الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

«هيمنجواي في كوبا».. قنصُ روحِ الفنان الحائر!

من رفوف المكتبة

إيهاب الملاح

– 1 –

ضمن أبرز أسماء الكتاب الأمريكيين في القرن العشرين؛ يسطع صاحبُ الشهرة الوافرة العريضة الذي تُرجم إلى أغلب لغات الدنيا، القاصّ والروائي، وكاتب اليوميات والرسائل والمقالات، إرنست هيمنجواي (1899-1961)؛ أحد سحرة الكتابة الإبداعية وكبار أعلامها في العالم، في القرن الماضي بلا منازع.

كان عشاق القصة ودارسو الأدب وأساتذة اللغة الإنجليزية يفضلون إعطاء قصص هيمنجواي القصيرة أكثر من رواياته للتلاميذ والدارسين في برامج القراءة والكتابة؛ فقد كانت مادة أسهل للمناقشة في الحصص الدراسية، حيث يمكن النظر فيها خلال يومين أو ثلاثة بدلاً من أسابيع عدة.

عن قصصه تلك، يقول بعض النقاد الأجانب ممن تتلمذوا على نصوص هيمنجواي “كم أحببتُ تلك القصص، أحببت دقتها ونقاءها وثقتها في القارئ، تلك الثقة التي وجدتها لاحقاً في قصص تشيخوف، وجويس، وكاثرين آن بورتر؛ حيث تركت أشياء مهمة دون أن تُقال، ولكن كان يمكن أن تشعر بها. فالكاتب يترك للقارئ مهمة إكمال الدائرة انطلاقاً من القوس الذي أعطاه له، وأن يتآمر مع القصة في تخيل ما سبقها وما قد يليها”.

هيمنجواي في رحلة صيد

– 2 –

عاش هيمنجواي في كوبا عشرين سنة؛ وحين غادرها متجهاً إلى أمريكا لم يمضِ إلا حيناً، ثم غادرها والدنيا كلها منتحراً في واحدةٍ من أكثر حوادث انتحار الكتاب والمبدعين مأساوية وغموضاً.

تبدو كوبا مكاناً ملهماً عبر العصور، هناك حيث امتزج الإسبان بالأفارقة في انسجامٍ وتجانس فريد، وحيث صار الغناء والرقص طريقة حياة، كانت أيضاً هناك مساحة لصناعة التاريخ، بل إن العالم بأكمله حبس أنفاسه عندما اُكتشفت صواريخ سوفييتية في كوبا، فهددت أمريكا بالسلاح النووي، لم يحدث شيء في النهاية، ولكن ترسخت من جديد الأسطورة الكوبية، التي لا تتناسب مع حجم جزيرة صغيرة يطلقون عليها “لؤلؤة الكاريبي”.

زار هيمنجواي كوبا لأول مرة في العام 1928، فوقع في غرام المكان والبشر والطبيعة، واشترى بيتاً هناك، واستلهم من رحلات صيده، وعلاقاته بالصيادين، روايته الخالدة «العجوز والبحر»؛ إذ وفَّرت له الجزيرة عزلة وصخباً وحياة فريدة، وجعلته يصف نفسه بأنه “نصف كوبي”، ولم يغادر كوبا إلا مضطراً، بعد أن توترت العلاقات مع الولايات المتحدة، فعاد إلى أمريكا، ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى انتحر.

غلاف رواية “العجوز والبحر”

– 3 –

في الكتاب الصادر أخيراً عن دار آفاق للنشر والتوزيع بالقاهرة، «على خطى هيمنجواي في كوبا»، تتتبع مؤلفته أثرَ الروائي الأمريكي الشهير في دروب وطرقات العاصمة الكوبية “هافانا” التي أمضى بها أجمل وأمتع سنوات عمره، ومنها استلهم أفكار وشخصيات أعماله الروائية والقصصية الفاتنة؛ تزور كل مطعم وكل حانة تسكع فيها، وغرفته التي عاش بها سنواتٍ بأقدم فنادقها، وبيته الذي استقر به في ضواحيها.

على مدار خمسة أيام كاملة لم تترك الكاتبة والمترجمة هايدي عبد اللطيف أثرا أو إشارة أو علامة تمت بصلة لهيمنجواي إلا وتقصتها واقتفت ما خفي منها؛ مقدمة تجربة وصفية تاريخية وبصرية من أمتع ما يكون. تقدم هايدي عبد اللطيف للقارئ رحلة سياحية وثقافية ممتازة، وفي نفس الوقت، تحكي عن الناس والموسيقى والأماكن، وتقتفي كذلك آثار الروائي الأمريكي الفذ إرنست هيمنجواي، الذي عاش في كوبا نحو عشرين عاماً، وامتلك فيها بيتاً وذكرياتٍ وحكاياتٍ، كل هذا فضلا على ما كتبه هيمنجواي عن كوبا أو رواه الآخرون عنها وعنه!

طعَّمت هايدي عبد اللطيف مشاهداتها وتتبعاتها المكانية والزمانية بقراءاتٍ واسعة فيما كتب عن صاحب «العجوز والبحر»، واستقصاءات دقيقة لتفاصيل حياته وسيرته الإنسانية والإبداعية، وكأنها طمحت إلى كتابة سيرة أدبية لهيمنجواي تكافئ أشهر السير التي كتبت عنه في اللغة الإنجليزية أو في اللغات الأخرى. تقول المؤلفة:

“توقعت في البداية أن يضم هذا الكتاب مشاهداتي خلال زيارتي لهافانا، ووصف الأماكن التي ارتبطت بالكاتب الشهير، وعلى رأسها بيته، مع بعض المعلومات عنها. ولكن ما إن شرعتُ في كتابة يوميات الرحلة، والبحث والقراءة في سيرته، وتدقيق المعلومات الخاصة بعلاقته بكل مكان، حتى وجدتني أدخل عالماً سحرياً تنفتح أبوابه على مصاريعها يوماً بعد يوم، مقالات وكتب لا نهائية عن إرنست هيمنجواي باللغتين الإنجليزية والإسبانية اللتين أجيدهما، لأعثر على كنزٍ من الحكايات عن حياته في الجزيرة الكاريبية، وعدد من الحوارات الصحفية التي أُجريت معه خلال سنواته فيها، ومع آخرين تقاطعت سبلهم معاً، بالإضافة إلى رسائله تلك التي كتبها من بيته في كوبا أو غيرها، وقد تُرجمت مختاراتٌ منها إلى العربية، ومقالاته، ما صنعَ إلى جوارِ ما شاهدتُه هناك هذا الكتابُ”.

بيت هيمنجواي في هافانا

إنها؛ إذن، سيرة متكاملة الأركان عن السنوات التي أمضاها أشهر الكتاب الأمريكيين في الجزيرة الكاريبية الساحرة.

– 4 –

ولا يكتمل النص المدون إلا بترجمة بصرية التقطتها بنفسها مؤلفة الكتاب؛ حيث زودت نصها بملحق صورٍ زاخر يعرض محطات ومقاطع ولقطات ومشاهد من حضور هيمنجواي العارم في الفضاء الكوبي/ الكاريبي.

نرى هيمنجواي الوسيم الذي تزوج أربع مرات، مع بعض زوجاته؛ نرى صورة تجمعه بزوجه الثانية بولين فايفر على السفينة يوم وصولهما إلى كوبا في إبريل 1928، وصورة أخرى تجمعه بزوجه الثالثة مارثا جيلهورن التي كانت سببا في شرائه مزرعة “فينكا بيهيا”. عبر هيمنجواي عن رغبته في إنجاب فتاة جميلة، ولما لم يتحقق حلمه اقتنى قارباً للصيد وسماه “بيلار”؛ وهو الاسم الذي كان يتمنى أن يمنحه لتلك الابنة التي لم ينجبها أبداً.

غلاف الكتاب

ونرى هيمنجواي الذي كان يصف نفسه بأنه “نصف كوبي” في صورتين نادرتين تجمعانه بالزعيم الكوبي الأشهر فيدل كاسترو، نرى في ثانيتهما الزعيم الكوبي ببزته العسكرية الشهيرة يحمل كأس فوزه بالمركز الثاني في مسابقة هيمنجواي للصيد في لقائه الوحيد بالكاتب الأمريكي؛ في مايو 1960.

لعل من أهم ما تقدمه لنا هذه الرحلة بكل مستوياتها؛ الداخلية والخارجية، الظاهرة والضمنية، تلك الإشراقات الرائقة في معنى أن يكون محلُ إقامة كاتب وأديب كبير مزارا ومقصدا سياحيا يدر آلاف الدولارت ويقدم متعة حسية وبصرية وروحية لا مثيل لكل زائر وسائح يأتي من أي مكان في العالم. سنعرف من الكتاب أن ما يقرب (أو يزيد!) من 120 ألف سائح يزورون منزل هيمنجواي سنوياً؛ هذا فضلا عمن يتتبع خطاه ويقتفي أثره ويلملم سيرته!

وهذا وحده يمنح الرحلة كلها إلهاماً لا مثيل له؛ إلهام المكان للكاتب الذي أبدع ما أبدع بأثر هذا الإلهام! وإلهام الأثر للزائر والقارئ بالبحث المفصل والزيارة والمشاهدة لا القراءة والسماع فقط.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات