الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

شعبان عبد الرحيم.. ليس مطرب اللحن الواحد

كيوبوست

مصطفى سعيد

المكان: بيت الأهل في طنطا.

الزمان: لا تسعف الذاكرة، أذكر أنه كان صيفًا؛ لكن أهو صيف 1986 أم 1987، لست أذكر!

الحدث: مجموعة من العمال في إحدى غرف هذا البيت في عمل قد يكون دهن الحوائط، ليست تسعفني الذاكرة أيضًا!

حينئذٍ، يقول أهلي إنني رغم حفظي للتواشيح وشديد إقبالي عليها وعلى منشديها؛ فإنني كنت مغرمًا بأغنية “لمِّي ضفايرك من ورا” للمطرب الجميل المرحوم رمضان البرِنس. وأذكر هذه الأغنية، وهي من العوالق في ذاكرتي مع بعض أغاني عمّ أحمد عدوية المُبهِج؛ لكن ما أذكره جيدًا، هذا الذي كان العمال الذين يُعرف عنهم في مصر بـ”الصنايعية”، أغنية أذكر منها “حبيبي لمّا بِعِدْ عن قلبي واتغيَّر”، من نغمة الحجاز؛ تبدأ بمقدمة تشبه الدولاب، تعزف فيها فرقةٌ تشبه المجموعات الشعبية المدنية حينئذٍ؛ أي التي كانت تُصاحب مشاهير الغناء الشعبي، مثل الأسماء التي ذكرنا، ويُضاف إليها المرحوم حسن الأسمر وعبد الباسط حمودة.. وغيرهم كثر، ثم يُحيي المطرب عازف الأكُرديون علي العرايشي، ثم المُبدع عازف الترمبِت سامي البابلي، بنفس طريقة كبيرهم حينئذٍ أحمد عدوية.

تلك أول ذكرى لي مع المرحوم شعبان عبد الرحيم، وبينما أكتب هذه الأسطر، حاولتُ إيجاد هذه الأغنية، فأنا حتى غير أكيدٍ من مطلعها؛ لكن اسمعوه وهو يقول فيها “سابني أقول آه” “آاااه”! ذكرتُ هذا المقطع في رأسي منذ بضعة أسابيع في إحدى مواقف الحياة، فكم هي غريبةٌ تلك المواقف التي تحضر فيها أغانٍ لا يتخيّل المرء نفسه يذكر سماعه إيّاها.

اقرأ أيضًا: الشيخ سيد درويش .. مع مصطفى سعيد

اليوم ونحن نودّع هذه الظاهرة، أقول:

النغم الشعبي هو ما ينشأ عن فطرة دون دراسة، وهذا حال من نودّع اليوم، الأكيد أنه كان يغنِّي منذ نعومة أظفاره، وإن كانت صنعته (كيّ الثياب) في مسقط رأسه بحيّ الشرابية بالقاهرة، لكنه لم يعرف نفسه مطربًا إلا وهو في أواخر عشريناته، أو وهو في الثلاثين، وهو على بساطة أدائه لمس في الناس قضاياهم ومشكلاتهم وتفاعلهم مع عصرهم؛ بل وأوجاعهم وأحزانهم. فمن لا يبتهج ويبتئس في آنٍ حين يسمع من نغمة السيكاه “يالّي نسيتني أنا مش حانساك”؟ وتفرُّعها اللحني لأنغام فرعية أدَّاها ببراعة منقطعة النظير؟

المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم

رغم أن الشهرة التي نالها المرحوم شعبان عبد الرحيم بأغانيه المتأخرة نسبيًّا، أعني تلك ذات اللحن الواحد من أمثال “باكره إسرائيل” وكل ما تلاها من أغانٍ لها ما لها وعليها ما عليها من التفاعل مع القضايا السياسية والاجتماعية، بل والتي كان هو في بعض الحوارات يشترك فيها في السخرية منها؛ فإن موهبته وفطرته تبرزان في أغانٍ مثل التي ذكرناها، بل ومثل هذه الأغنية “الفن كله صنايعية” التي يسخر فيها من كثير من المطربين ومن نفسه أيضًا.. تلك الروح الفطرية المرحة هي ما نالت الشهرة منها نغمًا، وإن استمرت في شخصيته المرحة خفيفة الظل حتى وفاته.

أذكر حين ذُكِر وسخر الناس منه عند المرحوم الأستاذ عمار الشريعي، قال لهم: “أصلكم ماقعدتوش معاه”؛ لكن مَن يشاهد فيلم “مواطن ومخبر وحرامي” يجد غير الشخصية المرحة تلك أن الموهبة الغنائية لم تنطفئ عنده، إنما كان قادرًا على حفظ الألحان والتنويع رغم اختياره عكس هذا في آخر عقدَين من حياته.

اقرأ أيضًا: حفلة غنائية لمحمد عبده في “بريدة المُحَافِظة” تُسَجِّل ترندًا عالميًّا (الحلقة الأولى)

رحمك الله يا عمّ شعبان ورزقك من معنى اسمك وتشعّب الناس لطلب الخير في شهر شعبان ومن رحمته يا بن عبد الرحيم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات