الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل يُشعل قتل الطفلة “لولا” نيران “الإسلاموفوبيا” في فرنسا؟

اليمين المتطرف متهم باستغلال حادثة مقتل مراهقة فرنسية على يد مهاجرة جزائرية غير شرعية للتحريض ضد الأجانب

كيوبوست – حسن الأشرف

تحول حادث قتل تلميذة فرنسية على يد مهاجرين جزائريين، قبل أيام خلت، بفرنسا، والذي يدخل في إطار “أخبار الجرائم” المتداولة في أي مجتمع، إلى حملة ممنهجة يقف وراءها اليمين المتطرف، والذي استغل الفرصة ليكيل التهم إلى المهاجرين المسلمين المقيمين بطريقة غير شرعية بفرنسا.

وانتقد مراقبون نهج أطراف سياسية؛ خصوصاً شخصيات وأحزاب يمينية متطرفة، تجاه هذا الحادث المأساوي من أجل تصفية الحسابات، واتهام الحكومة الفرنسية بالتقاعس حيال طرد المهاجرين المسلمين الذين لا يملكون أوراقاً قانونية للإقامة في هذا البلد الأوروبي، الشيء الذي ينذر بحصول موجة جديدة من “الإسلاموفوبيا”.

اقرأ أيضاً: إسلام تنويري في فرنسا.. خطة ماكرون المثيرة للجدل!

إلزامية المغادرة

واهتزت فرنسا قبل أيام مضت على وقع خبر بشأن مقتل الطفلة “لولا”، البالغة من العمر 12 عاماً، على يد مهاجرة غير شرعية ذات أصول جزائرية تُدعى “ذهبية”، فضلاً عن 3 مهاجرين غير نظاميين آخرين من أصول جزائرية.

وفي الوقت الذي لم تُعرف فيه الأسباب الكامنة وراء تلك الجريمة البشعة التي أودت بحياة التلميذة لولا، أقرت المهاجرة الجزائرية (عمرها 24 عاماً، دخلت فرنسا في البداية بطريقة قانونية بتصريح إقامة طالب؛ لكن بعد ذلك صارت مطالبة بمغادرة البلاد)، أنها بدورها كانت ضحية للعنف الأسري.

الفرنسيون يستحضرون روح لولا- المصدر: MAXPPP/ CEDRIC JACQUOT

ويمثل قرار إلزامية مغادرة الأراضي الفرنسية “OQTF” جوهر المواجهة الدبلوماسية بين فرنسا وعدد من بلدان المغرب العربي؛ خصوصاً المغرب والجزائر وتونس، والذي بموجبه تقرر السلطات الفرنسية ترحيل مهاجر أجنبي، أو إجباره على مغادرة الأراضي الفرنسية؛ لا سيما في حالة رفض إصدار تصريح إقامة أو إقامة غير قانونية، أو لا يملك الوثائق التي تسمح له بالبقاء في فرنسا.

وتفيد أرقام وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم إصدار بين يناير ويوليو 2021 ما مجموعه 31 تصريحاً قنصلياً لـ7731 التزاماً بمغادرة فرنسا (OQTF)، ونُفذت 22 حالة طرد، أي بنسبة 0.2 في المئة في حالة الجزائر، و2.4 في المئة بالنسبة إلى المغرب، و4 في المئة بالنسبة إلى تونس.

اقرأ أيضاً: هجوم أونتاريو: الإسلاموفوبيا وأهمية اختيار الكلمات!

ولم تمر الجريمة التي ذهبت ضحيتها “لولا الفرنسية” دون أن تثير حنق شخصيات معروفة بكرهها للمهاجرين الأجانب والجاليات المسلمة بفرنسا على وجه الخصوص؛ وعلى رأسهم المرشح السابق للانتخابات الفرنسية إيريك زمور، الذي وجدها فرصة سانحة لمهاجمة سياسة الحكومة الفرنسية حيال الهجرة.

وكتب زمور معلقاً على هذه الحادثة: “من جنسية جزائرية في وضع غير نظامي، قاتل لولا ما كان ينبغي أن يوجد معنا”، في إشارة إلى أن السبب هو عدم طرد المهاجرين، قبل أن يضيف متسائلاً: “أربعة جزائريين مشتبه بهم في قضية لولا، فمتى ندافع عن أطفالنا ضد هذه المذابح الجماعية التي يرتكبها دائماً نفس الأشخاص”.

إشعال نار الإسلاموفوبيا

د.المحجوب بن سعيد

في هذا الصدد يقول الدكتور المحجوب بن سعيد، باحث في الاتصال والحوار الثقافي، إنه من الطبيعي أن تشغل جريمة قتل “لولا” الرأي العام الفرنسي؛ لأن الضحية طفلة فرنسية لم يتجاوز عمرها 12 ربيعاً، والقاتلة مهاجرة شابة جزائرية تبلغ من العمر 24 ربيعاً.

وأبرز المحجوب بن سعيد، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أنه من المفترض كذلك عدم التسرع في إصدار الأحكام والاتهامات في حق المتهمة بالقتل وانتظار نتائج التحقيقات الجارية حول مختلف أسباب هذه الجريمة الشنعاء؛ بما فيها الأسباب المحتملة ذات الصلة بالحالة النفسية والعقلية لمرتكب الجريمة.

اقرأ أيضاً: بعد فرار ايكويسن… فرنسا تستعد لطرد المزيد من دعاة التطرف

واستدرك المتحدث بالقول: “الأمر غير المنطقي هو نهج أسلوب الانتهازية وتصفية الحسابات وتبرير المواقف السياسية في تعامل بعض الشخصيات البرلمانية الفرنسية مع الحدث؛ خصوصاً الذين ينتمون إلى اليمين المحافظ واليمين المتطرف؛ حيث حمَّلوا الحكومة الفرنسية مسؤولية ما حدث بسبب تأخر السلطات المختصة في طرد الشابة الجزائرية التي سبق أن صدر في حقها قرار يُعرف باسم “إلزامية مغادرة الأراضي الفرنسية”.

وتابع المحجوب بن سعيد بأن “اليمين المحافظ واليمين المتطرف وجدا في هذا الحادث الإجرامي المأساوي فرصة ذهبية لاستثمار النتائج التي حصلا عليها في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية؛ حيث أصبحا ثالث قوة سياسية في البلاد، وبالتالي أصبحا حسب المحللين قادرَين على التأثير في النقاش السياسي الوطني”.

إيريك زمور استغل حادثة لولا ليهاجم المهاجرين

واستحضر المحلل عينه تخصيص مرشحة حزب الجبهة الوطنية ماري لوبين، في برنامجها الانتخابي للرئاسيات الفرنسية الماضية، أولوية كبيرة  لموضوع المهاجرين من خلال إعداد ملف بعنوان “السيطرة على الهجرة”، تضمن عدداً من المقترحات للدفاع عن هوية وتراث فرنسا، كما طالبت بوضع مشروع قانون يجرم دخول المهاجرين إلى الأراضي الفرنسية بطريقة غير شرعية.

وذهب المحجوب بن سعيد إلى أن “التخوف اليوم هو أن يستغل اليمين المتطرف هذا الحادث الإجرامي لتبرير مواقفه العنصرية ضد المهاجرين، أو اعتبار الحادث عملاً إرهابياً قامت به مهاجرة مسلمة بدوافع دينية جهادية متطرفة؛ مما يشعل نار الإسلاموفوبيا من جديد، ويتيح الفرصة لبعض وسائل الإعلام الفرنسية المتخصصة في الإساءة  إلى الإسلام ورموزه؛ لنشر خطاب الكراهية والتمييز العنصري، ونسف الجهود التي تبذلها تيارات سياسية ومنظمات مجتمع مدني فرنسية مساندة للمهاجرين؛ من منطلق مبادئ حقوق الإنسان، ومدافعة عن احترام كرامتهم ودمجهم في المجتمع الفرنسي”.

مشروع معاداة الأجانب

من جهته يرى يوسف لهلالي، كاتب صحفي مغربي مقيم بفرنسا، أن الرأي العام بفرنسا كان مشغولاً بندرة المحروقات وارتفاع الأسعار وتطورات الحرب الروسية- الأوكرانية، وجاءت قضية مقتل الطفلة لولا بشكل مروع وبشع من طرف شابة جزائرية مقيمة بشكل غير قانوني، لينقض قادة اليمين المتطرف الفرنسي على هذه القضية لمهاجمة الحكومة، واتهامها بالتقاعس عن طرد المهاجرين الذين لا تتوفر لهم إقامة أو اتخاذ قرار إداري بترحيلهم، والمطالبة بترحيلهم بشكل فوري.

اقرأ أيضاً: فرنسا تنتهج مقاربة جديدة تجاه مواطنيها المسلمين

يوسف لهلالي

واستطرد لهلالي، في حديث مع “كيوبوست”، بأن هذه القضية وصلت إلى البرلمان، وتم استغلالها من طرف “التجمع الوطني”، وهو حزب يميني متطرف تتوفر له 89 مقعداً بالجمعية الوطنية، والذي تتزعمه مارين لوبين، ونفس الشيء قام به إيريك زمور، زعيم المتطرفين اليمينيين، أيضاً، الذي فشل في الانتخابات الأخيرة ولم يحصل على أي مقعد بالبرلمان، والذي صرح بأن “قتل لولا هو قتل للفرنسيين”.

واعتبر المتحدث أن “هذا التسابق نحو استغلال قضية الطفلة لولا التي قتلت بشكل بشع، جعل أسرتها، التي استقبلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تصدر بياناً تطالب فيه هذه الجهات بعدم استغلال هذه المأساة سياسياً”، مضيفاً أن المحققين لم يفهموا حتى الآن سبب بشاعة الجريمة؛ مما جعلهم يرجحون أن تكون مقترفة هذه الجريمة مختلة عقلياً.

واسترسل لهلالي بأن “استغلال هذا الحادث المأساوي سياسياً من طرف قادة اليمين المتطرف، أظهر كيف أن هذا التوجه السياسي ليس له أي مشروع حقيقي إلا معاداة الأجانب ومطالبة الحكومة الفرنسية بتشديد القوانين المنظمة للهجرة، وكذلك سياسة التأشيرة”، مردفاً بأن فرنسا عمدت إلى تشديد سياسة التأشيرة منذ عدة أشهر، مع بداية الحملة الانتخابية، تجاه البلدان المغاربية، ليصبح مواطنو هذه البلدان رهائن هذه السياسة المتطرفة.

ماري لوبين استغلت الحادثة

وزاد المتحدث بالقول: “هذه سياسة إذا استمرت سوف تضر علاقة فرنسا بهذه البلدان (المغرب والجزائر وتونس)؛ خصوصاً التعاون في مجال التعليم، والبحث العلمي، والتعاون الاقتصادي، وكذلك السياحة؛ حيث يتوافد عدد كبير من سياح هذه البلدان على فرنسا”.

وخلص لهلالي إلى أن تزايد قوة اليمين المتطرف المعادي للهجرة والذي يستغل كل الأحداث العابرة التي تقع هنا أو هناك، لا يقتصر على فرنسا بل يطول بلداناً أخرى؛ مثل إيطاليا والسويد وإسبانيا وألمانيا، حيث تمكن هذا التيار من الوصول إلى الحكم في بعضها، أو من الحصول على عدد مهم من النواب داخل برلماناتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة