الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هوس الزعامة لدى الغنوشي يهز أركان حركة النهضة

مراقبون يؤكدون لـ"كيوبوست" حالة التمرد التي بدأت تظهر بين شباب "النهضة" احتجاجاً على تشبث الغنوشي بالسلطة ومنح الامتيازات للمقربين منه

تونس – فاطمة البدري

عندما عاد راشد الغنوشي؛ رئيس حركة النهضة الإسلامية، من منفاه اللندني إلى تونس سنة 2011، ادعى أنه زاهد عن الحكم، وأنه عائد ليستمتع بوجوده على أرض بلاده، وتعهد بدعم الشباب لبناء دولة ديمقراطية؛ لكن السنوات اللاحقة فنَّدت ذلك، وأثبتت أن الرجل عاد وبه جوع كبير للحكم وهوس مرضي بالزعامة.

ظهر ذلك بوضوح أكبر؛ خصوصاً في السنوات الأخيرة التي خرج فيها الغنوشي من إطار الحكم وراء الكواليس إلى العلن، ما أدى إلى ارتفاع منسوب الخلافات داخل الحركة، وتتالي الاستقالات بسبب تمسكه بالزعامة الأبدية للحزب، وهو واقع بات يهدد جدياً بتفكك الحزب الذي طالما فاخر بتماسكه.

يرفض الشارع التونسي حكم حركة النهضة

أزمة غير مسبوقة

وتشهد حركة النهضة التونسية، منذ أشهر أزمة غير مسبوقة، أججتها الخلافات حول مؤتمرها الحادي عشر، والذي سيعلن فيه نهاية فترة رئاسة راشد الغنوشي للحركة، وتولي قيادي جديد لهذه المهمة، إلا أن الغنوشي لا يرى أن الوقت قد حان لترك مكانه، وتمسك بتعديل الفصل 31 من النظام الداخلي للحركة الإخوانية الذي يمنعه من تجديد عهدته أكثر من مرتين، ليكشف بوضوح عن رغبته في البقاء زعيماً أبدياً لها.

اقرأ أيضاً: أبناؤكم في خدمتكم.. دعاة الجهاد في تونس

وأثارت هذه الحادثة غضباً واسعاً داخل الحركة وصل حد الانشقاقات والاستقالات العلنية لعددٍ مهم من القيادات، وأنذر بتصدع وتفكك الحركة إذا استمر تعنت الغنوشي.

وخرجت أزمة “النهضة” إلى العلن منذ أكتوبر، عندما طالب 100 قيادي في الحركة، في رسالةٍ وجهوها إلى رئيس الحزب راشد الغنوشي، بعدم الترشح لدورة جديدة، والالتزام بالقانون الداخلي للحركة والذي يمنع انتخاب رئيس لها لأكثر من دورتين متتاليتين.

اقرأ أيضاً: تونس.. حركة النهضة تجيش الشارع تمرداً على النظام

رد الغنوشي حينها بالقول إن أصحاب الرسالة “يريدون فرض وصايتهم على المؤتمر بشروطٍ إقصائية مسبقة لا ديمقراطية، في سبيل استبعاد زعيم الحركة”. ومنذ تلك الفترة لم يهدأ الغليان داخل الحركة، وتعالت أصوات الشق المناوئ لاستبداد الغنوشي أكثر من أي وقتٍ مضى، معلنةً رفضها مخططاته؛ لا سيما في ظل تأجيل موعد المؤتمر بعلة الوضع الوبائي في البلاد، والحال أن الغنوشي والشق المحسوب عليه لم يتحججوا بذلك عندما استنفروا منذ أيام آلاف المواطنين في شوارع العاصمة لمناصرتهم.

تزايدت التظاهرات ضد النهضة في الشارع التونسي – وكالات

ضغوط كبيرة

عبدالعزيز القطي

النائب السابق عن حزب نداء تونس عبدالعزيز القطي، اعتبر أن راشد الغنوشي “يعيش أصعب فتراته في ظل الضغوط التي باتت تفرضها الانشقاقات الكبيرة داخل حركته وداخل البرلمان أيضاً”.

ويقول القطي، في حديثٍ إلى “كيوبوست”: “منذ أن أمضت قيادات كبيرة في الحركة على عريضة تطالب الغنوشي بعدم الترشح مجدداً لرئاسة الحزب، بدا واضحاً أن (النهضة) دخلت منعرجاً جديداً؛ لا سيما في ظل تعنته وتمسكه بالبقاء على رأس الحركة، وعدم الالتزام بما يمليه القانون الداخلي للحزب”.

ويؤكد النائب السابق أن ما يجري داخل الحركة يتنزل في سياق معركة من أجل الموارد المالية وسطوة العائلة والمحيطين بالغنوشي على القرار.

ويضيف القطي: “تتمتع (النهضة) بتمويلاتٍ كبيرة تتلقاها من عدة جهات، وهذا ما يجعل الكل يسعى للاستفادة من هذا الواقع؛ ولكن الغنوشي يواصل الاستئثار بذلك إلى جانب منح العائلة والمقربين الأولوية لنيل الامتيازات. ويثير هذا الواقع حفيظة شق كبير داخل الحركة يريد أن يكون له ذات الوزن والمنافع”.

خسرت حركة النهضة جزء كبير من شعبيتها في الشارع

ولكن في خضم ضغوط أبناء الحركة المتزايدة من أجل منع التجديد للغنوشي، وتتالي التحركات من أجل سحب الثقة منه كرئيس للبرلمان، “فإنني أستطيع الجزم أن الرجل يعيش أصعب فتراته وأشدها دقة على الإطلاق، ولن يكون في مقدوره الصمود والعناد لفترة طويلة” يقول القطي، لافتاً إلى أن جيلاً من الشباب سيظهر قريباً للتمرد على النظام الكلاسيكي لهذا الحزب، ويخرج عن جلباب الأيديولوجيا ويلتفت جدياً للبناء بعيداً عن المناكفات، وهذا ما يمكن التقاطه من القواعد التي باتت معارضة لسياسة الغنوشي وحاشيته.  

اقرأ أيضاً: الفوضى تعم تونس.. وأصابع الاتهام تشير إلى “النهضة

موجة استقالات

وشهد الحزب الإسلامي موجة استقالات كبيرة ومتتالية؛ شملت حتى بعض القيادات التاريخية على غرار لطفي زيتون، وعبدالحميد الجلاصي، ومحمد بن سالم، إلى جانب زبير الشهودي، وزياد العذاري، والعربي القاسمي، وآمنة الدريدي، وعبدالرزاق حسين، والقيادية الشابة جوهرة التيس.. وغيرهم من الأسماء.

وانتقد أغلب المستقيلين استبداد زعيم “النهضة” راشد الغنوشي، بالقرار ومساعيه للبقاء زعيماً أبدياً للحركة؛ تيمناً بأبجديات الحركات الإسلامية التي تقضي بأن لا يرحل الزعماء إلا بالموت.

سياسات النهضة كانت وراء نفور الشارع منها – وكالات
عبدالجليل معالي

الكاتب والمحلل السياسي عبدالجليل معالي، يقول: “تعاني (النهضة)، منذ زمن الثورة، حرج الأسئلة التي تواجهها في سياق مسيرتها السياسية؛ حيث وقعت في مطب تعريف ذاتها بما يعنيه ذلك من مسؤوليات ومقتضيات.. هل هي جماعة إسلامية كما نصت على ذلك وثائق التأسيس؟ أم هي حزب سياسي كما فرضت المتغيرات التاريخية عليها أن تدَّعي؟”.

ويضيف معالي: “خلال المؤتمر العاشر أقرت الفصل بين الدعوي والسياسي في الحركة؛ لكنها ظلت تراوح بين المنزلتَين في خطابها ومنطوق قيادييها وتحالفاتها”. والأكيد أن تنحي الغنوشي من رئاسة “النهضة”، إن حصل، لن يفرز قيادة تطوي صفحة الجماعة الدينية نحو مرحلة الحزب الوطني. أثبتت التجارب السابقة أن مشكلة “النهضة” في أدبياتها ومنهلها الفكري، وتبعاً لذلك فلن ينتج الصراع الراهن أو المؤتمر القادم تغييراً عميقاً؛ بل يمكن أن يفرز قيادة شابة أكثر راديكالية وتطرفاً.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة