الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

وداعاً نتنياهو.. هل تستطيع إسرائيل بتحالفاتها الجديدة التغلب على إرث الماضي؟

كيوبوست – ترجمات

مارتن إنديك♦

شهد يوم 13 يونيو 2021 نهاية حقبة محورية في إسرائيل؛ فبعد اثني عشر عاماً كرئيسٍ للوزراء، تم التصويت على خروج بنيامين نتنياهو من منصبه بفارق ضئيل للغاية، واختار البرلمان بدلاً منه حكومة ائتلافية، بقيادة المحافظ نفتالي بينيت، والوسطي يائير لابيد. وسيكون نتنياهو أول مَن يدَّعي أنه فعل أكثر من مجرد الحفاظ على استقرار الوضع الاقتصادي، وهذا صحيح.

اقرأ أيضاً: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

فالواقع أن سياساته الشبيهة بالسياسات التي اتبعها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، والمتمثلة في الخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية، والتخفيضات الضريبية، وتقليل البيروقراطية، والإصلاحات المصرفية، فعلت الكثير لتعزيز النمو الاقتصادي وتمويل الصعود الإسرائيلي الكاسح في مجال التكنولوجيا الفائقة، على الرغم من أنها زادت من فجوة عدم المساواة.

وخلال فترة ولايته، تم خلق مليون فرصة عمل جديدة، ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50%، وتضاعفت الصادرات. وعلى الرغم من أنه أخفق في إدارة جائحة (كوفيد-19) في وقتٍ مبكر؛ فإنه نجح في تأمين عدد هائل من اللقاحات وتوزيعها بسرعة. كما استغل نتنياهو قدرات إسرائيل الاستخباراتية الهائلة، وبراعتها العسكرية، وسمعتها “كدولة ناشئة” لوضع بلاده في دور بارز على الساحة العالمية.

نفتالي بينيت يربت على كتف نتنياهو بعد التصويت على الائتلاف الجديد في الكنيست- القدس 2021- “رويترز”

وازدهرت العلاقات مع الهند والصين وروسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعاون الاستراتيجي مع الدول العربية؛ خصوصاً مع تصاعد التهديد الذي يتعرض له جيران إسرائيل من إيران وتنظيم الدولة الإسلامية، وتضاؤل ثقة هذه الدول في مصداقية الولايات المتحدة. وعلى الرغم من قطع العلاقات مع الأردن المجاور؛ فإن الإنجاز الأبرز الذي حققه نتنياهو كان تطبيع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، تحت مظلة اتفاقات أبراهام الموقعة عام 2020.

اقرأ أيضاً: مع رحيل نتنياهو لن تصمد اتفاقيات إبراهيم فحسب.. بل ستزدهر

وعلى الرغم من كل هذه الإنجازات، أصبح نتنياهو مع مرور الوقت أكثر نرجسية وغطرسة وارتياباً. وكانت تلك هي العيوب التي أدت إلى تراجعه، والتي تفسر أيضاً إخفاقاته في العلاقات مع الولايات المتحدة والفلسطينيين؛ حيث ترك كلتيهما في حالةٍ متردية. والآن، أصبحت حكومة بينيت/لابيد الجديدة، بأغلبيتها الضئيلة للغاية، مكلَّفة بإصلاح الضرر المتوارث.

محاولات يائسة

ومنذ وقتٍ مبكر، كان نتنياهو مقتنعاً بأن الصحافة عدو. وكان عازماً على التلاعب بالأخبار من خلال السيطرة على المنابر الإعلامية؛ حيث أقنع الملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون، بتأسيس صحيفة مجانية لبث رسائله، واستغل منصبه كوزير للاتصالات لتشكيل التغطية التليفزيونية والإنترنت. وقد قاده هذا الهوس إلى إساءة استخدام سلطاته وأسفر عن اتهامه، في عام 2019، بتهم الرشوة والفساد وخيانة الثقة. وخلال ذلك، أساء نتنياهو معاملة موظفيه ومستشاريه، لدرجة أن ثلاثة من أقرب مساعديه يدلون الآن بشهاداتهم ضده في تلك المحاكمة.

مؤيدو نتنياهو من اليمين الإسرائيلي خلال الانتخابات- “رويترز”

وفي محاولاته اليائسة لتأمين الأغلبية، جلب لاعبين جدداً إلى التيار السياسي السائد، فأضفى الشرعية على اليمين اليهودي المتطرف، وكذلك “رآم”، وهو حزب إسلامي عربي كان قد همشه سابقاً مع الأحزاب السياسية العربية الأخرى. وخلال هذه العملية، دبَّر نتنياهو سقوطه بنفسه: فأولاً، استخدم المتطرفون اليهود حق النقض ضد حكومة تضم عرباً، وبعد ذلك انضم الإسلاميون العرب، الذين اكتسبوا الشرعية حديثاً، إلى التحالف المناهض له.

اقرأ أيضاً: الدرس الإماراتي: لتغيير سلوك الإسرائيليين يجب إقناعهم بأن لديهم ما يخسرونه

والواقع أن الغرائز المدمرة للذات نفسها خربت علاقات نتنياهو بالولايات المتحدة، المصدر الأكثر أهمية لدعم إسرائيل، والتي لولا دعمها لما كان أي من إنجازاته على الساحة العالمية ممكناً؛ فقد كان ضمان دعم الحزبَين هو النهج الذي تم اتباعه بعناية من قِبل جميع رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين.

السلام المفقود

ولم تكن الدوافع المدمرة التي تحرك نتنياهو أشد ضرراً في أي ملف على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية مما كانت عليه في طريقة تعامله مع القضية الفلسطينية؛ ففي عام 1998، وخلال فترة ولايته الأولى كرئيس للوزراء، وافق على مضض على الصفقة المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو عام 1993 –الأرض مقابل السلام– وسلم على مضض 13% فقط من الضفة الغربية للحكم الفلسطيني.

يشكل عرب إسرائيل نحو 20% من السكان- “رويترز”

ومن خلال لجوء الفلسطينيين إلى العنف والتحريض، تلاعب نتنياهو بالرأي العام الإسرائيلي، ليعتقد أن ليس لديه شريك في الجانب الفلسطيني، وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تقديم أي تنازلات لدفع عجلة السلام. وفي إشارة إلى مدى نجاح هذا الجهد، لم تجرؤ أحزاب معسكر السلام اليساري على ذكر القضية الفلسطينية في الحملات الانتخابية الأربع الأخيرة.

اقرأ أيضاً: أنماط العلاقات العربيةالإسرائيلية ومستقبل السلام في ظل اتفاقات أبراهام

وأعقب ذلك تطبيع العلاقات مع ثلاث دولٍ عربية أخرى؛ ما مكَّن نتنياهو من إعلان أنه حصل على صفقات “السلام مقابل السلام” والتي لا تنطوي على أي تنازلات للفلسطينيين. وبذلك عزز الوهم بأن الإسرائيليين يمكن أن يحظوا بالسلام مع العالم العربي دون سلامٍ مع الفلسطينيين، حتى تم إطلاق 3440 صاروخاً عليهم من غزة في مايو 2021، وأدان معظم العالم الرد الإسرائيلي باعتباره مفرطاً.

بداية جديدة

وبلا شك توفر حكومة بينيت/لابيد فرصة لبداية جديدة. وسيكون هذا أول ائتلاف على الإطلاق يمتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ويضم حزباً إسلامياً عربياً ويستبعد الأحزاب اليهودية الأرثوذكسية. ومع شغل النساء تسعة مناصب وزارية من أصل 27 منصباً، فإن ذلك يقرِّب إسرائيل أيضاً من تحقيق المساواة بين الجنسَين في مجلس الوزراء. فما الذي يمكن لهذه الحكومة الجديدة، بأغلبيتها الهشة، أن تفعله لإصلاح الضرر الذي حدث في عهد نتنياهو؟

اشتباكات بين قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينيين في محيط المسجد الأقصى.. مايو 2021- “فرانس برس”

إن بينيت سياسي شاب، سريع الحركة، ولديه مهارات قيادية، وطموح، وقد أعلن أن جميع أعضاء ائتلافه سيتعين عليهم أن يكبحوا طموحاتهم الأيديولوجية قبل الدخول إلى قاعة مجلس الوزراء. وقد أظهر لابيد من جانبه استعداداً غير عادي لكبح غروره تجاه مهارته الجديرة بالإعجاب في تجميع هذا الائتلاف من الأضداد لصالح القضية العليا المتمثلة في عزل نتنياهو من منصبه.

وهما يثقان ببعضهما بعضاً وقد عملا معاً بشكل جيد في حكومة نتنياهو السابقة. وهدفهما على الأرجح هو تهدئة الأمور، كما يحرص القائدان على إثبات قدرتهما على تحقيق ما يهتم به الإسرائيليون؛ أي التعافي الاقتصادي من الجائحة؛ وتحسين الرعاية الصحية، والبنية التحتية والتعليم؛ والحد من الفقر (لا يزال أكثر من واحد من كل خمسة إسرائيليين، يعيشون تحت خط الفقر).

اقرأ أيضاً: بالمال والسلاح والسياسة: حقائق عن الدعم الأمريكي لإسرائيل منذ عقود

وفي إطار جهودهما الرامية للحفاظ على تماسك ائتلافهما، فإن بينيت ولابيد سوف يستفيدان من حقيقة أن نتنياهو لا ينوي تقبل الهزيمة دون مقاومة، وأنه سيكون حاضراً لتذكير شركائهما في الائتلاف بالسبب الذي دفعهما إلى العمل معاً للتخلص منه. وقد أعطى خطابه القبيح الذي ألقاه في مناظرة الكنيست قبل التصويت على الحكومة الجديدة -والذي قلل فيه من شأن بينيت، وادعى أن طهران ستكون سعيدة بتعيينه، وأظهر بايدن باعتباره خصماً- لمحة عما هو قادم. 

تحالف هش

ومع ذلك، فإن أية حكومة تتألف من هذه الدوائر المتباينة سوف تواجه تحدياً منذ البداية؛ فمع مثل هذه الأغلبية الضئيلة، يمكن لأي حزب من الأحزاب الثمانية في الائتلاف إسقاط الحكومة. وفي الوقت نفسه، تتقلص سلطة رئيس الوزراء بسبب حقيقة أنه يستطيع فصل أعضاء حزبه فقط من الحكومة، ولا يستطيع التصرف إلا بموافقة رئيس الوزراء المناوب.

نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مع بايدن في إسرائيل- “تايمز أوف إسرائيل”

وعلى نحوٍ مماثل، فإذا سمح مجلس الوزراء بالمضي قدماً في عمليات الإخلاء والهدم في القدس الشرقية العربية، وسمح للمتظاهرين اليمينيين بالانتشار في القطاعات العربية من البلدة القديمة -مما يسمح بتكرار السيناريو الذي أشعل التصعيد المتفجر في مايو الماضي- فسوف يجلب ذلك إدانة دولية واحتمال تجدد هجماتحماسالصاروخية. ولكن إذا ما منع هذا النشاط، فإن الضغوط على الأحزاب اليمينية في الائتلاف سوف تزداد، وسوف تعلن “حماس” انتصارها.

اقرأ أيضاً: بعيداً عن التعصب.. عهد جديد في الشرق الأوسط يشهد تحالفاً عربيًّاإسرائيليًّا

ومن غير المرجح بصفة خاصة أن يرحب رئيسا الوزراء بأية مبادرة لإعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية/ الفلسطينية حول اتفاق الوضع النهائي. وهذه ليست مشكلة بالنسبة إلى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، التي لا تعول كثيراً على هذه الفكرة؛ لكن بايدن سيرغب في رؤية بعض الخطوات الأولية المجدية في اتجاه حل الدولتَين، وهو ما يعارضه بينيت بشدة.

ففي الماضي، اقترح بينيت “الحكم الذاتي على المنشطات الاقتصادية” كبديل؛ حيث تشجع إسرائيل على إدخال تحسينات على الاقتصاد الفلسطيني، والبنية التحتية في الضفة الغربية، وإنشاء مناطق صناعية لتعزيز العمالة الفلسطينية.

الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين إلى جانب رئيس الوزراء نفتالي بينيت ووزير الخارجية يائير لابيد.. في صورة جماعية مع فريق الحكومة الإسرائيلية الجديدة- “رويترز”

وقد تبنى رؤساء الولايات المتحدة السابقون هذه الفكرة؛ ولكن خاب أملهم بسبب العقبات العديدة التي تعترض التنفيذ. بينما فريق بايدن لن يكون راغباً في عودة نتنياهو مقارنة ببينيت ولابيد، وهذا يعني أن كلاً من الجانبَين سوف يجد حافزاً قوياً لاختبار ما إذا كانت أفكار بينيت قادرة على توفير وسيلة للمضي قدماً؛ وهذا الأمر ينطبق على قضية خلافية أخرى، هي إيران.

اقرأ أيضاً: 3 مخاوف تحرك الأمريكيين: أسرار التغلغل الصيني فيإسرائيل

فعلى غرار نتنياهو، تعارض حكومة بينيت/لابيد خطط إدارة بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي. ووصف بينيت ذلك بأنه “خطأ” في خطابه الافتتاحي؛ لكن الحكومة الجديدة سترغب في إظهار قدرتها على إيجاد التوافق مع الولايات المتحدة وإعادة بناء إجماع واشنطن الحزبي على دعم إسرائيل.

وفي النهاية، هكذا أصبحت سياسات نتنياهو مثيرة للانقسام، وشعوره بالاستحقاق عظيماً لدرجة أن استبدال حكومة وحدة وطنية حقيقية به، من ثمانية أحزاب متنوعة تعمل معاً من أجل الصالح العام، سيكون بالتأكيد موضع ترحيب لدى العديد من الإسرائيليين.

♦زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية، ومبعوث أمريكي خاص سابق للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً «سيد اللعبة.. هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة