الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هل ينجح شيوخ الزهد في مواجهة خطاب الموت والتطرف؟

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

بعد الأحداث الإرهابية التي عاناها المغرب عام 2003، وانضمام شباب مغاربة إلى الجماعات الإرهابية المتشددة في سوريا والعراق، وتواتر الأعمال الإرهابية التي صارت تهدِّد كل دول العالم، توجَّه عديد من الدول العربية؛ ومن بينها المغرب، إلى دعم التصوُّف لمحاربة الفكر المتشدد.

التصوف علم يشمل جميع العلوم

على خلاف التطرُّف، يدعو التصوُّف إلى التعددية ونبذ خطاب العنف والكراهية. وعرَّفه ابن خلدون بأنه “من العلوم الشرعية الحادثة في الملة”1.

اقرأ أيضًا: الصوفية في الأردن.. مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

حسب الباحث المغربي محمد بن تاويت الطنجي، فابن خلدون لم يحسم في تحديد مفهوم التصوُّف، معتبرًا أنه علم يشمل جميع العلوم؛ “فالصوفيون لم ينفردوا بنوع من العلم دون نوع، ولم يترسَّموا برسم من الأحوال والمقامات دون رسم؛ وذلك لأنهم معدن جميع العلوم”2.

ويقول محمد بن تاويت الطنجي: “إن المتصوف لم يُعرف في تاريخه الطويل بين المسلمين خاضعًا للمذاهب الفقهية التي يخضع لها المفتون، فلا نعرف تصوفًا حنفيًّا ولا مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا؛ لكن نعرف تصوفًا إسلاميًّا”3.

ويُضيف الطنجي أن التصوف “يشمل كلًّا من العابد والزاهد والعارف”4.

ينبني التصوف على الزهد والتوكل والبحث عن الطمأنينة- “أ ف ب”

الوجه الآخر للإسلام

يعتبر بعض الباحثين أن التصوف هو الوجه الآخر للإسلام الذي شوَّهته الأفكار الظلامية؛ لأنه “يعتمد في بُعده السلوكي على الزهد كموقف اجتماعي، وهو ما يُعبر عنه بالمقامات والتوكل والفقر..”5.

“كما يعكس في إطاره التنظيمي القائم على نوع من نظام التراتبية الذي حدده إطار الولاية والأولياء، ومدلول الأولياء يشمل كل الفرق الإسلامية”6.

الفرد المتصوف لا يجد عائقًا في الاندماج بالمجتمع المتعدد، عكس التنظيمات المتطرفة التي تنبني على إقصاء الآخر المختلف والتحريض ضده، وتُعزز خطاب التمركز حول الذات، والأنا الأفضل.

اقرأ أيضًا: أرض تنبت الأولياء

الجهادان الأكبر والأصغر

وعند عودة الرسول محمد من إحدى غزواته، قال لصحابته: “عُدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، موضحًا أن الجهاد الأكبر يُعد جهاد القلب وجهاد العبد على شهواته.

ويُركز شيوخ الفكر التطرُّفي على الجهاد الأصغر باعتباره خلاص المسلم من الآخر الكافر الذي لا يمكن التعايش معه؛ بينما التصوُّف يدعو إلى جهاد النفس ضد الرغبات والنزوات والزهد.

اقرأ أيضًا: ماسينيون الفرنسي.. قرينُ الحلاج الصوفي والمعرفي!

يدعو المتصوفة إلى نزع السلاح وتغذية التوجه الإنساني المسالم، كما يحرضون على الحب عوضًا عن الكراهية والتطرف.

ويمر التصوُّف من مراحل تهدف إلى الإحساس بالسلم الداخلي و”تهدئة النفس والقضاء على الصراعات النفسانية وعلى العُقد والإحباطات، وأيضًا على التوجهات السلبية والتدميرية لدى المُرِيد؛ حتى يصل إلى التوازن النفسي والعقلاني والعاطفي، ليصل إلى مرحلة يُمكن له أن يتلقَّى فيها صفات الله”7. هكذا يصف جواد نوربخش، شيخ الطريقة النعمة اللهية والطبيب النفسي، مراحل التصوف.

الزاوية الكركرية إحدى الزوايا الصوفية بالمغرب- أرشيف

المتطرف يعيش صراعًا نفسيًّا

في حين يتأسس الخطاب الديني المتطرف على تغذية الشعور بالذنب والخطيئة، وأن الوسيلة الوحيدة للخلاص تكمُن في الجهاد في سبيل الله والقتل لأجل بلوغ الجنة.

يستثمر شيوخ التطرُّف في عُقدة الإحساس بالذنب والأنا المنهزمة التي تعتبر أن قوتها وانتصارها الوحيد في العودة إلى الماضي والاقتداء بالسَّلَف؛ ما يجعل المتطرف يعيش صراعًا نفسيًّا واضطرابات تجعله يخضع لأوامر شيخه، ويعتبر أن العنف معبَرَه الوحيد لبلوغ الأمل المنشود في زمن الانتكاسات.

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

يستخدم الصوفيون الزهد للتعبير عن كبتهم لرغباتهم والارتقاء الروحي. ويُشدد شيوخ التطرف على أهمية قمع الحريات وكبتها؛ لكنهم في المقابل يُبدعون في وصف حور العين وأنهار الخمر وغيرهما من الملذات في الجنة؛ ليصبح قتل الشاب المتطرف للكفار ونفسه وسيلته لبلوغ الجنة، حيث سيشبع حاجياته البيولوجية والجسدية والعاطفية التي تعد من المحرمات في الدنيا ويجب قمعها.

الطوائف جميعها ترى نفسها فيه

يعتبر التيار الصوفي أن الإسلام ليس مجرد نص؛ بل تجربة معيشة منذ قرون عدة، ومذهب يشمل جميع المتصوفة في مختلف أنحاء العالم دون استثناء.

يُشجِّع الفكر الصوفي الانفتاح على الأديان، والمزج بين الثقافات، رغم تعرُّضه إلى حملات شيطنة من دعاة الفكر المتشدد.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة، والهدف منها؟

ويؤكد جلال الدين الرومي، في إحدى قصائده، أنه “لم يكن مسيحيًّا ولا يهوديًّا ولا مسلمًا”، نافيًا عن نفسه كل ذلك؛ ليذوب في الله.

وكان الرومي منفتحًا على جميع المذاهب، وقال ذات مرة: “أقدم كُنت مَن كنت كافرًا أم كنت وثنيًّا.. لا يهم”8.

وخلال جنازته حضر الجميع، مسلمون ويهود ومسيحيون؛ لأن “جميع الطوائف كانت ترى نفسها فيه؛ كان اليهود في جنازته يرتلون مزاميرهم، والمسيحيون قارئين أناجيلهم، ولم يدر في خلد أحد أن يبعدهم عن جنازته.. واستدعى السلطان المسؤولين عن الطوائف وسألهم عن السبب الذي جعلهم يكرمون مسلمًا، فأجابوا: عندما رأيناه عرفنا حقيقة عيسى وموسى وكل الأنبياء”9. 

رغم وجود اختلافات شاسعة بين التصوُّف والتطرُّف؛ فإنهما ينطلقان من ثنائية الشيخ والمُريد.

مريدون رفقة أحد شيوخ الزاوية التيجانية- “أ ف ب”

شيخ يحرِّض على القتل وآخر على الزهد

شيخ الجماعات المتشددة يُحرِّض على القتل في سبيل الله، وشيخ الجماعة الصوفية يدعو مُريديه إلى الانسحاب من الأمور الدنيوية والزهد.

وهل يمكن أن نحارب الجهاد ضد الآخر بالجهاد ضد النفس، وتجريد الفرد من حقِّه في طرح السؤال أو النقد والتفكير بعقلانية؛ لمساءلة تراثه وتنقيحه، حتى يتمكن من التعايش مع الآخر بعيدًا عن الفكر الظلامي؟

علاج التطرُّف بالتصوُّف يعني إخراج الفرد من جماعة لندخله في جماعة أخرى، وننقله من عالم العنف والكراهية إلى عالم ليِّن، لا يسأل ولا يُحاسب ولا يهتم بشؤون السياسة.

اقرأ أيضًا: سيكولوجية المغاربة بين ضريح سيدي عبدالرحمن و”موروكو مول”

فسح المجال أمام الحرية

في كلا التوجهَين يغيب العقل النقدي، ويحظى الشيخ بالسلطة للتحكم في شؤون المُريدين، ويتحول التقرب من الشيخ وإرضائه إلى غاية أسمى حتى ولو كانت على حساب الفرد.

في زمن العولمة ووفرة المعلومات لا يمكن ضبط الفرد ووضعه داخل جماعة معينة لحمايته من الفكر المتطرف؛ بل يجب فسح المجال أمام الحرية والإبداع واحتضان أسئلة الشاب الحارقة، والسماح له بالتعبير عنها.

ويمكن اعتماد بعض أُسس التصوُّف في مناهج التعليم؛ مثل تقبُّل جميع الأديان والتعايش مع الآخر؛ لكن دون تربية الذات على أنها بحاجة إلى شيخ للبحث عن خلاصها.

المراجع:

1-ابن خلدون المقدمة، الفصل السابع عشر، في علوم التصوف، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1967، ص 863.

2- أبو النصر السراج، اللمع، تحقيق د.عبدالحليم محمود وطه عبدالباقي سرور، دار الكتب مصر، دار المثنى، بغداد 1960، ص 40.

3- ابن خلدون، شفاء السائل لتهذيب المسائل، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي إسطنبول، 1985 ص، 18.

4- نفس المرجع رقم 3 ص 5.

5- أبو طالب المكي، قوت القلوب بيان حقيقة الزهد، ص 163.

6- أبو الحسن علي الجرجاني، كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر 1971، ص 22.

7-Dans la taverne de la ruine. Manuel du soufisme traditionnel, Cabrière d’Avignon, 1997.P 21 

8- مختارات من الرباعيات للرومي، ترجمة محمد عيد إبراهيم، دار الأحمدي للنشر القاهرة، 1998، المترجم.

9- Eva de Vitray-Meyerovitch, Islam, l’autre visage, Paris, 1995 p97-98

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة