الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هندسة الانتخابات: حسم خامنئي هوية الرئيس الجديد لإيران

كيوبوست

على الرغم من أن الانتخابات الإيرانية لا تتسم بالشفافية والحرية، لجهة تحكم المرشد الأعلى علي خامنئي، ومجلس صيانة الدستور، في هوية المرشحين للانتخابات الرئاسية، فإن الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها يوم 18 يونيو تعد من الانتخابات المحسومة سلفاً، إذ تجمع أغلب التحليلات أن الرئيس القادم لإيران هو إبراهيم رئيسي، رجل الدين المتشدد ورئيس السلطة القضائية الإيرانية الحالي، المتهم بعضوية لجنة شاركت في الإعدام الجماعي لآلاف السجناء، عام 1988.

اقرأ أيضاً: النزعة التوسعية الإقليمية الإيرانية ومؤشرات التغيير

وسوف يتناول التحليل الحالي الأسباب التي تدفع أغلب المحللين لترجيح كفة رئيسي على ما عداه من مرشحين، فضلاً عن بيان دلالاتها على توجهات إيران الخارجية، وكذلك مستقبل خلافة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

علي خامنئي- أرشيف

تصعيد “رئيسي”:

بمراجعة هوية المرشحين للانتخابات الإيرانية، نجد أن مجلس صيانة الدستور قد سمح بترشح خمسة مرشحين محسوبين على التيار المحافظ، ومرشحين محسوبين على التيار الإصلاحي، إلا أنه بمراجعة هوية المرشحين، وكذلك الأسماء التي جرى استبعادها، فإنه بات من الواضح أن رئيسي هو المرشح الأوفر حظاً، ولا يعود ذلك إلى شعبيته، بقدر ما يعود إلى الاعتبارات التالية:

  • إقصاء التيار المعتدل: يتمتع مجلس صيانة الدستور، وبالتالي المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، بالقدرة على استبعاد أولئك الذين يُعتبرون غير مرغوب فيهم سياسياً، وذلك دون إبداء أي أسباب. وكان من الواضح أن انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة شهدت تدخلاتٍ واضحة من مجلس صيانة الدستور لإقصاء التيار المعتدل، أو الإصلاحي. فلم تسمح له سوى بترشيح مرشحين اثنين لا يمتلكان أي حضور بارز أو شعبية في إيران، وهما: عبد الناصر همتي، المحافظ السابق للبنك المركزي الإيراني، ومحسن مهر علي زاده، نائب الرئيس الأسبق محمد خاتمي في شؤون الرياضة.

اقرأ أيضاً: عن مفهوم الراديكالية الشيعية والنفوذ الإيراني في السعودية

ومن الملاحظ أن همتي كان محافظ البنك المركزي خلال إدارة روحاني قبل أن تتم إقالته قبل شهر، والذي فقد الريال الإيراني، خلال توليه المنصب، حوالي ثلثي قيمته في ثلاث سنوات، بسبب العقوبات الأمريكية، ومن غير المتصور أن يتمكن الرجل لذلك من تعبئة قطاعات واسعة من الشعب الإيراني خلفه. كما أن اختياره كان موفقاً من قبل مجلس صيانة الدستور، إذ أنه أوجد مرشحاً يمكن مهاجمته بسهولة من قبل المرشحين المحافظين، وخاصة رئيسي، عبر تحميل السياسات الاقتصادية لهمتي مسؤولية انهيار الوضع الاقتصادي بالبلاد، أثناء توليه منصب محافظ البنك المركزي[1].

وحتى في حالة شعر النظام الإيراني، أو المرشد الأعلى تحديداً، أن همتي من الممكن أن يفرض تحدياً جدياً على فرص رئيسي للفوز، فإن مجلس صيانة الدستور يمتلك صلاحية إقصاء المرشحين حتى يوم الانتخابات.

مجلس صيانة الدستور كان قد استبعد عدداً من المرشحين البارزين- FRA””

ومن جهةٍ ثالثة، يرجح بعض المحللين أن تسريبَ التسجيل الصوتي المثير للجدل لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، كان مقصوداً لإقصاءِ ظريف من قائمة مرشحي الانتخابات الرئاسية[2]. ونظراً لكل هذه الملابسات، فقد أعلن التيارُ الإصلاحي صراحةً أنه ليس له مرشحٌ في هذه الانتخابات.

  • منع بعض رموز التيار المحافظ: استبعد مجلس صيانة الدستور بعض رموز التيار المحافظ مثل علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، ورئيس مجلس الشورى الإيراني بين عامي 2008 و2020، كما أنه يحظى بثقة المرشد، فقد كلفه خامنئي بمتابعة تفاصيل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران، والتي وقعت العام 2021، فضلاً عن كونه عضواً سابقاً في الحرس الثوري الإيراني[3].

اقرأ أيضاً: اتفاق الصين مع إيران يعبر عن تغير كبير مع تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة

ويكشف إقصاؤه عن الانتخابات عن حرص النظام على توجيه الأصوات لمرشحٍ واحد، وهو رئيسي، خاصة وأن شعبية الأخير لم تكن مرتفعة، فقد حصل في انتخابات 2017 على 38.5% فقط مقابل 57% للرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني[4]، وذلك رغم توحد المحافظين خلف رئيسي حينها لإقصاء روحاني، ومنعه من الفوز بفترة ثانية لرئاسة البلاد.

  • إقصاء بعض رموز الحرس الثوري: لم يقم مجلس صيانة الدستور فقط بإقصاء التيار المعتدل، والمحافظين، الذين يخالفون التوجهات الحالية للمرشد، بل قام باستبعاد المرشحين المفضلين من جانب الحرس الثوري الإيراني على غرار، سعيد محمد، مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني حسين سلامي، والذي يدير شركة عقارات ضخمة، بالإضافة إلى انسحاب حسين دهقان، وزير الدفاع السابق.
وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف بعد توقيع اتفاقية التعاون- “فاينانشال تايمز”

ويبدو أن توجه المرشد هو الحفاظ على دور قوي لرجال الدين عبر ترشيح رئيسي، خاصة وأن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والذي كان منتمياً للباسيج، قد دخل في صراع على الصلاحيات مع المرشد الأعلى، ويبدو أن خامنئي أراد تجنب مثل هذا السيناريو.

  • فرض رقابة إعلامية صرامة: مارست استخبارات الحرس الثوري ضغوطاً وتهديداتٍ على الصحفيين لعدم تغطية تفاصيل الأخبار عن المرشحين المستبعدين بقرار من مجلس صيانة الدستور، كما حذرت “محكمة الثقافة والإعلام” في إيران النشطاء الإعلاميين، على وجه التحديد، من توجيه أي انتقاد للمرشح المتشدد إبراهيم رئيسي رئيس السلطة القضائية. ولفتت إلى أن الأجهزة الأمنية اتصلت، بعد صدور القائمة الرئيسية للمرشحين المسموح لهم بخوض الانتخابات الرئاسية، بالنشطاء الإعلاميين، وحذرتهم، وطالبتهم بتغطية الأخبار والأحداث في إطار سياسة النظام[5].

اقرأ أيضاً: هل تغير الاتفاقية الصينية- الإيرانية قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان هناك انحيازٌ واضح في المناظرة الرئاسية، فعندما هاجم مهر علي زاده، أحد المرشحين، إبراهيم رئيسي، لأنه درس 6 سنوات من التعليم التقليدي فقط، منحت هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومي فرصة أكبر لإبراهيم رئيسي للدفاع عن نفسه رداً على أقوال مهر علي زاده، في مؤشر على استمرار دعم المرشد له بكافة الوسائل لضمان فوزه بالانتخابات الرئاسية.

  • تَدَنٍّ متوقع لنسبة المشاركة: تُظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالة استطلاعات الطلاب الإيرانية الموالية للحكومة أن نسبة المشاركة في الانتخابات تصل إلى 36% فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 7% عن آخر انتخابات أجريت في البلاد، كما أن هناك دعوات لمقاطعة الانتخابات، بسبب تزكية خامنئي لمرشح بعينه، وهو إبراهيم رئيسي.
مواطن إيراني يسجل ترشيحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية في وزارة الداخلية في طهران- “GETTY IMAGES”

ويكشف انخفاض نسبة التصويت عن تآكل شرعية النظام، وعن وجود إيمان من جانب قطاعاتٍ شعبية واسعة بعدم جدوى التصويت، بالنظر إلى هندسة الانتخابات من قبل المرشد الأعلى. ولكنها في الوقت ذاته، تعني أن أنصار التيار المحافظ، سوف يشاركون بكثافة في هذه الانتخابات، وهو ما يعني أن أمر حسمها سوف يكون سهلاً بالنسبة لرئيسي، خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار أن أغلب المقاطعين كانوا سيصوتون لمرشحين من التيار المعتدل.

كما أن قمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال أواخر عام 2019، ومطلع 2020 جراء تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من قبل الباسيج كشف عن استعداد النظام لتزكية أي مرشح يعتمده، بغض النظر عن رأي الشعب، كما في انتخابات 2009، والتي اندلعت على أثرها ما يعرف باسم “الثورة الخضراء” بسبب سيادة اعتقاد شعبي واسع بأن مرشح المعارضة مير حسين موسوي قد تم منعه من الفوز بالانتخابات عبر عمليات تزويرٍ واسعة، وذلك لصالح المرشح المحافظ محمود أحمدي نجاد حينها.

اقرأ أيضًا: السلطات الإيرانية تستنفر في الأهواز لقمع الاحتجاجات السلمية

دلالات داخلية وخارجية:

يكشف إصرار المرشد على اختيار رئيسي وتصعيده لتولي رئاسة البلاد عن عددٍ من الدلالات، والتي يمكن توضيحها على النحو التالي:

  • إقصاء المرشحين ذي التوجهات الغربية: كان من اللافت أن مجلس صيانة الدستور أقصى كافة المرشحين، سواء المحسوبين على التيار المحافظ أو الإصلاحي، والذين يفضلون إقامة أي علاقات اقتصادية وسياسية مع الغرب.
المرشحون السبعة في انتخابات الرئاسة الإيرانية- “FARS”

وكان من بينهم علي لاريجاني، الرئيس السابق لمجلس الشورى ومستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي. كما تم إقصاء كل من إسحاق جهانجيري، نائب الرئيس الحالي، ومصطفى تاج زاده، نائب وزير الداخلية السابق الذي أمضى ست سنوات في السجن لمناصرته احتجاجات مناهضة للنظام.

  • مواصلة التصعيد ضد الولايات المتحدة: يسعى المرشد الأعلى، على ما يبدو، إلى الحفاظ على الخطوط العريضة لسياسة النظام الإيراني تجاه الغرب، فضلاً عن استمرار التصعيد، سواء في الملف النووي، أو في التدخلات الإقليمية الإيرانية. ويتضح ذلك من تصاعد هجمات الميليشيات الشيعية الموالية لإيران ضد القواعد الأمريكية في العراق، كماً ونوعاً، وذلك من خلال استخدام الطائرات المسيرة في استهداف هذه القواعد.

اقرأ أيضًا: ما فرص خروج التصعيد الأمريكي- الإيراني عن السيطرة؟

وتهدف هذه السياسة إلى إجبار واشنطن على الانسحاب من العراق، على غرار أفغانستان، وذلك لتعزيز سيطرة طهران على بغداد، خاصة في ضوء تراجع شعبية إيران في أواسط شيعة العراق، والذي كان أبرز تجلياته حرق القنصليات الإيرانية في محافظات العراق الشيعية.

  • إحكام سيطرة المحافظين على كل مفاصل الدول: سوف يتمكن التيار المحافظ، بعد فوزٍ رئيسي، من إحكام سيطرته على كافة مفاصل البلاد، فقد تمكن المحافظون من حصد ثلثي عدد مقاعد البرلمان الإيراني، في انتخابات فبراير 2020، كما أن رئيسي نفسه يشغل منصب رئيس السلطة القضائية منذ العام
رجل إيراني يمشي أمام ملصق انتخابي يصور رئيس القضاء والمرشح الرئاسي إبراهيم رئيسي في العاصمة طهران- “أ ف ب”

وعلى الجانب الآخر، فإن العديد من المحللين والخبراء المعنيين بالشأن الإيراني يجمعون على أن رئيسي هو الخليفة المحتمل لخامنئي. وبخلاف خامنئي، الذي لم يخسر أي انتخابات قبل ترقيته لمنصب المرشد الأعلى، فإن إبراهيم رئيسي تعرض لهزيمة انتخابية سابقة في 2017، وإذا خسر رئيسي الانتخابات الحالية، فإنه سيخسر المزيد من الشعبية، ويجعل من الصعب عليه الترشّح لخلافة خامنئي.

ولذا، فإن الأخير بذل كل الجهود الممكنة لتصعيد رئيسي لرئاسة إيران، والتمهيد لخلافته، خاصة وأن خامنئي قد بلغ 82 من العمر، كما تدور شائعات حول اعتلال صحته، آخرها كان في مايو 2021، والتي أرجعت إلى أن ذلك قد يكون نتيجة لإصابته بسرطان البروستاتا.

وفي الختام، يبدو أن علي خامنئي أراد التمهيد لخلافة رئيسي له، وذلك للحفاظ على التوازنات داخل النظام الإيراني بين رجال الدين من جانب، والأجهزة الأمنية المتشددة، على غرار الحرس الثوري الإيراني، خاصة بعدما تمكن الأخير من إحكام السيطرة على مجلس الشورى، وتولي رئيس القوات الجوية في الحرس الثوري سابقاً، محمد باقر قاليباف، منصب رئيس البرلمان.

اقرأ أيضًا: مَن سيخلف السيستاني وخامنئي؟ وكيف سيُعيد ذلك تشكيل الشرق الأوسط؟

وعلى الرغم من أن احتمال حدوث اضطرابات ومظاهرات احتجاجية يظل احتمالاً قائماً بعد إعلان النتائج، فإن نجاح الباسيج في قمع كافة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية جراء تردي الأوضاع الاقتصادية خلال العامين الأخيرين، يجعل من فرص حدوث مظاهرات أمراً مستبعداً، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار المفاوضات النووية في فيينا، والتي تعول عليها قطاعات شعبية واسعة لإخراج الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأمريكية.

المراجع:

[1]) https://arbne.ws/3xqTZAH

[2]) https://bit.ly/3xmxAEo

[3]) https://bit.ly/3gxo4HZ

[4]) https://www.bbc.com/arabic/middleeast-39984179

[5] https://al-ain.com/article/iran-elections-journalists-guard

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة