الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

وحيد حامد.. رحيل مبدع ترك بصمة في مواجهة الإرهاب والتطرف

كيوبوست

برحيل الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد (1944- 2021)، يفقد الفن المصري واحداً من أبرز رواده في الكتابة عن الفكر المتطرف والإرهاب؛ فعلى مدار مشواره الفني الممتد على نحو 5 عقود، اختار الراحل أن تكون مواجهة الإرهاب قضيته التي يعبر عنها في أعماله الفنية، ويحذر من مخاطرها، وينبِّه إلى تداعياتها على المجتمع، مع رؤية استشرافية تحققت ولو بعد عقود.

اتسمت أعمال وحيد حامد بجدية القضايا التي تناقشها؛ حتى في أعماله الكوميدية يمكنك أن تلمح بوضوح الرسالة التي يريد تقديمها، وهو ما أدخله في كثير من المشكلات والصدامات مع الرقابة المصرية التي عدلت أحياناً في نهايات أفلامه كما حدث في فيلم “النوم في العسل” أو في فيلم “البريء” الذي اقتطعت نهايته من العرض السينمائي، وشاهده أربعة وزراء قبل إجازة عرضه بعدما وصف الفيلم بالمحرض على النظام، بينما جاءت تجربته في “طيور الظلام” كواحدة من أكثر الأعمال التي عبَّرت بواقعية شديدة عن انتهازية جماعة الإخوان وفشلها.

وحيد في شبابه إلى اليسار وسط مجموعة من أصدقائه

تنوع في الإنتاج

في تجاربه الفنية التي بدأت من المسرح والإذاعة وانتقلت إلى السينما والتليفزيون، قدرة على التعامل مع مختلف الأجيال الفنية؛ فالرجل الذي بدأ حياته بالتعاون مع العمالقة، مثل: محمود مرسي وعادل أدهم في “طائر الليل الحزين”، قدَّم روائعه السينمائية مع عادل إمام، وأحمد زكي، ومحمود عبدالعزيز، ونادية الجندي، ونبيلة عبيد، وواصل عمله ليقدم تجارب عدة حتى مع الجيل الجديد؛ سواء مع هاني رمزي في بداية نجوميته بـ”محامي خلع” مطلع الألفية، مروراً بـ”الوعد” مع روبي وآسر ياسين، وصولاً إلى “قط وفار” مع محمد فراج.

قبل وفاته بأقل من شهر، عاش وحيد حامد مظاهرة حب وتقدير لمسيرته الفنية بعدما حصد تكريم مهرجان القاهرة السينمائي، وأُقيمت ندوة تكريمه بحضور تلاميذه ومعجبيه ومحبيه، ندوة تحدث فيها من القلب بالتزامن مع إصدار كتاب “الفلاح الفصيح” عن مسيرته الفنية، والذي أعده الناقد طارق الشناوي، متناولاً مسيرة الراحل وأهم محطاته الفنية.

وحيد حامد مع نجله المخرج مروان حامد

نجاحات وتعثرات

رغم تفاوت أعماله من ناحية الإيرادات في شباك التذاكر بالسينما؛ فإنه صاحب ظواهر مميزة عديدة، أهمها اضطرار قاعات العرض إلى بدء حفلات منتصف الليل في التسعينيات، مع تزايد الإقبال الجماهيري على فيلمه “سوق المتعة”، ولم يخجل من الاعتراف علناً بأن أحد أفلامه لم يخرج كما توقعه، وهو ما حدث في فيلمه “العربجي” بعدما قام بتقديم اعتذار عن مستوى الفيلم، ولم يعف نفسه من المسؤولية، وفي نفس الوقت لم يلقها على غيره.

من الأعمال التي شهدت اعتراضاً من وحيد حامد بعد تقديمها، فيلم “قصاقيص العشاق” لنبيلة عبيد، وهو من الأفلام التي بقيت فترة طويلة لم تخرج إلى النور، ولم يحقق أي نجاح عند عرضه، وقام وحيد حامد بحذف اسمه من شارات العمل؛ بسبب تدخلات المخرج سعد مرزوق، في التفاصيل وحذف وإضافة الكثير من التفاصيل.

جانب من ندوة تكريم وحيد حامد في مهرجان القاهرة

شروط خاصة

لم يرضخ وحيد حامد في مسيرته لشروط السوق وقواعدها، مفضلاً أن يخلق ضوابطه الخاصة في كل تجربة؛ فلا يتعاقد على عمل قبل أن ينتهي من كتابته، ولا يرضى بتنفيذ عمل بمستوى متواضع، وهو ما جعله يقوم بتأسيس شركة إنتاج من أجل تقديم بعض الأعمال التي يرى فيها المنتجون كلفة ومغامرة بدأها بفيلم “اللعب مع الكبار”، واستمرت شركته في تقديم أعمال مختلفة فنياً.

في حديثه مع الناقد طارق الشناوي، قال وحيد حامد إنه لم يكتب أي عمل لفنان، باستثناء مرتَين؛ الأولى لسناء جميل في فيلم “اضحك الصورة تطلع حلوة”، فكان يكتب الفيلم وهي أمامه، وقبلها كانت طلبت منه أن تعمل معه. أما المرة الثانية فعندما تورط من باب العناد مع نبيلة عبيد في كتابة سيناريو فيلم “الراقصة والسياسي”، فكانت نبيلة اشترت رواية إحسان عبدالقدوس وتبحث عن كاتب يحولها إلى عمل سينمائي، ووجدت في الرواية جملة “انت بترقص بلسانك وأنا بارقص بوسطي”، وكانت السبب في قبوله الفيلم.

الملصق الدعائي لفيلم الراقصة والسياسي

اشتهر وحيد حامد بالجلوس على ترابيزته في مطعم أحد الفنادق الكبرى المطلة على النيل يومياً، من الصباح الباكر وحتى بعد الظهر، الترابيزة التي كانت المكان الأشهر لجميع لقاءاته ومناقشاته وكتاباته. فرغم أن لديه غرفة مكتب كبيرة ومكتبة؛ فإنه لم يكن يحب الكتابة في المنزل، وقبل إنشاء هذا الفندق كان يجلس في أحد المقاهي الشهيرة بمنطقة وسط القاهرة.

كانت العلاقة بين وحيد حامد والرقابة أشبه بعلاقة القط والفار؛ خصوصاً في ما يتعلق بالتحايلات الكثيرة التي كان يلجأ إليها من أجل خروج أعماله إلى النور، لكن في بدايته اضطر منتج أول أفلامه “طائر الليل الحزين” إلى إضافة ثورة التصحيح بنهاية الفيلم؛ من أجل الحصول على موافقة الرقابة، وهو الموقف الذي جعله يشترط في تعاقداته اللاحقة أن لا يحدث أي تغيير في السيناريو.

 اقرأ أيضًا: حاتم علي.. رحيل مبكر لأحد رواد الدراما التلفزيونية العربية

هذا الشرط هو أحد أسباب رحيل وحيد حامد من المسرح؛ سواء المسرح الخاص أو مسرح الدولة، فهو لم يشعر بأن المسرح يعبر عنه بسبب تدخلات الممثلين في النص مع مرور ليالي العرض المختلفة، فيجد اسمه في الخارج على اللافتات، ولا يجد ما كتبه يُقال في الداخل.

الملصق الدعائي لمسلسل الجماعة 2

تاريخ الإخوان

عمل وحيد حامد على تأريخ إرهاب الإخوان من خلال مسلسل “الجماعة”، المسلسل الذي قدم جزءَه الأول في 2010، وتناول فيه حياة حسن البنا مؤسس الجماعة، ومُنع من العرض مع وصولهم إلى السلطة في مصر عام 2012، وفي جزئه الثاني واصل تقديم نهج الجماعة من خلال شخصية سيد قطب عام 2017، وصولاً إلى الجزء الثالث الذي كان يقوم بتحضيره ويتناول الفترة من 1970 حتى 1980؛ حيث لم ينتهِ من كتابته.

في الفارق الزمني بين الأعمال تعرَّض وحيد حامد إلى تهديدات تارة ودعم تارة أخرى؛ لكن الرجل فضَّل أن يكتب بطريقته وبهدوئه المعهود، فلم يستغل ضعف الإخوان أو قوتهم ليرصد تاريخهم، فهو يقدم الشخصيات كبشر؛ لكن بأفكار تفرض عليك رفضها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات