الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل ينجح سعيد في إصلاح خراب عقد من حكم الإسلاميين بتونس؟

إن فك الحصار على قيس سعيد مهمة شعبية.. وهؤلاء الذين نزلوا إلى الشوارع كفراً بالجوع والقمع والفساد لا شيء يمنعهم من العودة إليها ثانية

تونس- فاطمة بدري

أثارت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد، تجميد كل أنشطة وسلطات البرلمان، وحل الحكومة، وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه، وتوليه رئاسة السلطة التنفيذية، ورئاسة النيابة العمومية، ونشر قوات الجيش حول عدد من المؤسسات الحكومية، جدلاً كبيراً في الداخل التونسي وخارجه، وأربكت الأحزاب الحاكمة؛ خصوصاً حركة النهضة التي ما زالت تصر على رفض ما حدث وتتمسك بالعودة إلى وضع ما قبل 25 يوليو. مشهد يشكل بمحاميله السياسية منعرجاً تاريخياً حاسماً بالنسبة إلى تونس، قد يؤسس لمرحلة يعتقد أغلب التونسيين أنها ستكون كفيلة بإصلاح ما أفسده عقد من حكم الإسلاميين.

ويبدو أن الرئيس التونسي كان مدركاً للتداعيات المحتملة لقراراته، ليسارع أولاً للإعلان عن تحمله المسؤولية الكاملة عما ستشهده هذه المرحلة الدقيقة، ثم خاطب العالم القلق حيال ما قد يحدث في تونس بشأن مكتسبات ثورة يناير 2011؛ خصوصاً المتعلقة بالحريات الخاصة والعامة، وحرية التعبير، مشدداً على أنه لا مجال للتراجع عنها؛ خصوصاً أنه أستاذ للقانون الدستوري، ويدرك جيداً قيمة وأهمية هذه المكاسب، ويعي ضماناتها الدستورية والقانونية.

اقرأ أيضاً: التونسيون لا يأسفون على رحيل “النهضة” من الحكم

وتجدر الإشارة إلى أن هذه القرارات اتخذت عقب احتجاجات في محافظات عديدة، الأحد 25 من يوليو، طالبت بإسقاط المنظومة الحاكمة بكاملها، واتهمت الأحزاب الحاكمة؛ وفي مقدمتها حركة النهضة الإسلامية بالفشل، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية.

وبينما تواصل حركة النهضة مكابرتها وترفض الاعتراف بأن ما جرى في تونس كان أساساً بسبب فشل سياساتها التي اتبعتها على مدار عشر سنوات من تصدرها المشهد السياسي في البلاد، يُجمع غالبية التونسيين على أن تلك القرارات تصحيح للمسار، وإنقاذ للبلاد من حالة الانسداد والأزمات متعددة الرؤوس (سياسية واقتصادية وصحية واجتماعية) التي خلفتها سنوات الفوضى واستشراء الفساد وهيمنة اللوبيات بتغطية من المنظومة التي تحكم البلاد منذ ثورة يناير 2011 بقيادة حركة النهضة الإسلامية.

سعيّد تجاوب مع رغبة شعبية سئمت المنظومة الحالية- (صورة وكالات)

مؤشرات كارثية

ويستند المؤيدون لموقف سعيّد والمعتبرون أن ما حدث هو إنقاذ للبلاد، إلى جملة من المؤشرات والأرقام الرسمية التي تؤكد فشل الطبقة السياسية بقيادة حركة النهضة، في تحقيق التنمية التي تطلع إليها الشباب الذي انتفض في 2011 من أجل التغيير.

فرغم تعاقب أكثر من عشر حكومات على السلطة منذ سنة 2011؛ فإنها اتفقت جميعها على الفشل في تحسين الحياة اليومية للمواطنين، وهذا ما تؤكده الأرقام والإحصائيات؛ فقد ارتفعت البطالة من 13 في المئة عام 2010 إلى 17.6 في المئة على الصعيد الوطني عام 2020، وتتجاوز 30 في المئة في المناطق الداخلية. كما تضاعف عدد العاطلين عن العمل في صفوف خريجي الجامعات من 130 ألفاً عام 2010 إلى 300 عاطل عن العمل عام 2020.

اقرأ أيضاً: استعادة الثورة التونسية من الإسلامويين

وارتفعت نسبة البطالة في تونس إلى 17.8 في المئة خلال الثلث الأول من السنة الحالية، وَفق مؤشرات التشغيل والبطالة للثلث الأول من 2021، التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء.

وبلغ عدد العاطلين عن العمل 742.8 ألف شخص من إجمالي السكان النشطين الذين يفوق عددهم 4.1 مليون شخص؛ أي بزيادة قدرها 15.7 ألف عاطل مقارنة بالثلث الرابع من 2020.

كما كشف “المعهد الوطني للإحصاء” (مؤسسة رسمية)، منذ فترة، أن عدد التونسيين تحت عتبة الفقر يقدر بنحو 1.7 مليون تونسي من جملة 11 مليون نسمة، وأن نسبة الفقر بلغت مستويات قياسية في بعض المناطق لتتجاوز عتبة الـ53 في المئة وبنسبة 21 في المئة في عموم البلاد.

تفاقم الفقر في فترة حكم “النهضة” لمستويات قياسية- (صورة وكالات)

كما أكد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، في دراسة أعدها منذ فترة، أن نسبة الطبقة الوسطى تراجعت في تونس من 70 في المئة عام 2010 إلى 50 في المئة عام 2015، لتصل عام 2018 إلى حدود 55 في المئة، والرقم في ازدياد؛ بخاصة بعد جائحة كورونا.

وتواجه تونس أزمة اقتصادية حادة فاقمتها تداعيات جائحة كورونا، وشهدت منحنى تصاعدياً لديونها؛ فهي مطالبة بسداد ديون قيمتها 4.5 مليار يورو خلال عام 2021. كما أنها بحاجة إلى 19 مليار دينار (نحو 5.7 مليار يورو)؛ للإيفاء ببنود ميزانيتها لعام 2021، في ظلِّ أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة. وقد سجل الاقتصاد التونسي خلال 2020 تراجعاً تاريخياً للناتج الداخلي الخام، ناهز 8.9 في المئة. وسجلت تونس للمرة الأولى، منذ عام 1962، تدهوراً في الناتج المحلي ونسبة نمو سلبية ناقص 9 في المئة.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يرسم ملامح الجمهورية التونسية الثالثة

ولم تدفع كل هذه المؤشرات الكارثية حركة النهضة لمراجعة سياساتها أو للتنازل من أجل إنقاذ البلد من أزماته المتراكمة، وظلت تلاحق التوافقات المشبوهة التي تضمن هيمنتها على السلطة، وتسمح لها بأن تكون الطرف الممسك بزمام الأمور. وظلت ترفض التنازل حتى وهي تراقب انزلاق البلاد إلى أزماتٍ اقتصادية واجتماعية وصحية خطيرة، وواصلت التمسك بحكومة المشيشي رغم فشلها الذريع؛ لأن الأخير قدم ولاء الطاعة للحركة منذ تسلمه مهامه رسمياً.

وبينما كان الوباء يفتك بالتونسيين مع عجز الدولة عن كبح تفشي العدوى، وبينما كانت المستشفيات تئن تحت وطأة الوضع الوبائي، وشح الأكسجين، وبلوغ طاقة الاستيعاب القصوى للمرض، كانت حركة النهضة، الشريك الرئيسي في الائتلاف الحكومي، تعد لإقرار تعويضات بمئات ملايين الدولارات لمنتسبيها وقياداتها التي تقول إنهم تضرروا من حكم النظام السابق، بينما تئن البلاد تحت وطأة أسوأ أزمة مالية.

أزمة اقتصادية اجتماعية بسبب “كورونا”- (أ.ف.ب)

كانت هذه الخطوة بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، واعتبرها التونسيون من قبيل الفساد ونهب المال العام، بينما تغرق شرائح واسعة من المجتمع التونسي في الفقر والبطالة بالموازاة مع تردي المقدرة الشرائية، وموجة غلاء غير مسبوقة. وكانت المحرك الأساسي للاحتجاجات الواسعة التي شهدتها كل محافظات البلاد، وانتهت بحرق مقرات “النهضة”، والتي دعت إلى حل البرلمان والحكومة ورحيل الطبقة السياسية؛ خصوصاً حركة النهضة التي حمَّلوها المسؤولية الكبرى عما آلت إليه الأمور.

سعيّد يواجه تحديات كبيرة

وجدتِ القوى السياسية الرافضة قرارات الرئيس التونسي نفسها أمام خيارات محدودة للتعامل مع تجميد عمل البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه، بعد أن فشلت محاولات تشويه المؤسسة العسكرية في تونس، وتمسك سعيّد بقراراته، وإثر رسائل الطمأنة التي أطلقها لدى الغرب.

اقرأ أيضاً: رواد “فيسبوك” في تونس يصطفون وراء سعيّد

ومنذ إعلان سعيّد عزمه فتح ملفات الفساد؛ بما في ذلك القضايا المتعلقة بالأحزاب السياسية المرتبطة بعمليات التمويل الأجنبي للحملات الانتخابية، وعلاقة بعضها بالجرائم الإرهابية، حتى سارع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، لتصعيد خطابه ضد قرارات سعيّد، وكثَّف لقاءاته الصحفية مع وسائل إعلامية أجنبية؛ بهدف تأليب الرأي العام الغربي. لكن الغنوشي الغاضب مما آلت إليه الأمور والخائف من المحاسبة؛ بسبب يقينه بأنه متورط في الكثير من القضايا الخطيرة، ذهب لتمرير خطاب يبدو أن ارتداداته كانت خطيرة.

ففي حديثه إلى صحيفة إيطالية، هدَّد الغنوشي بالعنف والإرهاب في تونس، وأوروبا، بإطلاق آلاف المهاجرين على حدودها. وتلقف الرأي العام التونسي والسلطات الغربية هذه التصريحات التي تستبطن تهديداً مباشراً لأمن تونس وأوروبا، وكان بين هؤلاء قيادات من داخل الحركة، أعربوا عن استنكارهم هذه التصريحات، وعدم تأييدهم لها؛ ليضطر الغنوشي إلى إصدار بيان يقول فيه إن كلامه قد أسيء فهمه، وهي استراتيجية عادة ما تستخدمها الحركة كلما انزلقت في فعل أو قول وقوبل برفض شعبي واسع.

“النهضة” تفشل في تشويه الجيش التونسي- (صورة وكالات)

وفي خضم هذه الأوضاع، ما زال التونسيون يترقبون ما ستحمله الأيام القادمة من معطيات في ظلِّ تهديدات الغنوشي بالإرهاب وتمسك سعيّد بمواصلة ما بدأه. ولهذا تبدو السيناريوهات مفتوحة على جملة من الخيارات جميعها مرتبطة بكيفية تعاطي حركة النهضة مع ما يجري.

السيناريو الأول: أن تعي حركة النهضة أنها وحيدة الآن، وأن الجميع قد تخلى عنها؛ خصوصاً القوى الكبرى، ونعني بذلك الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، الذين لم يُدينا قرارات قيس سعيّد، بل مرر بعضهم رسائل طمأنة، وتقرر الخروج ولو مؤقتاً للقيام بالمراجعات اللازمة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

في الأثناء سيعمل سعيّد مدعوماً بالشعب وببعض المنظمات القوية في البلاد؛ مثل اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف والمنظمات الحقوقية والقوى الكبرى، مثل أمريكا والاتحاد الأوروبي، على إصلاح خراب أكثر من عشر سنوات. وسيتم تخليص القضاء من سيطرة “النهضة”، وتتم محاسبة الكثير من المسؤولين الذين طبعوا مع الفساد؛ بينهم قيادات حزبية مهمة. وبعد مدة وجيزة لن تتعدى ثلاثة أشهر، سيتم الإعلان عن تنظيم استفتاء من أجل تغيير الحكم ينتهي بتأييد تغييره من برلماني إلى رئاسي، وتنيظم انتخابات يغيب عنها الكثير من الوجوه القديمة التي لفظها التونسيون.

وهذا السيناريو المثالي جداً قابل للتفعيل في حال نجح سعيّد بمعية الجيش، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسة القضائية، من محاصرة قيادات “النهضة” المتورطين في الفساد والقادرين على تحريك العنف والإرهاب واختراق جهازهم السري، واستباق كل محاولاتهم ضرب استقرار البلاد وجرها إلى مستنقع العنف.

فشلت حكومة “النهضة” في تلبية مطالب الشعب التونسي- وكالات

السيناريو الثاني: أن تتوجه حركة النهضة إلى القوى الغربية، وتقدم نفسها كضحية لانقلاب مدبر أزاحها من السلطة وضرب الديمقراطية، وستستدعي كما تعودت دائماً دور المظلومية. ولكي تضفي بعض المصداقية على هذه المسرحية، ستدعو قواعدها إلى الاحتجاج والاعتصام ضد ما ستسميه انقلاباً على الشرعية، وستدفعهم لاستفزاز مناصري سعيّد وحتى قوات الأمن؛ بهدف جرِّ السلطة التي ستكون تحت يد الرئيس قيس سعيّد، إلى فض اعتصاماتهم في مشهد شبيه بأحداث رابعة العدوية في مصر. ولن تتردد في تسريب السلاح إلى هذه المجموعات أو إدخال مندسين من العناصر الإرهابية؛ بهدف وقوع مشاهد دموية سيتلقفها إعلام حليفَيها القطري والتركي، لتأليف قصص وهمية كما جرت العادة.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث في تونس؟ كل ما تحتاج إلى معرفته

هنا ستخرج هذه الأحداث أمام العالم، وقد تدفع بعضهم لإعادة النظر في مواقفهم. وهذا السيناريو ممكن الوقوع؛ نظراً لدهاء الحركة ووفائها لطابعها الدموي من أجل السلطة؛ لكن تبقى فرص تجسيده ضئيلة، لأن سعيّد يدرك جيداً فرضية هذا السيناريو، ولهذا بادر لدعوة التونسيين الذين يناصرونه لعدم النزول إلى الشارع، ولتجنب أي صراع مع أنصار الحركة، وسيعمل جاهداً من أجل منع السقوط في هذا الفخ.

هل تستطيع “النهضة” تهديد الأمن التونسي؟- (صورة وكالات)

المحلل السياسي فريد العليبي، كانت له قراءة لهذا المشهد السياسي الجديد في تونس؛ لكنه شدد على أن سعيّد سينتصر بإرادة الشعب.

فريد العليبي

وقال العليبي لـ”كيوبوست”: “يخضع قيس سعيّد إلى ضغوط من جهتَين؛ الجهة الأولى هي الاتحاد الأوروبي وأمريكا وتركيا وقطر، وبنسب متفاوتة؛ ولكنها تلتقي كلها في محاولة فرض اتفاق بينه وبين راشد الغنوشي، حتى يعود البرلمان إلى سالف عمله مع بعض التحسينات في أدائه. أما الجهة الثانية فمصدرها أحزاب وجمعيات ونقابات محلية، تطالبه بوضع حد للوضع الاستثنائي بسرعة، وتقديم ضمانات تفيد تقيده بالدستور، وهى تذهب، ولكن بخجل، إلى فرض سيناريو الحوار الوطني عليه، وبالتالي الرجوع إلى وضع 25 يوليو؛ وهذا يعني الاشتراك مع الضغوط الدولية في طلب نفس الغاية”.

اقرأ أيضاً: تونس.. انقلاب على الشرعية أم تصحيح لمسار الثورة؟!

ويضيف: “لكن من الصعب أن يخضع قيس سعيّد إلى تلك الضغوط، وهذا سيجعله في وضع صعب، والحل هو الاستناد إلى الشعب، والتوجه إليه مباشرة ودون وساطة؛ وهذا يفترض آليات محددة في مخاطبته والتلويح بورقته شرط ضمان مؤازرة المؤسسة العسكرية والأمنية. ما فجَّر المظاهرات الشعبية الواسعة يوم 25 يوليو إنما هو التناقض بين الشعب ومنظومة سياسية فاسدة تدعمها القوى الدولية، وتجد نصيراً لها بين قوى مترددة من أوساط البرجوازية الصغيرة التي يفزعها شبح ضياع بعض الامتيازات التي حصلت عليها في ظل الديمقراطية الناشئة، وبالأخص الرضاعة من ثدي الحريات الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية.. إلخ، ولا تهمها كثيراً الديمقراطية الاجتماعية، بما تعنيه من تحقيقٍ لشعارات انتفاضة 17 ديسمبر في التشغيل والتنمية”.

“إن مقاومة تلك الضغوط، وفك الحصار على قيس سعيّد مهمة شعبية، وهؤلاء الذين نزلوا إلى الشوارع كفراً بالجوع والقمع والفساد لا شيء يمنعهم من العودة إليها ثانية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة