوبوست”، وصفت المحللة السياسية والباحثة في علم الاجتماع السياسي هديل علي، الزيارة بمقبض سلسلة الاتفاقيات والزيارات المتبادلة بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية، لجهة أنها أسفرت عن إبرام اتفاقيات واضحة المعالم، يحصل السودان بموجبها على مزايا كثيرة، مقابل التطبيع التام مع إسرائيل، وليس أمام الحكومة الانتقالية السودانية، بشقَّيها المدني والعسكري، سبيل غير ذلك، فالبلد يعاني انهياراً كاملاً في كل مناحي الحياة، فثلاثون عاماً من حكم الإخوان المسلمين كانت كفيلة بإحداث خرابٍ غير مسبوق، لذلك فإن ما حصلت عليه حكومة عبدالله حمدوك، في هذا الصدد، يعتبر إنجازاً بكل المعايير، ولعل نجاحها في إنهاء وضع البلاد كدولة مارقة، يشفع لها تعثرها في بقية الملفات الداخلية؛ خصوصاً في ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.

اقرأ أيضاً: موطئ قدم لروسيا على ساحل البحر الأحمر في السودان

وزيرة المالية السودانية تستقبل نظيرها الأمريكي في مطار الخرطوم- وكالة السودان للأنباء

تضيف علي: بجانب اتفاقيات أبراهام، فإن الجانبَين وقَّعا على مذكرة تفاهم تلتزم خلالها الولايات المتحدة بمنح السودان قرضاً تجسيرياً، بمعنى أن تقوم بسداد متأخرات الخرطوم التراكمية لدى البنك الدولي؛ ما يسمح للسودان بالحصول على  تمويلات تصل قيمتها إلى مليار ونصف مليار دولار سنوياً، وستستخدم تلك القروض في تنفيذ مشروعات البنى التحتية وتطوير مشروعات التنمية المختلفة.

فضلاً عن ذلك، تواصل علي: فإن السودان سيتمكن من الحصول على تمويلات ومساعدات وقروض مُيسّرة من مختلف المؤسسات والصناديق المالية الدولية؛ بما فيها صندوق النقد والبنك الدوليان وبنك التنمية الإفريقي، وتوقع مختار أن بإمكان الخرطوم الحصول على موارد مالية مقدّرة لسد عجز الموازنة والوصول به إلى الحدود الآمنة؛ أي أقل من 3% من إجمالي الناتج المحلي. لكن مقابل ذلك لا بد للحكومة من الالتزام بالبرنامج الإصلاحي وفق رؤية الصندوق من خلال البرنامج الذي يراقبه موظفو الصندوق، وإعداد الوثيقة المرحلية عن استراتيجية خفض مستوى الفقر، ويتم التأكد من الشروع في التنفيذ وبعد مرور مدة زمنية في حدود عام واحد يتم الوصول إلى نقطة الانتهاء؛ حيث يتم الشروع في إعفاء فوائد الدين التعاقدية والمتأخرات (الفوائد الجزائية).

هديل علي

وكشفت علي لـ”كيوبوست” عن تسريبات من مجلس السيادة السوداني، تفيد أن الوفد الأمريكي ناقش مع عبدالفتاح البرهان، سراً، موضوع المركز اللوجِستي الروسي على المياه الإقليمية السودانية في البحر، وأبدى قلقه إزاء ذلك، بينما طمأنهم البرهان أن ذلك لا يعدو كونه نقطة دعم لوجِستي، وليس قاعدة عسكرية كما يروّج لها، وأن بإمكان السودان التعامل معها متى ما توفرت الظروف المناسبة، إلا أنه لم يرشح رسمياً ما يفيد مناقشة هذا الأمر، على الأقل حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: السودان.. التطبيع مقابل رفع العقوبات.. “صفقة رابحة أم خاسرة”؟

الخروج من ظلال الجماعة:

إلى ذلك، يتوقع خبراء اقتصاديون سودانيون، أن تواصل الإدارة الجديدة بالبيت الأبيض بزعامة جو بايدن؛ دعمها للسودان بشكلٍ أقوى من سابقتها، ولربما ستدعم المكون المدني في الحكومة الانتقالية؛ خصوصاً رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، أكثر من المكوّن العسكري بقيادة رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان؛ ما يُسهم في تقوية التوجه نحو التحول الديمقراطي، والحيلولة دون حدوث انقلابات عسكرية، أو عودة لجماعة الإخوان المسلمين، عبر النافذة الخلفية التي يفتحها العسكريون لها.

وفي انتظار استلام الإدارة الأمريكية الجديدة مفاتيح البيت الأبيض رسمياً، ينتظر السودانيون المزيد من الانفتاح السياسي والدبلوماسي على العالم، بعد أن ظلوا رهائن لأيديولوجيا الإخوان المسلمين، والجماعات السلفية المتشددة؛ ثلاثة عقود حسوماً، أُتلِفت وبُددّت خلالها الموارد، وانتشر الفساد والإرهاب، وأُحكم الحصار على المواطنين، وأُحيلت حياتهم جحيماً لا يُطاق، لا تزال ظلاله مؤثرة على مجمل الأوضاع في البلاد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة