الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل يوشك الإخوان المسلمون على الأفول في العالم العربي؟

يمكن أن يؤدي هذا التراجع إلى مزيد من العنف تتبناه الجماعات الأكثر تطرفاً.. كما قد يعني أيضاً ابتكار المزيد من طرق التكيف التي اعتادت الجماعة على تبنيها

كيوبوست

بعد أن ألغت الجمهورية التركية الخلافة الإسلامية ببضع سنين، قام حسن البنا بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، وعلى أمل إعادة الخلافة الإسلامية رفض البنا القومية الغربية معتنقاً القومية الإسلامية الشاملة. من وجهة نظر البنا، فإن الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية، وأن المسلمين هم مجتمع عالمي واحد؛ كان ذلك حافزاً لاكتساب الشعبية، ودافعاً لتبني العنف من قِبل آخرين، بل وخاصية جيدة لاكتساب المرونة.

حققت الفكرة التي تتبناها جماعة الإخوان نمواً وانتشرت في العديد من البلدان، ونجحت طوال عقود من الزمن على الرغم من العديد من الانتكاسات التي واجهتها، ومع ذلك، وكما كافحت فكرتهم من أجل النمو؛ فإن الأفكار والتيارات الأخرى الواقعة على طرف النقيض استطاعت النمو والمنافسة أيضاً، بفضل الدعم الدولي القوي لمبادئ الحكم الرشيد والحرية والاعتدال ونشر قيم التسامح، وبفضل تيار التاريخ والتكنولوجيا الذي يقود إلى المزيد من العولمة.

اقرأ أيضاً: “الإخوان المسلمون في العالم العربي.. مظاهر الأفول ومحاولات البقاء”

وعلى الرغم من عودة شعبية الإخوان المسلمين والجماعات والأفراد الموالين لهم خلال ما عُرف بـ”ثورات الربيع العربي”؛ فإن فشل هذه الجماعات في لعب أدوار بناءة سرعان ما أدى إلى انحسارهم التدريجي؛ الأمر الذي يجعل الكثير من المراقبين يرون اقتراب نهاية الجماعة، خصوصاً مع الأحداث الأخيرة في دول مثل تونس والمغرب والسودان واليمن، والتي تُشير إلى رفض شعبي واسع النطاق لفكر جماعة الإخوان المسلمين رغم تنوع أساليبه؛ وهي استراتيجية راهن زعماء الجماعة على نجاحها، حيث تبنوا فكرة أن تعمل كل مجموعة -أو فرع منهم- بالطريقة التي تلائم المحيط أو الوسط الذي تنشط فيه مع عدم ضرورة الارتباط العضوي أو التنظيمي بالجماعة.

تبرؤ والتزام

في الثمانينيات من القرن الماضي، قام رجل الدين التونسي راشد الغنوشي، بتأسيس حزب النهضة السياسي، الذي يستلهم أفكاره من جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من حظر الحزب من قِبل الدولة في ذلك الوقت؛ فإنه عاد إلى الظهور خلال الثورة التونسية، حيث بلغ ذروة قوته السياسية. كانت الجماهير -في تلك الفترة- تتطلع إلى وجود قيادة تتبنى دعوات الإطاحة بالفساد وخطاب “المظلومية” والعدالة، وكان ذلك الخطاب هو ما برعت الجماعة وفروعها في مختلف أنحاء العالم العربي في تبنيه.

القيادية في حزب الإصلاح اليمني توكل كرمان أثناء ثورة الشباب- “جيتي إمجس”

سرعان ما أفاقت الجماهير مما يمكن تسميته نشوة وسحر الثورة، وأدركت زيف ادعاءات الجماعات التي تحاول استغلال التيار الثوري في تونس، وأدى ذلك إلى تراجع شعبية حزب النهضة سريعاً. ولإنقاذ الموقف سعى قادة الحزب إلى التقرب من الجماهير من خلال إعلان أجندة مختلفة تهدف إلى “الديمقراطية الإسلامية” وليس “الدولة الإسلامية”؛ لكن ذلك لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الرفض والشكوك.

وفي المغرب، يعتبر حزب العدالة والتنمية، الفرع المغربي لجماعة الإخوان المسلمين، وقد تزايدت شعبيته خلال “ثورات الربيع العربي”؛ لكنه سرعان ما تبرأ من الجماعة بعد الإطاحة بالرئيس المصري السابق وزعيم الإخوان المسلمين محمد مرسي، وسعى الحزب إلى تقديم نفسه كـ”حزب إسلامي” يشترك في بعض الأيديولوجيات مع جماعة الإخوان المسلمين؛ لكنه يعمل بمبادئ مختلفة. أما في اليمن؛ حيث يتبنى حزب الإصلاح فكر الإخوان المسلمين أيضاً -بطريقته المحلية الخاصة- فقد أعلن أيضاً مراراً وتكراراً عدم ارتباطه “تنظيمياً” بالإخوان المسلمين، مع تزايد الرفض الشعبي والدولي لهذه الجماعة.

هل تفشل الاستراتيجيات المرنة؟

تكتسب جماعة الإخوان المسلمين والفروع التابعة أو الجماعات المؤيدة لها قوتها من خلال سعيها إلى التوافق مع البيئة المحلية المحيطة، والعمل على المبادئ الدينية التي تمثل أرضية مشتركة للجميع، ومن هذه الأرضية المشتركة يمكن الانطلاق إلى الغايات الأكثر تحديداً، والتي تلتقي في “الإسلام السياسي”. تلك الاستراتيجية المرنة مكَّنت الجماعة من كسب التأييد من جمهور ربما لا يدري حتى أنه قد أصبح “فكرياً” منتمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضًا: خلافات جماعة الإخوان الداخلية هل تنذر باقتراب النهاية؟

لكن مع تطور وسائل الإعلام والاتصالات، أصبح كشف هذا التكيف أسهل من أي وقت مضى، كما أصبحت ردود أفعالهم العنيفة أكثر وضوحاً وانتشاراً أيضاً. هذا التطور في الاتصالات والمواصلات والإعلام هو إحدى نتائج العولمة، وهو تيارٌ مختلف على طرف نقيض، ويستحيل حتى على الدول مقاومته. يُدرك قادة الإخوان شراسة المعركة هذه، وبطبيعة الحال يدفع ذلك الإدراك إلى تبني وسائل أكثر عنفاً لتحقيق أهدافهم.

أردوغان يشير بشعار “رابعة” في السودان- أرشيف

يمكن ملاحظة كيف حاولت جماعات الإخوان المسلمين مواكبة التغيُّرات من خلال التركيز على وسائل الإعلام التي تتبنى خطابهم؛ كانت تلك محاولة لاستغلال القوى التي تعمل ضدهم لـ”صالحهم”. على سبيل المثال، كشفت تسريبات عن دعوة الغنوشي إلى السيطرة على وسائل الإعلام في عام 2012، وعبَّر عن استيائه من سيطرة “العلمانيين” على وسائل الإعلام والاقتصاد، داعياً إلى إنشاء قنوات تليفزيونية ومحطات إذاعية ومدارس وجامعات موازية. ولتحقيق أهداف مشابهة لجميع فروع التنظيم، تبنَّت دول مثل تركيا وقطر استضافة ودعم وتأييد قنوات وأفراد وكيانات متعددة تنتمي إلى الإخوان المسلمين.

تراجع مستمر

في حوار له مع شبكة “دي دبليو” الألمانية، قال المفكر التونسي صلاح الدين الجورشي، إن “حركات الإسلام السياسي؛ وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، في تراجع تدريجي في كل البلدان العربية بشكل عام، وقد تصل إلى الأفول أو الغياب التام في بعض البلدان”؛ يصبح هذا الرأي أكثر قبولاً عند ملاحظة زيادة الضغوط الدولية على تجفيف منابع تمويل الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

اقرأ أيضًا: وسط اتهامات متبادلة.. تصاعد الأزمة داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر

كما يصبح الأمر أكثر وضوحاً عند النظر إلى كيف أدت المصالح، وليس الأيديولوجيا، إلى تراجع تركي لافت للنظر لدعم وتغطية أنشطة الإخوان المسلمين الاقتصادية والإعلامية. لطالما اُعتبر النظام التركي أحد أكبر الداعمين على الإطلاق للإخوان المسلمين؛ لكن هذا الدعم جعل البلاد أبعد ما تكون عن الوفاق والتكامل السياسي والاقتصادي الإقليمي. شملت مظاهر التراجع الأخرى انشقاقات واختلافات واضحة على هرم القيادة للتنظيم؛ وهي انشقاقات يراها الكثير من المطلعين أنها بداية أفول الجماعة أو على الأقل تراجع مرحلي لها.

يتجه العالم اليوم إلى مزيد من الحرية والتسامح والترابط والتكامل السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من عدم اتفاق الخبراء على ما يمكن أن يُطلق على عصر ما بعد “الحرب الباردة”؛ فإن هناك شبه اتفاق على أنه عصر العولمة والاتصالات، عصر جديد مختلف يصنع جيلاً أكثر دراية وبصيرة وعقلانية وقبولاً للآخر؛ وهذا يعني تراجعاً مستمراً للكثير -إن لم يكن كل- مبادئ وأساليب جماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك، فهذا لا يعني اختفاء الجماعة؛ بل يمكن أن يؤدي هذا التراجع إلى مزيد من العنف تتبناه الجماعات الأكثر تطرفاً والجماعات الإرهابية لمقاومة التغيير، كما قد يعني أيضاً ابتكار المزيد من طرق التكيف التي اعتادت الجماعة على تبنيها، ومن جديد سيكون تيار التطور والاتجاهات العالمية بالمرصاد لكل ذلك طالما استمرت الإرادة والالتزام لدى الدول للحفاظ على سيادتها ومصالحها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة