الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل ينقذ سعيّد قطاع الفوسفات من غول الفساد؟

الفساد وسوء الإدارة والإضرابات تدفع تونس لاستيراد الفوسفات بعد أن كانت ضمن الدول الأربع الأولى المصدرة له

تونس- فاطمة بدري

قررت السلطات القضائية في تونس في التاسع من أغسطس، منع 12 مسؤولاً حكومياً من السفر؛ بسبب اتهاماتٍ تتعلق بشبهة فساد مالي وإداري في صفقات استخراج ونقل الفوسفات. ملف تم فتحه بعد أيام قليلة من استئناف إنتاج الفوسفات في البلاد، بدعوة من الرئيس قيس سعيّد، المتوقف منذ أشهر بسبب الفساد والاحتجاجات، وفشل الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011 في تنظيم إنتاج هذه الثروة الطبيعية التي كانت تشكل مصدراً مهماً لدعم الاقتصاد التونسي.

وحسب الناطق الرسمي باسم القطب القضائي الاقتصادي والمالي، محسن الدالي، فإن من بين هؤلاء المسؤولين الذين تم منعهم من السفر، وزير الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة السابق، سليم الفرياني، ومدير عام سابقاً لشركة فوسفات “قفصة” (جنوب غربي)، ومراقب مالية بوزارة المالية، بالإضافة إلى مديرين بشركة فوسفات “قفصة”، ووكلاء شركات مناولة خاصة، ونائب في البرلمان (لطفي علي) وشقيقه.

اقرأ أيضًا: هل ينجح سعيد في إصلاح خراب عقد من حكم الإسلاميين بتونس؟

كان النائب لطفي علي، محور حديث الرئيس سعيّد لدى لقائه، منذ أيام قليلة، رئيسَ الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة سمير ماجول؛ حيث قال حينها: “هناك من النواب مَن يتحصن بالحصانة لتعطيل نقل الفوسفات بالقطار من خلال تكسير السكك الحديدية”.

وتؤكد جملة من التقارير حصولَ لطفي على العديد من عقود نقل الفوسفات على متن الشاحنات من شركة فوسفات “قفصة” عبر شركته التي تحمل اسم “شركة لطفي علي للأشغال العامة”، أو عبر شركة “سوتراب” التي يمتلك أسهماً فيها، وقد جنى من وراء هذه العقود أكثر من 36 مليون دينار بين 2011 و2020.

غلق سكة القطار لصالح شاحنات النائب لطفي علي- (صورة وكالات)

ورغم محاولات هذا النائب نفي تهم الفساد واستغلال منصبه السياسي لاختراق القانون؛ فإن وثائق حصلت عليها منظمة “أنا يقظ” (منظمة مستقلة رقابية ذات مصداقية) من شركة فوسفات “قفصة” منذ سنة 2018، أكدت أن مجمع المقاولات الذي يشارك فيه النائب عبر شركة يمتلك ربع حصصها، قد غنم 17 مليون دينار من عقود نقل الفوسفات عبر الشاحنات إبان 2014، من مجموع 23 مليون دينار حصل عليها بين 2012 و2017.

وأوضحت المنظمة أنها تحصلت على عقد يعود تاريخه إلى يناير 2014، يكشف عن التزام “مجمع مقاولات لطفي علي” تجاه شركة فوسفات “قفصة” بشحن الفوسفات، ونقله من الرديف وأم العرايس (من محافظة قفصة جنوب غربي) إلى مصانع المجمع الكيميائي التونسي بمحافظة قابس (جنوب شرقي) أو إلى المصنع التونسي الهندي للأسمدة بالصخيرة (محافظة صفاقس جنوب شرقي)، وذلك مقابل مبلغ مالي قيمته 7 ملايين دينار، ارتفع في 2017 لـ17 مليون دينار.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث في تونس؟ كل ما تحتاج إلى معرفته

وأكدت المنطقة أن كراسة شروط الصفقة تبين أن ثمن نقل الطن الواحد من الفوسفات بلغ 20997 ديناراً إذا تم استعمال مسالك أساسية متراوحة بين 230 كم و240 كم، بينما يمكن لقيمة الصفقة أن ترتفع بنسبة 140 في المئة لتصبح 9.8 مليون دينار؛ أي بثمن 36 ديناراً للطن الواحد، والحال أن ثمن الطن لنقل الفوسفات على متن القطارات لا يتجاوز خمسة دينارات فقط.

التونسيون ينتفضون ضد “النهضة” وزعيمها- (وكالات)

تراجع كبير

وشهد إنتاج الفوسفات بتونس في السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً؛ بسبب الإضرابات والاعتصامات المتكررة في شركة فوسفات “قفصة”، وعجز الحكومات عن إيجاد استراتيجية واضحة لتنظيم نشاط هذه المؤسسة، فضلاً عن استغلال بعض السياسيين مناصبهم من أجل استنزاف هذه المؤسسة على غرار النائب لطفي علي، المتهم فضلاً عما سبق ذكره، بتحريض المحتجين على غلق سكك القطار؛ حتى يفتح المجال لشاحناته دون الاكتراث لحجم الخسائر المالية التي تتكبدها الدولة جراء ذلك، وهو ما تسبب تدريجياً في تراجع الإنتاج إلى معدلات قياسية؛ بل ولتوجه تونس لاستيراد هذه المادة بعد أن كانت من أهم المصدرين في العالم؛ إذ وصلت في أواخر شهر أكتوبر 2020، إلى الميناء التجاري بمحافظة قابس سفينة محملة بـ16500 طن من مادة الفوسفات، قادمةً من الجزائر.

تراجع كبير في إنتاج الفوسفات في تونس- (صورة وكالات)

ولم يتجاوز معدل الإنتاج السنوي من الفوسفات منذ 2011، 3.5 مليون طن سنوياً مقابل إنتاج 8.3 مليون طن عام 2010. ويبلغ احتياطي تونس من الفوسفات سبعة مليارات طن.

كما كانت تونس في 2010 تصدر ما يقارب 80 في المئة من إنتاجها من الفوسفات إلى أكثر من 20 سوقاً خارجية؛ كالأسواق الآسيوية والأمريكية اللاتينية والأوروبية.. وغيرها، كما كانت قادرة على تأمين حاجات السوق الداخلية المقدرة بـ20 في المئة، بالإضافة إلى توفير 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

اقرأ أيضاً: رواد “فيسبوك” في تونس يصطفون وراء سعيّد

ومنذ لقاء سعيّد رئيسَ الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة في الـ29 من يوليو، وإعلانه أنه ستتم محاسبة كل رجال الأعمال الذين ارتكبوا جرائم ومخالفات في حق الدولة، ودعوته لاستئناف إنتاج الفوسفات فوراً، عاد الإنتاج تدريجياً.

استؤنف نقل شحنات الفوسفات بالقطار لأول مرة منذ عام تقريباً في منطقة الحوض المنجمي بعد توقفها عقب احتجاجات أغلقت خط السكك الحديدية؛ وهي خطوة من شأنها أن تساعد الاقتصاد التونسي على التقاط أنفاسه في ظلِّ الأزمة الخانقة التي يعيشها؛ خصوصاً إذا ما تم علاج مشكلات هذا القطاع وعودته تدريجياً إلى سالف نشاطه.

هل ينجح سعيّد؟

وذكرت بيانات حديثة صادرة عن إدارة الإنتاج بشركة فوسفات “قفصة” المملوكة للدولة، هذا الأسبوع، أن المعدل الشهري للإنتاج قفز من 118 ألف طن في الربع الأول من هذا العام إلى 423 ألف طن بنهاية يوليو، بعد أن استأنفت وحدات الإنتاج الواقعة بكل من المتلوي وأم العرائس، وأيضاً المظيلة، نشاطَها.

وشركة فوسفات “قفصة”، ذات صبغة صناعية مختصة في إنتاج الفوسفات، تأسست عام 1987، برأسمال 268 مليون دينار (95.7 مليون دولار).

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يرسم ملامح الجمهورية التونسية الثالثة

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، اعتبر أن الفسادَ وسوءَ الإدارة أدَّيَا إلى تهاوي معدلات إنتاج الفوسفات لمستويات قياسية في البداية، ثم اللجوء في مرحلةٍ لاحقة إلى استيراد الفوسفات، وتوجيه ضربة قاضية إلى الاقتصاد التونسي، بعد أن كان الفوسفات مصدراً رئيسياً لجلب العملة الصعبة لعقود طويلة في تونس، متوقعاً أن يتم استدراك هذا المنعرج الخطير في أقرب وقت ممكن؛ لتوجيه رسائل طمأنة إلى المستثمرين الأجانب.

رضا الشكندالي

وقال الشكندالي لـ”كيوبوست”: “لقد ترك استيراد تونس للفوسفات بعد أن كانت من الدول المصدرة، انطباعاً سيئاً عن تونس لدى الأسواق الخارجية، التي ذهب بعضها إلى إلغاء وتأجيل معاملاتها مع الشركات التونسية. وهذه كانت صفعة موجعة لتونس واقتصادها المنهك؛ لكن وفي ظل توجه الدولة مؤخراً إلى إعادة إنتاج الفوسفات، فإني أرى أن هذه العملية لا بد أن تجري بنسق سريع مع توفر إرادة حقيقية لتطبيق القانون في جميع مواقع الإنتاج.

اقرأ أيضاً: التونسيون يستحقون ما هو أفضل

السلطات التونسية مدعوة اليوم للإسراع في تطبيق القانون ضد حالة التسيب والتراخي والفساد أيضاً داخل المؤسسات الكبرى العمومية؛ خصوصاً ذات التأثير المباشر على اقتصاد البلاد وصورته أمام العالم، ووضع حد لكل التجاوزات التي أدَّت إلى ما سلف ذكره. أعتقد أنه في حال الانخراط جدياً في إصلاح كل الأعطاب والمشكلات العالقة ستمرر رسائل للمستثمرين الأجانب وتشجعهم على العودة واسترجاع ثقتهم في السوق التونسية ودعم اقتصاد البلاد”.

وتجدر الإشارة أن حجم الاستثمار في الاستكشاف والتنقيب عن المعادن في تونس قد تراجع من 400 مليون دولار سنة 2010، إلى 87 مليون دولار سنة 2017.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة