الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

وثائقي عن حرب اليمن يقلب الحقائق ويلعب على التناقضات!!

الحكومة اليمنية وجهت رسالة غاضبة إلى القناة الألمانية التي قامت ببث فيلم يمجد الحوثيين ويتعامى عن جرائمهم

كيوبوست

اتهم فيلم وثائقي الحكومة اليمنية والتحالف العربي بالعمل معاً على الأرض مع تنظيمي القاعدة وداعش، وهي اتهامات رفضتها الحكومة اليمنية الشرعية، من خلال وزير الإعلام والثقافة والسياحة الذي قال في سلسلة تغريدات “نعبر عن اعتراضنا على بث الفيلم الذي كال الاتهامات والتشهير دون أي أدلة”، موجها عبر السفير اليمني في ألمانيا رسالة شديدة اللهجة للجهة التي بثت الفيلم.

حمل الفيلم عنوان “حرب اليمن القذرة”، وبثت نسخته العربية القناة الألمانية دويتشه فيله (DW)، وهو يروي قصة محامٍ فرنسي، في مجال حقوق الإنسان، زار مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن؛ بغرض توثيق أدلة قضية كان قد رفعها في فرنسا. حيث سبق وأن رفع المحامي، ويدعى جوزيف بريهام، شكويين بارتكاب جرائم حرب ضد التحالف العربي.

اقرأ أيضًا: الطفولة في اليمن تئن تحت وطأة الحوثي

يُظهر الفيلم المتمردين الحوثيين كطرف ضحية، ويعطي صورة تقلِّل من شأن تمردهم على السلطة والجرائم التي يرتكبونها. يقدِّم الفيلم الكثير من المعلومات في سياقاتٍ مضللة أو غير دقيقة، بالرغم من أنه تناول أحداثاً حقيقية. وفقاً للفيلم، فإن الحرب في اليمن غالباً ما يتم تناولها من وجهة نظر “السعوديين والإماراتيين وحلفائهم”؛ لذا فإن الفيلم -كما يزعم- يحاول رصد آراء الأهالي في منطقة الحرب.

سياقات مضللة

يدعي الفيلم أن الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي ترأس حكومة فاشلة قبل أن يُطاح به من قِبل الحوثيين. ونتيجة لذلك “بدأ تحالف يضم الإمارات العربية المتحدة بقيادة السعودية بقصف البلاد عام 2015”. وفي حين أن المعلومات تقترب من الصحة، فإنها قُدمت في سياق مضلل. الحوثيون في الواقع قادوا تمرداً ضد الدولة، وتحالفوا مع الرئيس الأسبق، علي صالح، الذي أصبح عدواً لخَلَفه، وسيطر الطرفان على مقدرات الدولة العسكرية، والوزارات، بالقوة لأغراضٍ سياسية. ولولا تدخل التحالف العربي لكانت كل مناطق اليمن بيد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، التي شرعت بالفعل -حتى ذلك الحين- في تنفيذ عمليات قصف وقنص واغتيالاتٍ وحشية داخل مدنٍ مثل عدن والمكلا.

المحامي الفرنسي في صنعاء- لقطة من داخل الفيلم

جاء التمرد الحوثي، والتحالف مع الرئيس الأسبق، بدوافع دينية وانتقامية في الأساس. لكن الفيلم وصف دوافع الحرب بأنها اقتصادية ودينية، وأعطى وزناً أكبر للدوافع الاقتصادية، مدعياً أن الصراع هو بين الزيدية الشيعية، والسعودية السُنيّة الوهابية، والتي  تسعى للقضاء على النفوذ الزيدي، كما أنه صراع من أجل “ثروات نفطية في المنطقة”.

وحول الثروات النفطية والاقتصاد كمحرك للصراع، يقول محمد علي الحوثي متحدثاً في الفيلم “لدينا الكثير من النفط، أكثر من أوروبا”، ويزعم أن منطقة البحر الأحمر تحتوي على الكثير من الثروات النفطية والغازية. محمد علي الحوثي هو رئيس اللجنة الثورية لأنصار الله (الحوثيين)، وهو يزعم أيضاً أن أحد أسباب الحرب هو رغبة التحالف في الحصول على منفذ على البحر العربي، والسيطرة على باب المندب.

تجاهل الفيلم التهديد الإيراني المرتبط بالحوثيين. يمكن للتهديدات الأمنية، بغض النظر عن المذهب أو الدين، أن تؤدي إلى الحروب. ويمكن للدبلوماسية والمصالح المشتركة أن تحل السلام حتى بين أكثر الأنظمة اختلافاً فكرياً أو دينياً.

اقرأ أيضًا: وسام باسندوة لـ”كيوبوست”: استعراض جرائم الحوثي شجع الأوروبيين على تسريع وتيرة العقوبات

وبغض النظر عن الدقة التي تفتقر إليها ادعاءات الفيلم والضيوف، فإن ما يحاول الفيلم قوله هو أن الحوثيين ضحية أطماع الدول المجاورة، وأن تلك الدول مستعدة للقيام بأي شيء، بما في ذلك التحالف مع الجماعات الإرهابية لتلبية احتياجهم إلى ثروات اليمن، والقضاء على الزيدية الشيعية.

المدنيون هم الحجة الأساسية

يسعى المحامي الفرنسي، جوزيف بريهام، إلى جمع أدلة عن جرائم حرب في اليمن بحسب زعمه. وفقاً لـ جوزيف “لا يمكن للشرطة الفرنسية أن تأتي ولا القضاة، لكن لا بد لأحد أن يأتي”. يزعم الفيلم أن التحالف العربي حصل على أسلحة أمريكية وبريطانية وفرنسية استخدمت “ضد مدنيين”. وأن قنابل تجار الأسلحة من دولٍ مثل ألمانيا وإيطاليا “استخدمت لقتل مدنيين”.

مجلس العزاء المنكوب في صنعاء 2016- AP

وصف وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني المعلومات التي قدمها الفيلم بأنها تغفل عمداً الكثير من حقيقة الحرب التي يشنها الحوثيون، وأن الادعاءات والاتهامات التي تصوِّر الحرب بغير حقيقتها تشجع المتمردين الحوثيين على التمادي، وتمثّل ضرراً حقيقياً على الشعب اليمني. وبحسب الوزير اليمني، معمر الإرياني، فقد تم إيصال رسالة إلى مدير قناة دويتشه فيله، بالتنسيق والتعاون مع وزارة الخارجية اليمنية، وسفارة اليمن لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية. تعبر الرسالة عن تطلع الحكومة اليمنية إلى معالجة القناة لهذا الخلل، والاستماع إلى التوضيحات من الجهات اليمنية الرسمية.

حرب لا ترحم

لقد أدى الصراع في اليمن فعلاً إلى سقوط ضحايا من المدنيين، ويتحمل المتمردون الحوثيين الجانب الأكبر من المسؤولية؛ فهم، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة وغيرها من الجهات، مسؤولون عن عددٍ لا يحصى من جرائم القصف العشوائي واستخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد المحرمة دولياً، واستخدام المتفجرات المصنوعة محلياً ضد مدنيين.

يتلقى الحوثيون الأسلحة المهربة من إيران، وهناك جهود دولية لاحتواء تهريبها. كما يقوم الحوثيون بتصنيع بعض المتفجرات محلياً، بما في ذلك تحويل القذائف إلى ألغامٍ أرضية فتاكة تكفي لتدمير آليات عسكرية، لكن المدنيين الذين يقعون ضحية لها أكثر من تلك الآليات المستهدفة.

اقرأ أيضاً: كيف يقضي الحوثيون على التعليم والطفولة في اليمن؟

يستخدم الحوثيون كذلك ألغاماً بحرية في البحر الأحمر، استهدافاً لحركة التجارة العالمية، وقد فقد العديدُ من الصيادين المحليين حياتهم بسببها، ناهيك عن تعرض حركة الملاحة العالمية للخطر. يمكن أن يقع ضحايا من المدنيين في أي حرب. في حالة اليمن، وقع بالفعل ضحايا مدنيين، لا توجد أرقام دقيقة حول عددهم، كما يصعب -وأحياناً يستحيل- التحقيق في مثل هذه الحوادث. غالباً، يعترف التحالف بتلك الأخطاء. وأعلن أكثر من مرة عن إحالته الكثير من مثل تلك الحوادث إلى التحقيق ومحاسبة المسؤولين. وأكد التزامه بقواعد الاشتباك. لم يفعل الحوثيون أياً من ذلك رغم أنهم ارتكبوا انتهاكاتٍ لا تُحصى ضد المدنيين، بما في ذلك القنص داخل المدن.

جانب من جهود تطهير الأراضي من الألغام والقذائف- UNDP

قبل الحرب، وقع ضحايا من المدنيين -عن طريق الخطأ- بسبب هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار على أهدافٍ إرهابية داخل اليمن، في إطار الحرب على الإرهاب. ومع ذلك، فلم يكن هناك جهدٌ ذو بال من قبل الحقوقيين والمحامين لمحاسبة واشنطن، والدفاع عن المدنيين، كانت أنّات اليمنيين وحدها تهيم في فضاء من التجاهل.

لا يبدو أن المصالح التي يمكن جنيها من انتقاد الولايات المتحدة تفوق تلك التي يمكن جنيها من مهاجمة دولٍ؛ مثل السعودية والإمارات اللتين تصعدان بقوة في عالم من التنافس الإقليمي والدولي المحموم.

إرهابيون ومتمردون

وصف جوزيف بريهام الإمارات العربية المتحدة والسعودية بأنهما أفضل حليفٍ لفرنسا “في هذا الجزء من العالم”، وأضاف أن أكبر أعداء فرنسا هنا هما القاعدة وداعش. واستنتج أن الطرفين يعملان معاً على الأرض ضد الحوثيين. يصف الحوثيون هذا التحالف المزعوم أنه نتيجة صعوبة مقاتلة الحوثيين، وهي رواية تتفق مع الرواية الإيرانية تماماً، وتقدم المتمردين كمدافعين عن الحرية والعدالة.

توصل الفيلم إلى تلك النتيجة من خلال أقوال الأشخاص -بما في ذلك المسؤولون- الذين التقى بهم في مناطق سيطرة الحوثيين. بالاضافة إلى شهادة جندي سوداني أسير لدى الحوثيين، والذي زعم أنه كان يعمل مع السعوديين والحكومة اليمنية في حرس الحدود، وكان بين القوات اليمنية قوات تتبع حزب الإصلاح اليمني، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن.

اقرأ أيضاً: هل توشك قنوات الإخوان في اليمن على الزوال؟

أشار الفيلم كذلك إلى أن بعض أعضاء الحزب الإسلامي (الإصلاح) انضم إلى الجماعات الإرهابية، وأن علي محسن الأحمر، أحد زعماء الحزب، ونائب الرئيس السابق، لديه علاقات مع الإرهابيين.

صِلات الأحمر بالجماعات الإرهابية ليست جديدة، وارتباط حزب الإصلاح بالإخوان المسلمين ليس خافياً. عملت شبكة العلاقات المعقدة للدولة اليمنية العميقة، وثقافة القبائل اليمنية، وقانون حمل السلاح المتراخي، دوراً محورياً في إطالة الصراع. لقد أوقع ذلك الدولة في مأزق الشبهات، لكنه لا يعني شراكة دول التحالف مع تلك الجماعات؛ خصوصاً مع التوجه الواضح والصريح لمحاربة الإرهاب والإسلام السياسي.

علي محسن الأحمر- أرشيف

لقد أحدثت مشاركة زعماء مثل علي محسن الأحمر في السياسة اليمنية اضطراباً في علاقة الدولة بالحلفاء، ولعل من نتائج ذلك تنحيته من منصبه مؤخراً. لكن الفيلم، في الجانب الآخر، يشير إلى داعمي المتمردين الحوثيين كأبطال، ويتلقّف روايتهم الخاصة للحرب. أبرز مثال على ذلك هو المقابلة التي أُجريت مع رجل الأعمال والمتنفذ يحيى الحباري، الذي وُصف في الفيلم بأنه أحد داعمي الحوثيين، من خلال ثروته التي جمعها من العقارات والاستيراد والتصدير.

يسعى الفيلم لاستكشاف الرواية الحوثية، وجمع الأدلة كما يدعي، لكنه افتقد إلى الكثير من التوازن والدقة والحجج المنطقية، وبات أقرب إلى الدعاية الرائجة حول حقوق الإنسان، ونبذ دول الخليج العربي. ومع ذلك، فلا يمكن إغفال أن الفيلم استغل الثغرات التي فتحتها على نفسها وشعبها القيادات السابقة في الحكومة اليمنية، وفي مقدمتهم علي محسن الأحمر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة