الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

وباء لم نشهد له مثيلاً

يتساءل عالم البيولوجيا جوناثان غودمان: لماذا تسببت جائحة "كوفيد-19" في إشكاليات كثيرة مقارنة بالجائحات التي سبقتها؟

كيوبوست- ترجمات

جوناثان غودمان♦

“لم يسبق له مثيل”، هل كانت هذه الجملة هي الأكثر استخداماً خلال عام 2020؟ لا شك أن جائحة “كوفيد-19” كانت لها سلسلة غير عادية من النتائج؛ فمن تحول ورق الحمامات إلى سلعة نادرة مهمة، إلى تحول المصافحة إلى أمر مستهجن، إلى إغلاق المدارس، ووضع دول بأكملها في حالة إغلاق. ولكن البشرية لطالما وجدت نفسها في مواجهة مع الأوبئة، فهل يختلف هذا الوباء عن غيره بالفعل؟ هذا السؤال يستحق أن يُطرح.

 أخيراً، بدأ استخدام اللقاح المضاد، ولاح لنا ضوء في نهاية النفق المظلم، من المؤكد أن الحكومات والمنظمات والأفراد قد ارتكبوا أخطاء أثناء محاولاتهم التعامل مع “كوفيد-19”. وربما يحق لنا أن نلتمس عذراً عن تلك الإخفاقات؛ حيث اتضح خلال السنة الماضية أن لهذا الوباء خصائص غير اعتيادية، ترافقت مع النمط العصري لحياتنا، فأنتجت جائحة هائلة.

لقد واجهتنا تحديات غير مسبوقة؛ سواء على صعيد تقييمنا لقرارات الإغلاق الشامل، أو على صعيد المخاطر الشخصية، أو على صعيد اكتشاف كيف ومن أين أتى هذا الفيروس، وما مصيره.

اقرأ أيضًا: لقاح كوفيد يكشف عن ثغرة في عدالة التوزيع العالمي

معضلة الإغلاق الشامل

عندما بدأت ترشح الأخبار في يناير 2020 عن فرض إغلاق شامل لمدينة ووهان الصينية في محاولة لاحتواء الوباء ووقف انتشاره، لم يتوقع الناس في الدول الأخرى أنهم هم أيضاً سوف يواجهون القيود نفسها.

صحيح أن الإغلاق التام لطالما استُخدم كسلاح في مواجهة الأمراض المعدية، منذ إغلاق قرية إيم الإنجليزية لمواجهة الطاعون في عام 1665، إلى الإجراءات المتخذة في غرب إفريقيا في القرن الحادي والعشرين للحد من تفشي وباء إيبولا؛ ولكن قبل عام من الآن لم يكن لأحد حتى أن يتخيل أن حكومات منتخبة ديمقراطياً قد تفرض قيوداً على حرية حركة جميع مواطنيها.

مشهد غير مسبق في شوارع نيويورك المدينة التي لا تنام- “نيو ساينتيست”

ما يميز جائحة “كوفيد-19” عن الجائحات التي سبقتها، هو معدل الوفيات المنخفض. لم تفرض أية دولة إغلاقاً شاملاً بسبب الإنفلونزا الموسمية (التي تتسبب في وفاة نصف مليون إنسان في العالم كل سنة)، فما المعايير لاتخاذ قرار الإغلاق؟ إن معدل وفيات المصابين بفيروس “سارس-كوف-2” (الفيروس المسبب لمرض “كوفيد-19”) بالتأكيد أعلى من معدل وفيات المصابين بالإنفلونزا؛ حيث تشير أغلب التقديرات إلى نسبة وفاة واحدة من كل 100 إصابة؛ ولكن من الصعب جداً التوصل إلى نسبة دقيقة بما أن الإحصاءات تتراوح ما بين 0.5% إلى 3%. ولكن يظل “كوفيد-19” بكل تأكيد أقل فتكاً بكثيرٍ من وباء إيبولا الذي إذا لم يعالج تصل نسبة الوفاة فيه إلى 80% من المصابين. لذلك لم يتمكن صناع القرار دائماً من معرفة ما التصرف الصائب. “إنه أمر محير للغاية بالنسبة إلى الحكومات” على حد قول ديفي سيرندار، أستاذ الصحة العامة في جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، الذي يقول “لو كان الأمر مشابهاً لتفشي وباءي (ميرس MERS) أو (سارس SARS ) اللذين أهلكا 33%، و10% من المصابين على الترتيب؛ لتمكن الجميع من التصرف بحزم وفرض إغلاق شامل بلا تردد، ولكن الحكومات تظن أن مَن يقيِّم أداءها هو الوضع الاقتصادي وليس كوفيد”. وما يزيد من تعقيد المعضلة هو أنه بإمكاننا أن نجري محاكاة تظهر نسبة الوفيات إن لم يتم فرض إغلاق شامل، فيواجه صناع القرار السؤال المحير: ما التصرف المناسب على ضوء هذه المعلومات؟ وهم يدركون أنهم أمام خيارَين؛ أحلاهما مر، ولكل منهما تبعاته.

يضيف سيردار: “المحاكاة قد تقدم فائدة كبيرة؛ ولكن لا قيمة لها في صنع القرارات، فالعامل الرئيسي في اتخاذ القرارات هو العامل السياسي وليس العلمي. تحركت نيوزيلندا بقيادة رئيسة الوزراء جاسيندا آردرن، لتتعامل مع هذا الوباء وكأنه بخطورة سارس، مقارنة بالسويد التي حاولت أن تتوصل إلى حالة مناعة القطيع، فتعاملت معه كما لو أنه إنفلونزا عادية”.

عالمياً كان معدل الوفيات أقل لدى الدول التي اتخذت تدابير حازمة ومبكرة؛ ولكن الصورة ليست بهذا الوضوح، حيث إننا لن نعلم علم اليقين أية استراتيجية كانت الأنجع إلا بعد انتهاء هذه الجائحة.

اقرأ أيضاً: لقاح أكسفورد يبصر النور.. وبريطانيا تبدأ اليوم حملة التلقيح الوطني

اختلاف درجة الخطورة

يمكننا عادة أن نميز مَن هم الأكثر عرضة للخطر عند إصابتهم بمرض معين ونكتشف الأسباب الكامنة وراء ذلك؛ فلو أخذنا على سبيل المثال جائحة الإنفلونزا عام 1918 التي كانت أكثر فتكاً عند الفئات العمرية ما بين 20- 40 مقارنة بالأكبر سناً على عكس أغلب أنواع الإنفلونزا الموسمية، اكتُشف سببان لذلك؛ أولاً اكتظاظ الجنود الشبان في الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى، والسبب الثاني هو المناعة التي تميز بها الأكبر سناً نتيجة تعرضهم إلى أنواع من فيروسات الإنفلونزا سابقاً؛ ولكننا نقف حائرين أمام “كوفيد-19″، بسبب التنوع بين الذين يعانون أعراضاً شديدة للمرض.

قائمة جديدة من القيود تفرضها سلطات أونتاريو- كندا- “سي تي في نيوز”

أظهرت دراسة قامت بها مجموعة تطلق على نفسها اسم “أوبن سيفلي”OpenSAFELY ، باستخدام طريقة مبتكرة تعتمد على تحليل البيانات الصحية لعدد هائل من المرضى في إنجلترا، أنه ليست هنالك أية فئة ديمغرافية لا يشكل عليها “كوفيد-19” خطراً مميتاً.

هناك كثير من العوامل التي ارتبطت بارتفاع معدل الوفيات؛ فمثلاً الذين تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين، معرضون إلى الخطر أكثر من الشباب، ومعدل الوفيات عند الرجال أعلى منه عند الإناث، وتميز المصابون من الأقليات العرقية بكثرة الحالات الشديدة. ليس لدينا أي تفسير لكل ما سبق، كما أننا لا نعرف على وجه التأكيد لماذا تزيد احتمالية موت المصاب بكوفيد إن كان يعاني أمراضاً أخرى؛ مثل الاضطرابات الرئوية، وأمراض القلب، ومرض السكري. وأيضاً لا ندري لماذا تستمر أعراض الإصابة بـ”كوفيد-19″ لفترات طويلة عند البعض.

اقرأ أيضاً: المسنون أم العاملون الأساسيون.. مَن يجب أن يحصل على لقاح فيروس كورونا أولاً؟

هنالك عدد كبير من الفرضيات لتفسير ما لوحظ من أنماط مختلفة وعدم الاتساق؛ لكن كما جاء في مقال نشرته مجلة “نيتشر” فإن “كوفيد-19” قد شكل أحجية لجهاز المناعة. وما يتوفر لنا من معلومات يدفعنا لإعطاء الأولوية للقاح؛ ولكن بعد شهور من الأبحاث المكثفة لا نزال لا نملك تفسيراً لماذا يعاني بعض المصابين أعراضاً شديدة، بينما هنالك من لا يظهر لديهم أي أعراض.

العدوى الخفية

ظهر في المملكة العربية السعودية في عام 2012 مرض جديد يتسبب فيه فيروس تاجي. كان ذلك المرض -ميرس MERS- أشد خطورة من “كوفيد-19” بكثير؛ ولكن انتقاله بالعدوى أقل بكثير، لأن البشر يلتقطونه من الإبل، وهي حيوانات نادراً ما يتعامل معها أحد منا. بينما الفيروس الجديد “سارس-كوف-2” -المسبب لمرض “كوفيد 19”- فإنه ينتقل من شخص لآخر. ونمط الحياة المكتظ وولعنا بالسفر عبر القارات يفسران سبب انتشاره عالمياً بهذه السرعة خلال أشهر قليلة من ظهوره لأول مرة في الصين.

الصين تفرض الإغلاق الكامل على مدينة يبلغ عدد سكانها أكثر من أربعة ملايين نسمة بعد ظهور حالة واحدة من “كوفيد-19”- وكالات

ما زال بعض الغموض يلف كيفية انتقال هذا الفيروس؛ ولكن الأكثر انتقالاً يكون عبر الجزيئات المحمولة في الهواء، ونعلم أن التعرض إليها يكون في الأماكن المغلقة أكثر من الأماكن المكشوفة؛ ولكننا لا نعرف المسافة التي تتمكن هذه الجزيئات من اجتيازها، أو كم المدة التي يبقى فيها الفيروس معدياً في الهواء. كما أنه لا توجد أدلة كافية تشير إلى مدى خطورة انتقال العدوى من الأسطح. بعض الدراسات تشير إلى أن الفيروسات التاجية قد تحتفظ بقدرتها على الانتقال من الأسطح البلاستيكية لمدة أسبوع تقريباً، بينما بعض الدراسات تعتبر أن احتمالات انتقال الفيروس من الأسطح إلى البشر قليلة جداً.

في بداية انتشار الوباء، كان هنالك انقسام في الرأي في الوسط الطبي حول فعالية ارتداء الكمامة. الآن بتنا نعلم أن ارتداء كمامة يؤمن حماية لمرتديها، وللآخرين حوله؛ خصوصاً في الأماكن المغلقة، بسبب خصائص هذا الفيروس الذي يمكن التقاطه من أشخاص لا تظهر عليهم علامات المرض. وجدت الأبحاث التي أُجريت في البداية أن نحو 75% من حاملي الفيروس لا تظهر عليهم أعراض المرض؛ ولكن مؤخراً أظهرت دراسة أُجريت في ديسمبر الماضي أن النسبة قد تكون أقل من ذلك. وبغض النظر؛ فالأمراض المعدية الأخرى مثل الإنفلونزا، فإن غالبية المصابين تظهر عليهم علامات المرض، ولو بشكل بسيط، كما أن الذين لا تظهر عندهم أعراض المرض نادراً ما ينقلون المرض إلى غيرهم.

أغلب المصابين بالأمراض المعدية يعزلون أنفسهم تلقائياً؛ إما باختيارهم وإما لأنهم أضعف من أن يتنقلوا، الأمر الذي يضعف احتمال انتقال العدوى بالرذاذ. أما فيروس كورونا فإن انتقاله من أشخاص لا تظهر عليهم أعراض المرض يجعل انتشاره أسرع، ويصعّب علينا تتبع انتشاره، وكما يقول سريندار: “إن تتبع الفيروس وإجراء الفحوصات يعتمد على هؤلاء الذين يراجعون بعد أن تظهر عليهم أعراض المرض”.

اقرأ أيضاً: بوادر إيجابية حول تجارب لقاحات فيروس كورونا

التحور الغامض

ليس هنالك من شك في أن هذه الجائحة ابتدأت في أو بالقرب من مدينة ووهان الصينية؛ لكن إخفاء المعلومات، ومن ثمَّ نظريات المؤامرة، والأجندات السياسية، حالت دون أن نتمكن من اكتشاف كيف انتقل هذا الفيروس إلى البشر في بداية الأمر. نعلم أن الخفافيش المحلية هناك تحمل فيروسات تدل جيناتها على أنها من أسلاف “سارس-كوف-2” (SARS-CoV-2)، إحدى النظريات تقول إن شخصاً يعمل في مجال تجارة الحيوانات البرية أو في تشجير الغابات، كان قد تلقى الفيروس ونقله إلى المدينة، ونظرية أخرى تقول إن سوق هوانان للأسماك المزدحمة في مدينة ووهان (حيث يتم بيع الحيوانات البرية والداجنة) قد شكلت البيئة المثالية لتطور الفيروس، وتمكنه من التأقلم مع العيش في حواضن جديدة، وكان البشر إحدى تلك الحواضن. ومن ثم ظهر أمر محير آخر؛ حيث إنه حسب نظرية التطور، من المتوقع أن العوامل المسببة للمرض المنتقلة من شخص إلى آخر تصبح أقل فتكاً مع مرور الزمن؛ لأن المرض الذي يقتل بسرعة سوف يقلل من وجود مَن يشكِّل حاضنة له، فيتلاشى شيئاً فشيئاً.

قفزات كبيرة في الفهم العلمي لـ”كوفيد-19″- “بي بي سي”

على الرغم من أن فيروس “سارس-كوف-2” SARS-CoV-2)) يعتبر مستقراً بشكل استثنائي حتى الآن؛ فإن الأمر قد يتغيَّر، فقد ظهرت طفرتان مؤخراً؛ الأولى وكانت أغلب حالاتها في المملكة المتحدة، والأخرى أطلق عليها اسم النوع الجنوب إفريقي، وهذا ما يثير القلق. وبالإضافة إلى هاتين الطفرتَين هنالك بعض المزاعم عن حالات من المرضى أُصيبوا بالمرض مجدداً؛ مما يدل على أنهم قد تلقوا إحدى طفرات الفيروس.

عند ظهور الأوبئة سابقاً كانت هنالك فجوة علمية عميقة حول أصل المرض وانتشاره، والأمر ينطبق على هذه الجائحة أيضاً. بالإضافة إلى أننا نواجه معضلة أخرى، وهي فائض المعلومات، فقد نشرت الدراسات الأكاديمية عشرات الآلاف من النشرات عن “كوفيد-19″؛ فالمرء سيحتاج إلى أن يقرأ المئات منها يومياً، حتى يظل على دراية بكل المستجدات. ويترافق هذا مع الخصائص البيولوجية لفيروس “سارس-كوف-2” SARS-CoV-2))؛ ما يجعل هذه التخمة من المعلومات عقبة تصعّب على العلم إيجاد تفسيرات.

وعندما يختلف العلماء في الرأي، فإنه من الطبيعي أن تكثر المعلومات المغلوطة بين العامة، ومن الصعب على الحكومات أن ترسم خطة صحية محكمة؛ فلا عجب إذن من انتشار نظريات المؤامرة. ولم تنجح الكثير من الحكومات في إيصال المعلومات بشكل فعال إلى مواطنيها، ونتج عن ذلك كله أن الناس باتوا يعتمدون على فطنتهم في تقبل واختيار المعلومات، كما باتوا مرتابين بأن هنالك أهدافاً سياسية خلف التصريحات العلمية حتى بعد أن أصبح اللقاح متوفراً بشكل واسع.

لا بد لنا من أن نتعلم كيف نتعامل مع المخاطر وعدم اليقين؛ لنتمكن من التغلب على هذه الجائحة الغريبة.

♦جوناثان غودمان: باحث في مركز دراسات التطور الإنساني في جامعة كامبريدج.

المصدر: نيوساينتيست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة