الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

واقع ومستقبل الاقتصاد التركي

على الرغم من أن محاولات البنك المركزي الفاشلة في الحد من تدهور العملة اقتصرت على ضخ بضعة ملايين من الدولارات.. فإن الاحتياطي التركي ينضب بسرعة في ظل ضغط الديون الحكومية على البنوك التركية

د. تانيا كلاّب♦

مقدمة

بفضل العوامل السياسية والاقتصادية، كان الأداء الاقتصادي لتركيا مثالياً خلال العقد الماضي؛ ما أدى إلى زيادة فرص العمل ومتوسط الدخل. وأصبحت تركيا، التي يبلغ عدد سكانها 83 مليوناً وناتجها المحلي الإجمالي 761 مليار دولار، واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في قطاعَي الصناعة والزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي السنوات القليلة الماضية حولت البلاد تركيزها إلى قطاع الخدمات، وبالتحديد السياحة والنقل والاتصالات. إلا أن تركيا زادت اعتمادها على القروض الأجنبية في ظل تنامي نقاط الضعف السياسية والاقتصادية التي كانت تهدد هذه الإنجازات.

ونتيجة لذلك، فقد أدى الاقتراض المفرط إلى زيادة في عجز الميزان التجاري وعجز في الميزانية الحكومية، وإلى التعرض لزيادة الديون بالعملات الأجنبية ونقص في الاحتياطيات النقدية. وقد تفاقمت هذه الأزمة الاقتصادية والمالية متعددة الأوجه؛ بسبب سوء إدارة السياسات المالية والنقدية التوسعية. وأقل ما يُقال عن هذا العام أنه كان قاسياً على الاقتصاد التركي. فالوباء العالمي المصحوب باضطرابات في آلية العرض والطلب، وتصاعد عدم الاستقرار السياسي والتوترات مع الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى التدخلات العدوانية للرئيس رجب طيب أردوغان، في العديد من الصراعات الإقليمية، كلها عوامل سلبية تؤثر مجتمعة على المشهد الاقتصادي.

شاهد: فيديوغراف.. اقتصاد تركيا يتهاوى مع اقتراب الانهيار

الوضع الاقتصادي الحالي

في نظرة سريعة على الواقع الاقتصادي لتركيا لعام 2020، سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً بنسبة 1.5% مع توقعات بزيادة هذا الانكماش إلى 3.8%، وانخفاضاً في الميزانية يقدر بنحو 24 مليار دولار أو ما يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي لسد العجز المالي الناتج عن انخفاض الصادرات وزيادة الواردات، وتراجع النشاط السياحي وانخفاض الطلب والاستهلاك بسبب الوباء، وانكماشاً في الاستثمارات والتصدير، وانخفاضاً في إنتاج القطاعَين الصناعي والخدمي (بيانات البنك الدولي). والأهم من ذلك هو انخفاض قيمة الليرة التركية إلى 8.2 للدولار الواحد؛ أي ما يعادل 28% من قيمتها، وزيادة في التضخم تقدر بـ12.1% (بلومبيرغ). وهذه المؤشرات كلها سوف تزيد معدلات الفقر والبطالة.

وجاءت الاستجابة لأزمة العملة في شكل توسع في السياسة المالية وتراخٍ في السياسة النقدية أو ما يُعرف بـ”التيسير الكمي”؛ بهدف تخفيض معدلات الفائدة لتشجيع الاستثمار والاقتراض على أمل إحياء العجلة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.

على الصعيد المالي، لم يأتِ التراخي النقدي دون تكلفة؛ فللحفاظ على الليرة من الانهيار أكثر، لم يستعمل البنك المركزي احتياطياته فحسب؛ بل استعمل أيضاً ودائع البنوك التجارية. وهذا الأمر وضع ضغوطاً إضافية على وضع سعر الصرف، وخلق زيادة في الحاجة إلى الاقتراض نتج عنها ارتفاع نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي إلى 27%. وعلاوة على ذلك فإن الحاجة إلى الواردات الأجنبية في ظل انخفاض الصادرات يخلق ضغطاً إضافياً على الاحتياطي النقدي وبالتالي على الليرة.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال في تركيا وتهديد الأمن الدولي

على الرغم من أن محاولات البنك المركزي الفاشلة في الحد من تدهور العملة اقتصرت على ضخ بضعة ملايين من الدولارات، فإن الاحتياطي التركي ينضب بسرعة في ظل ضغط الديون الحكومية على البنوك التركية. وبسبب نقاط الضعف الاقتصادية العامة في الاقتصاد التركي التي فاقمتها مواقف أردوغان السياسية والاقتصادية، يقوم المستثمرون بتهريب أموالهم خارج تركيا؛ بسبب الخوف وانعدام الثقة. وقد أسهم هذا السلوك في انخفاض قيمة العملة وزيادة التضخم في حلقة مغلقة إلى أن بدأ البنك المركزي في التشدد في سياسته النقدية.

زيادة التضخم السنوي في تركيا بمعدل 25% في أكتوبر- “ميدل إيست أونلاين”

خلفية الصورة

كيف انتقلت تركيا من اقتصاد سريع النمو عالٍ إلى متوسط الدخل إلى نموذج من الشعبوية القمعية؟ وما الذي ينتظر تركيا؟

بدأت القصة مع تعطش الرئيس أردوغان إلى استرجاع قوة الماضي على الصعيدَين المحلي والإقليمي. ففي عام 2018 عيَّن صهره وزيراً للمالية، وحاكماً للبنك المركزي موالياً له؛ ليعزز من قبضة سلطته، ليس على المسائل السياسية فقط، ولكن على السياسات الاقتصادية أيضاً.

لقد أثارت سياسة أردوغان تجاه الأطراف المتحاربة في المنطقة مخاوف حلفاء تركيا الاقتصاديين؛ خصوصاً أوروبا التي تعتبر السوق الرئيسية للصادرات التركية. ظهرت هذه التوترات الجيوسياسية في وقت كانت فيه البلاد تتأثر بشدة بالوباء والركود الاقتصادي الذي أصاب العالم؛ مما أثر بشدة على الصادرات والسياحة والاستهلاك في تركيا. بدأت الليرة في التدهور في منتصف عام 2018 وسط تراجع المستثمرين الأجانب بسبب انعدام الثقة وتنامي القلق من تدهور المؤسسات السياسية والاقتصادية التركية. كذلك أسهمت تقارير وكالات التصنيف الائتماني السلبية في زيادة انعدام الثقة. وسمحت البنوك التجارية بتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج وقام المودعون المحليون بتحويل ودائعهم إلى الدولار الأمريكي؛ مما أدى بدوره إلى “دولرة” الدين الحكومي.

اقرأ أيضاً: سياسات تركيا الخارجية العدوانية يمكن أن تصل قريباً إلى طريق مسدود

على الصعيد الاقتصادي، أدت سياسة أردوغان الملتوية في مواجهة الانهيار الاقتصادي إلى تحقيق نمو قصير الأجل وغير مستدام وقروض غير مقيدة بفوائد منخفضة؛ ما عرَّض البنوك التجارية والبنك المركزي إلى ديون بالعملات الأجنبية. بشكل عام، يجري حالياً تمويل جزء كبير من العجز المالي التركي بالعملات الأجنبية من خلال النظام المصرفي المحلي. أضف إلى ذلك أن إنفاق القطاع العام المفرط على المشروعات الكبرى، كالمطارات والجسور وما شابه ذلك، كان يمول أيضاً من خلال ودائع العملات الأجنبية في البنوك التجارية. وهذه الاستثمارات أزاحت بدورها أي استثمارات خاصة طويلة الأجل.

التضخم المتزايد يضيِّق الخناق على الاقتصاد التركي- “المونيتور”

وقد أدى ذلك إلى الاقتراض المفرط على مستوى الأفراد والشركات؛ ما أدى بدوره إلى تفاقم التضخم والعجز المالي. واليوم تتعرض الشركات والبنوك التجارية والحكومة على السواء إلى أعباء ديون خارجية أكبر مع انخفاض قيمة الليرة بشكل كبير. غير أن “السياسات الاقتصادية غير التقليدية” للرئيس التركي لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار، قد حفزت زيادة مستدامة في القروض بالعملة الأجنبية بنسبة 50%، وخلقت ثغرة في وضع احتياطي العملات الأجنبية. وأصبح الإصلاح ممكناً فقط من خلال إجراءات اقتصادية أساسية تؤدي إلى زيادة الإنتاج وتشجيع السياحة والتصدير بدلاً من استنزاف الاحتياطيات.

اقرأ أيضاً: الاستقرار الإقليمي ومصلحة تركيا في زعزعة السلام في شرق المتوسط

سيناريوهات الخروج من الأزمة

أحد السيناريوهات المحتملة هو أن تواصل الحكومة التركية سياساتها الملتوية في الحفاظ على معدلات فائدة منخفضة وتوفير الائتمان الرخيص. وهذا السيناريو سيخلق عدم استقرار مالي وتفاقم الديون واستنزافاً محتماً للاحتياطيات. والحل الوحيد في ظل هذا السيناريو هو السماح الكامل بانخفاض قيمة العملة بهدف رفع القدرة التنافسية للصادرات.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت تركيا لأزمة جائحة كورونا؟

في ظل هذا السيناريو، هناك طريقة أخرى لخفض العجز في الموازنة وتعويض الاحتياطيات المتضائلة؛ هي جذب استثمارات أجنبية مباشرة رخيصة، لا سيما أن المشروعات المتعلقة بالطاقة والسكك الحديدية والتعليم قد تمت الموافقة عليها. ومثل هذه الاستثمارات يمكنها أن ترى النور فقط إذا طبقت تركيا إصلاحات اقتصادية وسياسية تهدف إلى تسريع الانتعاش بعد “كوفيد-19” لإعادة بناء الثقة لدى المستثمرين والمجتمع الدولي ودول الجوار على حد سواء.

قطـر تبذل جهوداً كبيرة لإنقاذ الاقتصاد التركي- “ريفيو”

يمكن لتركيا حتى الآن أن تتغلب على هذه المرحلة الصعبة إذا تحولت سلطاتها إلى سياسات نقدية صارمة، مع ضوابط رأس المال التي تهدف إلى رفع معدلات الفائدة وخفض القروض ووقف هروب رؤوس الأموال. ومن شأن هذه السياسة أن تؤدي إلى استقرار الأسعار والاحتياطيات وضمان النمو المستدام على المدى الطويل. في وجود الإصلاحات المناسبة، يمكن لتركيا أيضاً أن تعزز المكاسب الاجتماعية من خلال الإنتاج الحقيقي في المنسوجات والسلع المصنعة الأخرى، ويمكنها كذلك إحياء علاقاتها التجارية ونشاطاتها السياحية مع الدول المجاورة لها؛ خصوصاً الدول العربية.

اقرأ أيضاً: جائحة “كورونا” في طريقها لتفجير أزمة اقتصادية في تركيا

تركيا بلد غني بالموارد ويحظى بأهمية جيوسياسية كبيرة. واتخاذ نهج سياسي محايد بشكل إيجابي سوف يعزز من دورها بوصفها حليفاً استراتيجياً لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول حلف شمال الأطلسي على حد سواء. ومثل هذه البيئة السياسية المستقرة من شأنها أن تحيي التعاون المشترك مع الدول العربية، وأن تجذب السياح والاستثمارات والتجارة، وتخلق فرص عمل كبيرة جداً.

♦أستاذة مساعدة منتدبة في الجامعة الأمريكية اللبنانية.. خبيرة اقتصادية.

لقراءة الأصل الإنحليزي: turkeish economy article

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة