الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هيكل ناصح الإخوان الذي لم يسلم من إرهابهم

الكاتب المصري محمد الباز يستعرض في كتابٍ جديد تفاصيل علاقة "الأستاذ" بالتنظيم الارهابي والتي لم تخلو من شد وجذب ومحاولة اغتيال

كيوبوست- صفاء الشبلي

على مدار سبعة عقود من الزمن كان الكاتب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل الملقب بـ”الأستاذ” شاهداً ومراقباً لصعود جماعة الإخوان عن قرب، وهي العلاقة التي لم تخل من مد وجزر ومحاولات استقطاب.

في هذا الإطار، صدر حديثاً عن دار بتانة للنشر بالقاهرة كتاب “هيكل والإخوان.. كتاب الاعترافات والمواجهات” للصحافي والأكاديمي المصري محمد الباز، مستعرضاً علاقة هيكل بالجماعة عبر الاستعانة بعدد من اللقاءات التي سجلها الأستاذ في حياته تليفزيونياً أو صحفياً، ووصف الباز كتابه بأنه “كتاب صدمات تحكي التاريخ، وتبين أننا لم نقرأ تاريخنا بشكلٍ صحيح”.

شاهد أيضاً: فيديوغراف: قرن من الإخوان المسلمين..كيف احترفت الجماعة صناعة الموت؟

يتناول محمد الباز في كتابه علاقة محمد حسنين هيكل بجماعة الإخوان المسلمين كشاهد على رحلتها على مدار 70 عاماً.

ويُبرز الباز نتيجتين مهمتين، الأولى أن الجماعة الإرهابية لن تستقر أبداً، لأنها تصادمت مع النظام الليبرالي قبل ثورة 1952، كما تصادمت مع رؤساء مصر عبد الناصر والسادات ومبارك، ثم حدث صدامها الكبير مع الشعب عقب ثورة يناير 2011.

غلاف الكتاب

أما النتيجة الثانية فهي أن الجماعة محكوم عليها بالفناء، لأنها لم تصحح أوضاعها، ولم تنتقد نفسها مثلما فعلت كل الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى.

ويقول الباز في كتابه، الذي جاء في 288 صفحة من القطع المتوسط وتناول 21 محوراً، إن هيكل كان شاهداً على رحلة جماعة الإخوان المُسلمين خلال 70 عاماً مُنذ تأسيسها حتى غربت شمسها في مصر في عام 2013.

اقرأ أيضاً: قلق بشأن النفوذ المستمر لجماعة الإخوان المسلمين في المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا

حوار “رهبان الليل وفرسان النهار” ما علاقة هيكل؟

ولد هيكل في عام 1923 فكان في الخامسة من عمره عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المُسلمين، وعندما تعرف على البنا كان في بداية حياته الصحفية.

الباز يروي في كتابه أن شرارة تقاطع الطريق بين هيكل وجماعة الإخوان كانت في عام 1945 عندما ملأت لافتات جدارية تحمل اسم “جماعة الإخوان المسلمين”، وهي التي كتبها أحد أفراد الجماعة الذي كان يُتابع عمله ليلاً، وفي تلك الأثناء بدأ الناس يتساءلون عن تلك الجماعة وأهدافها ليتوافدوا على المقر العام للجماعة كل ثُلاثاء للاستماع لخطبة البنا.

(حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المُسلمين)

وفي خضم هذا الانتشار الكبير والواسع للجماعة أجرى الكاتب الصحفي محمد التابعي رئيس تحرير مجلة “آخر ساعة” حواراً مُطولاً مع حسن البنا ليتحدث فيه عن جماعته، وعلى غلاف المجلة كان العنوان: “رهبان الليل وفرسان النهار”، ثم تحقيق صحفي على صفحتين يتحدث عن فكر الإخوان، وعقب النشر نفدت أعداد المجلة، وهو ما اضطر التابعي لإعادة طبع نسخة ثانية منها. ويرى الباز أن التابعي لم يكن مُهتماً في الأساس بحسن البنا ولا أفكاره، لكن كان هدفه زيادة أعداد توزيع مجلته.

اقرأ أيضاً: هل تعود جماعة الإخوان مجدداً إلى حكم السودان؟

لكن ما علاقة هيكل بهذا الحوار مع البنا؟ من خلال تحقيق الباز في إعداده لكتابه “هيكل والإخوان.. الاعترافات والمواجهات” نفى أن يكون هيكل هو من أجرى الحوار الشهير: “رهبان الليل وفرسان النهار” مع حسن البنا، كما صرح قبل ذلك في أحد لقاءاته على قناة الجزيرة القطرية، ثم حديثه عن نفس الحوار مع لميس الحديدي في برنامجها مصر أين؟ وإلى أين؟

(يقول الباز إن محمد التابعي هو صاحب الحوار الشهير “رهبان الليل وفرسان النهار” وليس هيكل)

ويقول الباز إنه عندما عاد إلى مجلة (آخر ساعة) وأرشيفها في 1946، وجد أن أرشيف هيكل فيها لا يزيد على تقريرين، وهو ما يعني له أن هيكل لم يكن دقيقاً في كلامه، وهو الأمر الذي لا ينفي أن هيكل شارك في إعداد حوار البنا للنشر من موقعه كسكرتير تحرير “آخر ساعة” في ذلك الوقت.

ويرى الباز أن حديث هيكل بأنه من أجرى الحوار رغم جديته فهو ليس دقيقاً، ويلفت الباز: “حتى طريقة الكتابة هي اختراع أصيل لشيخ مشايخ الطرق الصحفية الأستاذ محمد التابعي، وهو ما يؤكد أنه صاحب الحوار وليس هيكل”.

اقرأ أيضا: مخاطر تبييض وجه جماعة الإخوان المسلمين

أساطير مُشاركة الإخوان في حرب فلسطين

 نفى هيكل مراراً وتكراراً ادعاء جماعة الإخوان تحقيق بطولات في حرب فلسطين 1948، وكأن القدر قد ساقه ليكون شاهداً على تلك المرحلة المهمة في تاريخ المنطقة العربية، حيث كُلف بتغطية الحرب، وكان هو الوحيد الذي سار على قدميه من القدس إلى بيت لحم والخليل، عابراً الكثير من المُستوطنات.

ويقول هيكل ضمن ما سرده محمد الباز في كتابه: “كان الإخوان تحت قيادة كمال الدين حسين في المدفعية، لكن لم يحدث أنهم قاموا بحماية الجيش المصري وقت الانسحاب كما يُرددون، فهذه كلها أساطير أُضيفت بعد المعارك”.

بيان البنا بعد واقعة قتل النقراشي

في إطار سرده لأحداث جمعت هيكل بالإخوان ومؤسس التنظيم حسن البنا، يقول الباز إنه وعقب حرب فلسطين سرت الفوضى في كل أنحاء مصر بواسطة الجماعة الإرهابية، واصطدم حسن البنا بمُصطفى النحاس، وتوالت الأحداث عاصفة حتى عام 1949، وبعد اغتيال النقراشي باشا ثم تفجير محكمة الاستئناف بمنطقة باب الخلق بعد 20 يوماً فقط على اغتيال رئيس وزراء مصر، وهو الأمر الذي تورطت فيه الجماعة الإرهابية، وكان لا بد أن يتصرف البنا وبسرعة.

(ورط اغتيال رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي مؤسس جماعة الإخوان المُسلمين حسن البنا ليصدر بيانه “ليسوا إخواناً وليسوا مٌسلمين” وكان بداية نهايته)

اقرأ أيضاً: هل زال تهديد الإسلام السياسي؟

ويستعرض الكتاب ما حكاه هيكل عن أسباب إصدار البنا لبيانه الشهير “ليسوا إخواناً وليسوا مُسلمين” لإدانة اغتيال النقراشي باشا في سلسلة حلقاته عن الإخوان وتأثيرهم على الحكم في حلقات الجزيرة القطرية 2006.

ويقول هيكل، بحسب الكتاب، إن البنا كان خائفاً ومتردداً ولديه يقين أنه سيدفع ثمن العمليات الأخيرة، وإن بيان البنا كتبه صديقه الصحفي مُصطفى أمين.

وكان البيان بحسب هيكل شاهداً على حجم الجُرم الذي ارتكبته الجماعة في حق الشباب الذين جندتهم ثم تخلت عنهم ودفعتهم للجحيم بلا مبالاة.

ولأن هيكل قام بتغطية وقائع إعدام قاتل النقراشي، وقال إن جهات التحقيق كانت حريصة على أن يقرأ قاتل النقراشي باشا بيان حسن البنا، وهو الأمر الذي جعله يعترف بكل ما فعل.

ويوضح الكتاب أن البنا من وجهة نظر هيكل لم يكن عبقرياً بقدر ما كان ابن الظروف التي أنتجته وأثرت فيه ومنحته الفرصة لتحقيق ما أراده، ربما بالقدر الذي لم يتوقعه هو شخصياً.

وكان حسن البنا برأيه شخصاً مُستخدماً بواسطة قوى سياسية والجهات المُخابراتية الإقليمية والدولية التي رأت فيه، وفي جماعته من بعده، وسيلة رخيصة وغير مُكلفة لتحقيق أهدافها.

اقرأ أيضاً: يوسف القرضاوي.. فقيه “الإسلام السياسي” النافذ

“إنهم قتلة”

يقول الباز من واقع بعض الحوارات التي أجراها هيكل عن الإخوان، إن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر كان يعرف الجماعة جيداً، وهو الأمر الذي كان سبباً في عدم اقترابه منها تنظيمياً، ونفى هيكل أن يكون عبد الناصر قد انضم للتنظيم الإرهابي في أية مرحلة من حياته، وهو الأمر الذي تحاول الجماعة إلصاقه به، وهي طبيعة الأخوان التي لم تكن في يوم من الأيام صادقة مع عبد الناصر أو غيره.

ويتطرق الكتاب لحادث المنشية وكيف خطط الإخوان لاغتيال عبد الناصر إبان حكم المرشد العام للجماعة حسن الهضيبي في 26 نوفمبر 1954 بثمانِ رصاصات أثناء شرح ناصر لبنود اتفاقية الجلاء، لينجو الرئيس بمعجزة.

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر كان يعرف الجماعة جيداً

ورغم ترويج الإخوان لمزاعم أن حادث المنشية هو “مسرحية” رتبها جمال عبد الناصر، فإن عبد الناصر نفى ذلك في حديثه مع هيكل، وهو الذي سرده الكتاب حين سأل الأستاذ الرئيس عن حادث المنشية وتورط الإخوان فيه، ليُجيبه ناصر: أنت لا تعرفهم إنهم قتلة.

اقرأ أيضاً: موسوعة الجماعات والتنظيمات والحركات والفرق “الإسلامية”

صداقة هيكل مع الإخوان أثناء حكم مبارك

يقول الكتاب إنه وفي سنوات مبارك الأخيرة نشأت عداوة كبيرة بين مبارك وهيكل بعد محاضرة الأخير في قاعة “إيوارت” بالجامعة الأمريكية، والتي اعتبرت قنبلة انفجرت في وجه النظام وحملت اسم “المٌستقبل الآن”، والتي طالب فيها هيكل بضرورة إجراء حوار جاد من قبل نظام مبارك، لوضع أسس لانتقال السلطة ليس من رجل لرجل، ولكن من عصر لعصر، من الفرد إلى الدستور مع معالجة ثغرات الدستور التي تسمح بالانتقال السلس للسلطة.

ويقول الباز إن هيكل بمحاضرته تلك أصبح عدواً لنظام مبارك، وبالتالي تملقته جماعة الإخوان المسلمين من مبدأ عدو عدوي صديقي.

اقرأ أيضاً: كتاب مثير عن استراتيجية تغلغل الإخوان المسلمين في فرنسا والعالم

ويُشير الكتاب إلى دورٍ مهم لعبه هيكل في دعم توجيه الجماعة إبان ثورة يناير 2011، ويصف الكتاب هيكل بأنه كان مُنقذاً للجماعة، ويشرح أنه وبعد خطاب مبارك العاطفي في 1 فبراير 2011 وجد الإخوان أنفسهم في ورطة كبيرة، خصوصاً أنها ظهرت بمظهر من يقود ويُنظم، وحتماً ستدفع الثمن إن تركت الجماهير الميدان، أو ستُعلق على المشانق كما قال لهم هيكل عندما سألوه الرأي والمشورة.

استغل الإخوان موقعة الجمل لإشعال ميدان التحرير

انقلاب الإخوان على هيكل

بعد أيام من تخلي الرئيس الأسبق محمد حسني مُبارك عن السلطة وصلاة الجمعة الأولى التي أطلق عليها “جمعة النصر” بإمامة الشيخ يوسف القرضاوي، انتقد هيكل المشهد في حوارٍ تليفزيوني، وقال إن الإخوان يريدون تحويل ما جرى لصالحهم، وشبه إمامة القرضاوي بمحاولة للقول بأنه الخميني الذي عاد إلى إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية، وهو الأمر الذي أزعج الإخوان، واعتبره كُتابهم خصماً سياسياً لهم.

انتقد هيكل مُشاركة يوسف القرضاوي في جمعة النصر بميدان التحرير

هيكل ومرسي

في أول انتخابات رئاسية عقب ثورة يناير 2011 أجرى هيكل حواراً مع جريدة (الأهرام) قبيل الانتخابات الرئاسية قال فيه إنه من أوائل من طالبوا بإعطاء فرصة للتيار الديني للوصول للحكم، لكن الوضع كان مُقلقاً بشكل كبير فنجاحهم بالنسبة للأستاذ كان يعني مأزقاً لمصر، ونفس الحال إن خسروا.

اقرأ أيضاً: التقية.. كتاب جديد عن خطر الإخوان المسلمين في فرنسا

وصف هيكل مرسي بعد لقائهما الأول بالرجل الطيب لكنه في نفس الوقت شكَّك في قدراته السياسية

ويتحدث الكتاب عن لقاء محمد مرسي وهيكل في 2012  ولم يتحدث عن الخطوط العريضة للقاء الذي استمر نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة بقصر الاتحادية سوى قول هيكل إن الصورة عن الوضع في مصر إبان ذلك أصبحت واضحة أمام الرئيس، وهو وحده صاحب القرار.

ويقول الكتاب إن لقاء هيكل ومرسي اللقاء الثاني لهما بعد أول لقاء جمعهما في منزل هيكل ببرقاش قبيل الانتخابات الرئاسية، وكل ما قاله هيكل عن لقائهما الأول عن انطباعه عن مرسي أنه رجل طيب للغاية على المُستوى الشخصي، لكنه في نفس الوقت شكَّك في قدراته السياسية، وتوقع فشل الإخوان مبكراً، ووصف تلك الانتخابات بأنها “أغرب انتخابات شاهدتها في حياتي”.

اقرأ أيضا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

ورغم رغبته في أن يُعطى الإخوان فرصة للحكم قبل فوز مرسي، وبحسب الكتاب، فإن هيكل قد عدل بوصلته عقب فوز الرئيس السابق، وتوقع للإخوان الفشل السريع، وهو ما حدث بالفعل.

محاولة الإخوان اغتيال هيكل

يستعرض الكتاب مقالاً للكاتب محمد سلماوي الذي تحدث فيه عن ضلوع جماعة الإخوان المسلمين في اغتيال هيكل بسبب موقفه المُساند لحملة تمرد وثورة 30 يونيو 2013، وقال سلماوي إنه وفي خضم الأحداث التي سبقت ثورة يونيو وصلت إليه معلومات بأن سيارة جهة رسمية كانت تُقل الأستاذ من منزله صباحاً وتعيده إليه ظهراً، وهو الأمر الذي رفض الأستاذ توضيحه عندما استفسر عنه سلماوي.

اقرأ أيضاً: الإخوان يوسعون أنشطتهم في هولندا بأموال تميم

وفي محاولة أخرى لاغتياله تم إحراق بيته ببرقاش بالجيزة، لكن القدر أنقذه إذ لم يُسافر إليها في أيام سفره المٌعتادة، وأدى الحريق إلى احتراق مكتبته بالكامل.

وقال سلماوي إن الأستاذ أخبره أن التخطيط لاغتياله جاء من مكتب الإرشاد رأساً، وعنها قال هيكل: “أوامر حرق المنزل صدرت من اعتصام رابعة، وكان الهدف من حرق المنزل استهدافي شخصياً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة