الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل ينجح “أسد خان” في وضع البشير داخل “قفص” الجنائية الدولية؟

لن يمضي قرار تسليم الرئيس السوداني المخلوع إلى لاهاي دون أن يثير حالة من الشد والجذب بين مكونات الحكومة الانتقالية

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لا يزال صدى صوت الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، يتردد في آذان أُسر ضحايا حرب دارفور وردهات المحكمة الجنائية الدولية، وهو يرفع عصاه وسط حشد كبير من أنصاره في مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، في مارس 2009، ثم يشير بها إلى حذائه، قائلاً: “أوكامبو والمحكمة الجنائية الدولية تحت جزمتي”، في الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة خارجية السودان، مريم المهدي، الثلاثاء الماضي، لدى لقائها مدَّعي عام المحكمة الجنائية الدولية، خلال زيارته إلى الخرطوم؛ عن قرار مجلس الوزراء تسليم المطلوبين من أركان النظام السابق إلى “الجنائية الدولية”.

اقرأ أيضاً: بعد إجراءات قيس سعيد.. أبواب إفريقيا مُغلقة أمام “فلول النهضة”

حينها كان المدعي العام الأسبق للمحكمة الدولية الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو، يُضيِّق الخِناق على البشير وبعض معاونيه؛ من أجل جلبهم إلى العدالة الدولية بتُهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتطهير عرقي في إقليم دارفور غربي السودان.

المدعيان العامّان السابقة والأسبق للمحكمة الجنائية الدولية- وكالات

مرَّت سنوات، وحلَّت الغامبية فاتو بنسودة، مكان أوكامبو، وسارت على نهجه في ملاحقة البشير، بينما هو متمسك بالتلويح بعصاه وحذائه ومتشبث بالسلطة؛ إذ كان يعلم يقيناً أنه إذا فقدها فلن يشفع له حذاء أو عصا.

أطاحت الثورة الشعبية العارمة عام 2019 بنظام الإخوان المسلمين، واعتقلت البشير وزجَّت به في سجن “كوبر” بالخرطوم، وقدمته إلى محاكمة بتهمة تدبير انقلاب على النظام الديمقراطي في يونيو 1989؛ لا تزال جارية. لكن الحكومة الانتقالية أحجمت عن توجيه الاتهامات إليه في ما يتعلق بجرائم حرب دارفور، ريثما تسن وتصدر قوانين جديدة تسمح لها بذلك، بجانب إجازة قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا ما فعله مجلس الوزراء السوداني، الأسبوع الماضي.

اقرأ أيضاً:  “الأمن الشعبي”.. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟

ضربة “أسد خان”

مثلما حدث في عهد أوكامبو، لم تفعل بنسودة كثيراً بشأن البشير، المحمي بالسُّلطة، رغم توليها المنصب تسعة أعوام، لتُفسِح المجال لمدعٍ عامٍّ جديد، سرعان ما حثّ الخطى نحو الخرطوم عقب مباشرته مهامه في يونيو 2021، وكان قد أدى اليمين في فبراير من نفس العام.

كريم أسد خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية- وكالات

ويتوقع مراقبون وقانونيون أن الفرصة غدَت سانحة للمحامي البريطاني كريم أسد خان، 51 عاماً، لتحقيق ما فشل فيه سلفاه؛ حيث إن الأرضية السياسية والقانونية السودانية صارت ممهدة ومهيأة له لتلقي هديته الثمينة في بداية مشواره المهني مع “الجنائية الدولية”؛ فمجلس الوزراء أجاز قانون روما الأساسي، في انتظار المصادقة النهائية بالترتيب مع مجلس السيادة، شريكه في إدارة المرحلة الانتقالية، فضلاً عن تسمية المارشال “مني أركو مناوي” حاكماً لإقليم دارفور؛ وهو قائد حركة تحرير السودان، إحدى الحركات الدارفورية التي حملت السلاح في وجه البشير، وأبرز المطالبين بتسليمه وبقية المتهمين إلى “الجنائية”. فهل تنصف حكومة حمدوك/ البرهان، أُسر ضحايا دارفور والنازحين واللاجئين بسبب الحرب المجنونة وغير العادلة التي شنَّها نظام جماعة الإخوان المسلمين عليهم، وتهدي كريم خان ضربة بداية ممتازة في انطلاقته الأولى كمدعٍ عام لـ”الجنائية الدولية”، أم تتقاعس عن ذلك؟

اقرأ أيضاً: لسودان في ذكرى الانقلاب.. 30 عاماً من الفساد والإرهاب بسبب الإخوان

مجرم حرب

 

عثمان موسى عمر

بالنسبة إلى المحامي والقانوني والناشط السياسي عثمان موسى عمر، قال في حديثه إلى “كيوبوست”، معلقاً على الحدث: لكي نفهم القضية جيداً لا بد من عرض تسلسلها الزمني، أو سياقها التاريخي؛ حيث أنفق المدعي العام الأسبق أوكامبو، بتكليفٍ مباشر من الأمم المتحدة، ثلاث سنوات في التحقيق عن ادعاءاتٍ بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور بغرب السودان، حتى تسنى له في 4 مارس 2009 توجيه اتهامات إلى الرئيس المخلوع، عمر حسن البشير، بشأنها؛ بما فيها الإبادة الجماعية. وقال أوكامبو حينها: إن نية الرئيس بارتكاب جرائم الإبادة كانت واضحة؛ بسبب الهجمات المُخطط لها على مخيمات النازحين الدارفوريين داخل البلاد؛ التي كانت تأوي نحو 2.5 مليون شخص. ثم أصدر أمر اعتقال بحقه، خرقه البشير مراتٍ عديدة؛ بدءاً بزيارته إلى تشاد في نفس عام صدور مذكرة توقيفه 2009.

اقرأ أيضاً: السودان دولة علمانية.. وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

ضرورة مُلحة

وبإطاحته عن السلطة، 2019 -يواصل عمر تعليقه- أصبح أمر تسليم البشير ضرورياً ومُلحاً؛ لإنصاف أُسر ضحايا الحرب في دارفور، ولإرسال رسالة قوية لمَن يأتي بعده بأن يُفكِّر ملياً قبل الإقدام على شنِّ حرب إبادة على شعبه، ولإرساء أسس العدالة والانصاف وتضميد الجراح وخلق حالة من الوئام الاجتماعي بين مكونات المجتمع؛ خصوصاً في دارفور.

أحمد هارون.. إخواني متشدد معتقل حالياً ومطلوب إلى المحكمة الدولية- وكالات

ليس للبرهان خيار إلا الموافقة

ومن وجهة نظري، فلا توجد الآن عقبات قانونية تحول دون تسليم البشير وبقية المتهمين إلى “الجنائية الدولية”؛ فمجلس الوزراء أجاز قانون روما الأساسي، وينتظر موافقة مجلس السيادة برئاسة عبدالفتاح البرهان، للمصادقة النهائية عليه -يضيف عمر- ويستطرد: لا أعتقد أن بمقدور البرهان الالتفاف على المصادقة، أو رفضها، حتى إن أراد؛ لأن ذلك سيجلب له المتاعب، فالثوار موجودون على الأرض، ولن يسمحوا بذلك. وعائلات ضحايا الحرب رحبت بقرار مجلس الوزراء تسليم البشير والمطلوبين الآخرين، واعتبرت ذلك أمراً حتمياً؛ لأن الجرائم التي ارتُكبت ستؤجج حالة الغبن مرة أخرى؛ وربما تعصف بجهود السلام الحالية إذا لم تتحقق العدالة، ولن يهدأ لها بال ما لم يُسلم البشير، وستعتبر كلَّ مَن يقف دون ذلك عدواً لها ومتواطئاً مع المجرمين؛ لذلك فالأرجح موافقة البرهان وبقية العسكريين في مجلس السيادة الانتقالي على محاكمة البشير في لاهاي، خصوصاً أن البرهان نفسه كان قائداً للقوات البرية إبان حرب الإبادة بدافور، وتُثار حول أدواره هناك الكثير من الشكوك؛ مما قد يفاقم منها إن وقف حجر عثرة دون تسليم البشير.

الفريق أول عبدالفتاح البرهان- رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان- وكالات

 يختم عمر حديثه إلى “كيوبوست”، قائلاً: بطبيعة الحال لن يمضي قرار تسليم البشير إلى (لاهاي) دون أن يثير حالة من الحوار والأخذ والرد والشد والجذب بين مكونات الحكومة الانتقالية؛ لكن سيكون القرار النهائي المتفق عليه هو تسليمه، وينفذ ذلك قريباً وفي أية لحظة.

اقرأ أيضاً: السودان.. محاسبة الإخوان بعد سنوات من سرقة ثروات الشعب!

لا مجال للمناورة

وفي السياق نفسه، اعتبر المستشار القانوني محمد صالح، في تصريحٍ خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، أن إمكانية رفض مجلس السيادة الانتقالي، الذي يضم مدنيين بجانب العسكريين، قرارَ تسليم البشير الذي صدر عن مجلس الوزراء، غير واردة؛ لجهة أن السيادي نفسه كان وعد في فبراير 2020، بمثول البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن أن الحالة السياسية الداخلية، علاوةً على الظروف السياسية الإقليمية والدولية، لا تتيحان له أي هامش للمناورة في هذا الصدد.

الفريق أول عبدالرحيم حسين وزير دفاع البشير.. معتقل حالياً ومطلوب لدى المحكمة الدولية- وكالات
محمد صالح

ويشير صالح إلى أن مَن يدَّعون أن الفريق أول عبدالفتاح البرهان سيرفض تسليم البشير إلى “الجنائية الدولية”، هم من فلول نظام جماعة الإخوان، ويريدون الإيقاع بين العسكريين والمدنيين بدعاوى واهية؛ مثل أن الجيش السوداني لا يمكن أن يقبل تسليم ضابط عظيم مثل البشير إلى محكمة خارج البلاد، بينما الواقع يقول إن البشير نفسه هو مَن عمد إلى تدمير الجيش ومصادرته لصالح حزبه (جماعة الإخوان)، وهو أول عسكري يعطي لمدنيين رتباً عسكرية بمختلف درجاتها؛ بما فيها رتب كبيرة، لمجرد أنهم (إخوان مسلمون) أو قادة ميليشيات قبلية تساند الحكومة في حربها ضد المتمردين؛ لذلك فإن الجيش السوداني يميل إلى تسليم البشير إلى “كريم أسد خان”، ليحاكمه في لاهاي.

اقرأ أيضاً: ما الدوافع خلف حملة الاعتقالات ضد عناصر الإخوان في السودان؟

آلية عمل الحكومة

علي كوشيب متهم بارتكاب جرائم حرب في دافور سلَّم نفسه إلى المحكمة الدولية طوعاً- وكالات

الفريق الثاني ممن يروجون لإمكانية رفض رئيس مجلس السيادة تسليم الرئيس المخلوع، لا يعرف الآلية التي تعمل بها الحكومة الانتقالية بشقَّيها العسكري والمدني؛ فغالباً ما تُتخذ القرارات بتنسيقٍ مُسبق بين الجانبَين، ولا يمكن لأي طرف اتخاذ قرار دون موافقة مسبقة من شريكه، لكنهما يختاران بعناية فائقة أياً منهما مَن سيعلن القرار، ثم بناءً على ذلك يقيسان توجهات الرأي العام، وردود الأفعال حيال ذلك، وما يحدث لاحقاً من اجتماع علني بينهما لما يسميانه مصادقة أو موافقة على القرار هو محض تمويه سياسي، يتحوطان به لمنع تأثير فلول النظام السابق على الرأي العام، وكسب تعاطفه إزاء القرار، كما يحدث الآن إزاء تسليم المخلوع البشير؛ حيث يروجون قصة مفادها أن شرف العسكريين يحول دون تسليمهم رفيق سلاحهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، بينما لم يُهن الشرف العسكري ويُمرَّغ في التراب في تاريخ الجيش السوداني، كما حدث في عهد البشير، وعلى يدَيه؛ لذلك يعتبره جل العسكريين مارقاً ومجرماً، أهان الجيش وقلل من قدره وحطّ من مكانته، وهم ينتظرون بفارق الصبر إحالته إلى لاهاي، وبظني أنها أصبحت وشيكة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة