شؤون عربية

ورقلة الجزائرية: لماذا ينتفض السكان في أرض الثروات الطبيعية؟

احتجاجات شعبية مستمرة

كيو بوست – 

تجددت التظاهرات الشعبية الغاضبة في ولاية ورقلة في الجنوب الجزائري، بوقع أشد خلال الأيام الأخيرة، امتدادًا لسلسلة أحداث شهدتها الولاية التي تعاني من واقع حياتي سيء وتهميش مستمر، ما يشبه -إلى حد كبير- مصير سكان مدينة البصرة العراقية التي تحتوي أكبر ثروة من النفط واحتج سكانها مؤخرًا على تردي سبل العيش.

المظاهرات التي خرجت بالآلاف تطالب بوضع حلول للبطالة المستشرية والتنمية الغائبة.

 

كيف تطورت الأحداث؟

لم تكن المظاهرات الآخذة في الازدياد إلا امتدادًا لسلسلة أحداث شهدتها الولاية، كان أبرزها وفاة الدكتورة عائشة عويسات بلدغة عقرب دون أن تتلقى العلاج اللازم.

وتعود انطلاقة الاحتجاجات في الولاية إلى عام 2011، بظهور ما سمي حينها “لجنة الدفاع عن حقوق البطالين أو العاطلين”، التي تشكلت لها فروع في العديد من محافظات الجنوب الجزائري على غرار ورقلة، والأغواط، وبشار، وغيرها من المناطق.

لكن عدم حدوث أي تقدم في مستوى المعيشة، دفع بالمظاهرات إلى التجدد وبشكل أكثر حدة.

في السابع والعشرين من تموز/يوليو 2018، أقدم محتجون على مقاطعة حفل غنائي بإقامة صلاة العشاء في المكان المخصص للحفل، ورفعوا بعد أداء الصلاة لافتات منددة بالتهميش والإقصاء والتمييز الممارس ضدهم عبر عقود من الزمن.

وطالب المتظاهرون بتوجيه الأموال المخصصة لهذه الحفلات لتنمية الجنوب. قبل ذلك أقدم السكان على مظاهر أخرى للتعبير عن الاحتجاج كخياطة الأفواه وتقطيع الجسد بشفرات الحلاقة، وأحيانًا بالتهديد بالانتحار.

وفي اليومين الأخيرين شهدت الولاية احتجاجات جديدة، حملت شعارات “لا عمل ولا سكن… خدعونا بحب الوطن”، و”الصامتون عن الجريمة مشاركون فيها”، و”لا خضوع ولا رجوع، التنمية حق مشروع”، و”الشعب يريد إسقاط الفساد”.

وتخلل الاحتجاجات مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة، مما أدى إلى سقوط جرحى من الجانبين.

 

ورقلة في سطور

تعتبر ولاية ورقلة في الجزائر أهم مركز للثروة النفطية في البلاد. وتبعد الولاية عن العاصمة الجزائر نحو 900 كيلومتر جنوبًا في الصحراء.

ويصل عدد سكان الولاية إلى 129.402 نسمة، ويطلق عليها الجزائريون “عاصمة النفط”. وقد شهدت موجة احتجاجات في السنوات الأخيرة على قرار الحكومة باستغلال الغاز الصخري.

 

لماذا انتفض السكان؟

يطالب سكان ورقلة بمشاريع تنمية تحسن من مستوى المعيشة والخدمات الصحية الاجتماعية، وخفض أسعار الكهرباء التي تثقل كاهلهم في الحر الشديد، وبفرص عمل أكبر في شركات النفط، وفقًا لتقارير.

فرغم الثروة النفطية الكبيرة، إلا أن سكان الولاية يعانون الأمرين في ظل غياب فرص التنمية، وتفشي نسب البطالة بين الشباب، وغياب فرص وأسباب الحياة الكريمة من خدمات صحية وترفيهية وتعليمية.

ويعاني سكان الجنوب الجزائري عمومًا من غياب البنية التحتية، وبشكل خاص المشافي، ويضطر السكان إلى التنقل للعاصمة من أجل العلاج، ما يمثل لهم كلفة بالغة ومشقة كبيرة، وهذا ما يفسر المطالب التي رفعها الأطباء المضربون منذ أشهر، الذين يرفضون العمل في مناطق الجنوب لغياب وسائل العمل، وفقًا لتقرير لمعهد واشنطن للدراسات.

وقالت الرابطة الحقوقية في الجزائر إن “الحكومة الجزائرية وضعت مخططًا تنمويًا ما بين 2015 و2019، الفترة التي تمثل عمر الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة من أجل تنمية مناطق الجنوب”، إلا أن هذا المخطط، تضيف المنظمة، “مجرد حبر على ورق”. وكشفت المنظمة أن “صندوق تنمية الجنوب لم يستغل منه سوى 3%، في حين تم تحويل الباقي لجهة غير معلنة”.

 

ماذا ردت الحكومة؟

لا يبدو أن الحكومة عازمة على إصلاح أوضاع سكان الولاية؛ فبعد 7 سنوات من أول احتجاج، لم يحدث أي تطور، ما دفع بالسكان للخروج إلى الشارع مجددًا.

ووصفت أطراف حكومية الاحتجاجات الأخيرة بأعمال شغب. إلا أن مراقبين يَرَوْن أنه بإمكان الحكومة، بدلًا من تجاهل الأزمة، أن تضع خططًا حقيقية للنهوض بواقع الولاية، من خلال الدفع بقطاع السياحة وتطويره، خصوصًا أن الجنوب الجزائري يتوفر على فرص سياحية هائلة، ما يسمح بخلق عدد كبير جدًا من فرص التشغيل للشباب العاطل عن العمل، وسيدفع تطوير السياحة بقطاع آخر هو الصناعات التقليدية، إذ يزخر الجنوب الجزائري بتراث غني جدًا للصناعات التقليدية، وهذا الأمر يوفر مداخيل كبيرة لاقتصاد البلاد ويمكنه أن يمتص نسبًا كبيرة من البطالة، وفقًا لمعهد واشنطن.

“كما يجب أن تولي الحكومة اهتمامًا متزايدًا بقطاع الزراعة في الجنوب، الذي يمكن أن يكون بديلًا حقيقيًا للنفط، إذ تمتلك العديد من المحافظات قدرات زراعية هائلة، سواء في ما يتعلق بالتمور أو الخضار والفواكه المختلفة، وخير مثال على ذلك محافظة وادي سوف التي كانت صحراء قاحلة، وباتت اليوم سلة غذاء للجزائر”، قال المعهد في تقريره.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة